غادر الخميس 26 نوفمبر 2015 الأنبا تواضروس رأس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية القاهرة؛ متوجهًا إلى القدس، عبر تل أبيب (تل الربيع) بتأشيرة إسرائيلية، على متن طائرة يستقلها أيضا سفير الكيان الصهيوني في مصر (حاييم كورين)، وتعد هذه أول زيارة لقيادة دينية مسيحية مصرية للقدس وهي تحت الاحتلال، عبر المرور بتل أبيب: عاصمة دولة إسرائيل، بما يُعد اعترافا وتطبيعًا مع الكيان المحتل للأرض الفلسطينية (من النهر إلي البحر).

 

وسبب تجريمنا لهذا الفعل ووصفه بأنه عمل مُشين، مناف للثوابت الوطنية المصرية عند المسيحيين والمسلمين، هو أن ببساطة هناك حكاية لهذه الأمة، بدأت الحكاية بوعد مِمَن لا يملك لمن لا يستحق في نوفمبر 1917: حيث وعدت المملكة المتحدة اليهود بإنشاء وطن قومي لهم، عبر آرثر جيمس بلفور وزير الخارجية البريطاني آنذاك، ليأتي تواضروس في نوفمبر 2015، وكأنه يوقع باسمه وعد “بلفور” جديد؛ ليضع وصمة عار كبرى في جبين الوطنية المصرية، ويُهين مشاعر ملايين المسيحيين المصريين، ومئات الملايين من المسلمين عبر العالم.

 

 

وإذا أردنا أن نُكمل الحكاية فقد أعلن بن غوريون مدير الوكالة اليهودية في 14 مايو 1948 قيام دولة إسرائيل كدولة للشعب اليهودي على الأراضي الفلسطينية العربية الإسلامية، بما تحويه من مقدسات مسيحية وإسلامية، فيما بقيت الضفة الغربية، وبها القدس الشرقية، وقطاع غزة، دون احتلال، حتى جاءت نكسة يونيو 1967 واحتلت إسرائيل سيناء (مصر)، وقطاع غزة والضفة الغربية والقدس كاملة (فلسطين)، وهضبة الجولان (سوريا)، ثم بعدها بسنوات قليلة قامت حرب 6 أكتوبر 1973 مما ساعد على تحرير سيناء بشكل كامل، عدا (أم الرشراش = إيلات) بعد مفاوضات نتج عنها ما سُمي بمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في 1979، والتي أتت على أثر اتفاقية كامب ديفيد الموقعة في 1978.

 

فكما وقّع بلفور على حق اليهود في احتلال فلسطين في 1917، وقع أيضًا السادات في 1979 على حق اليهود في احتلال فلسطين؛ عبر اعترافه بشرعية دولة إسرائيل وزيارته الشهيرة للكنيست في 1977، ولكن رفضت الشعوب العربية، وفي مقدمتها الشعب المصري (مسلموه ومسيحيوه) هذا الاعتراف بالاحتلال، فنتج عن ذلك أن أصبح النظام المصري مُعترف بدولة إسرائيل، ويُطبّع علاقاته معها، وقد اقتدت به بعد ذلك بقية الأنظمة العربية! ولكن بقيت الشعوب ترفض التطبيع، وترفض الكيان الصهيوني المحتل، فبقى الاتفاق الضمني بين الشعوب العربية، وخاصة الشعب المصري بمكوناته المختلفة، على أننا نرفض الاحتلال الصهيوني، ونرفض التطبيع، ولا نعترف بإسرائيل.

 

حتى أن الأنبا شنودة والأنبا كيرلس السادس (قيادات الكنيسة قبل تواضروس) قد رفضا الذهاب للقدس تحت أي ظرف طالما ظلت محتلة، وقال الأنبا شنودة: إن (هذه المدينة لها مكانة كبيرة في قلب كل مسيحي)، فهل تغيرت اليوم مكانتها في قلب الأنبا تواضروس، والذي قال منذ شهور: (ما زال قرار البابا كيرلس والبابا شنودة، إننا لما نحب نزور القدس نزورها ويّا كل اخواتنا المصريين، فصحيح فيه تطبيع بين الحكومات بس لسه التطبيع الشعبي، وهتقوللي فيه ناس راحت فدول كسروا إجماع احنا متفقين عليه وحاجة نشترك فيها كمصريين، والمسيحيين لو زاروا القدس لكان نوع من الخروج عن شريعة المجتمع، وزيارة جزء من المصريين للقدس هو خيانة للكل).

 

فلماذا خرج الأنبا تواضروس عن إجماع المصريين؟ بعد عشرات السنوات من الالتزام بأن إسرائيل عدو، لا نُطبّع معه، ولا نعترف به، ولا نُعطيه شرعية، سيقول هو ومتحدثه الرسمي أسبابا واهية، يأتي على رأسها عبارة: (موقف الكنيسة ثابت لم يتغير، وهو عدم زيارة القدس، إلا مع أخوتنا المصريين جميعا، وهذه زيارة رعوية، وليست سياسية)، مما ذكرني بالجملة المُعبرة: (قل لهم ما يريدون سماعه ثم افعل ما تُريد!)، فالأنبا تواضروس، والذي يُقابل كبار السياسيين والممثلين الدبلوماسيين للدول العُظمى والكيانات الكبرى لا يعي رمزية قراره، وفعله بزيارة إسرائيل!

 

فقد تدرج الأنبا تواضروس، حتى وصل لقمة بشاعة الفعل: فقد بدأ جلوسه على كرسي الكنيسة بتأكيده على استمرار تمسكه بموقف الأنبا شنودة القاضي بعدم زيارة القدس، ما دامت تحت الاحتلال، ثم قال إن هناك كبار سن يُحبون أن يذهبوا في نهاية حياتهم للأراضي المقدسة، ثم وجدنا آلاف المسيحيين يذهبون دون أن توقّع عليهم الكنيسة أية عقوبات، ثم وجدنا خبر وفاة مطران القدس الأنبا إبراهام في 25 نوفمبر، فأعلنت بعدها بساعات صفحة المتحدث باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية على فيس بوك أن الأنبا تواضروس قرر إرسال وفد من أحبار الكنيسة للقدس؛ للصلاة على الأنبا إبراهام، ثم بعدها بساعات جاء القرار، والفعل المؤسف بسفره شخصيا؛ ليرأس هذا الوفد، كطعنة نجلاء للوطنية المصرية، وشرف العهد والاتفاق، الذي هو بيننا جميعا كمصريين: أن ندخل فلسطين منتصرون، لا أن ندخلها مُعترفون بالمغتصب القاتل المحتل الذي يذيق المسلمين والمسيحيين الويلات، وينتهك المقدسات، ويحارب المصريين في مياه النيل من الجنوب، ويسرق الغاز الطبيعي المصري في البحر المتوسط في الشمال، ويقتل جنود الجيش في سيناء شرقا، ويدعم الاستبداد والطغيان غربا، فهو يوم عار كبير يوم سيُسطّر على أنه: لأول مرة تضع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ختمها على وعد بلفور!

 

براق1

والعار يحتاج تطهُّر ومراجعة وتغيير، إننا وإن كنا نطالب الجيش في مصر بتطهير نفسه من القتلة والفسدة والمجرمين، ونطالب الإخوان بتنحية القيادات المنهارة والعقول البائسة الفاشلة، ونُطالب حركات شباب الثورة بتنحية القيادات الشبابية الضحلة ضيقة الأفق، ونُطالب علماء الأزهر بتحرير الأزهر وإزالة قيادته الحالية التي تُمثل عارًا هي الأخرى، فإننا أيضا نُطالب المسيحيين بأن يجبروا الكنيسة على مراجعات حقيقية، مراجعات تحدد دورها في السياسة، فترفض وقوف الأنبا تواضروس بجانب الفريق السيسي في 3 يوليو 2013، وترفض تأييد الكنيسة للنظام، ومنتجاته من دستور في 2014 وبرلمان في 2015، وترفض قتل الآلاف واعتقال عشرات الآلاف من المصريين، وترفض الموقف المشين لرأس الكنيسة بزيارته للقدس وهي تحت سلطان الصهاينة المجرمين الذين يريدون لمصر الشر، وليس النِعَم.

 

إن إعلان كل مسيحي وأسقف وراهب وحبر وقيادة كنسية، ليس عن رفضه لبقاء الأنبا تواضروس في منصبه، ولكن على الأقل عن رفضه التام لهذه الزيارة، مع تقديره لسببها (حضور الصلاة على مطران الكنيسة القبطية بالقدس: الأنبا إبراهام، والذي نُصّب مطرانًا في نوفمبر1991)، هو بداية الطريق لمراجعات حقيقية على الكنيسة إجراؤها؛ كي لا يستمر هذا النهج الذي يضرب الثوابت الوطنية، ويُعادي جموع الشعب المصري، حتى وإن كان يبدو أنه موافق لرغبات وطلبات وأوامر النظام وسلطة الجيش في مصر.

 

وأنا هنا أتحدث لكل مسيحي كجزء أصيل من هذا الشعب أن يتفاعل مع الحدث دون تبرير أو دفاع عن موقف الأنبا تواضروس، فأنت لست هو، ولا بد من الاعتراف بالخطأ والرجوع للحق، فمقصورة الثوابت الوطنية ليست ملعبًا للكيد السياسي أو الاختلاف والصراع، كما أدعو أنا شخصيا الأنبا تواضروس لوقف هذه الزيارة فورًا والعودة للوطن، والاستجابة للرفض الشعبي؛ حتى لا يؤرّخ أنه انتهك القرار الوطني والثوابت التاريخية للكنيسة.

 

إن أخوف ما نخافه أن نري السيد تواضروس في زيارات العار القادمة يكرر أفعال سيد دولة الفاتيكان أو كما يُسمونه (بابا الفاتيكان) ولاعب الكرة الشهير “ميسّي” فيزور إسرائيل، ثم يُصلي مثلهم عند حائط البراق!

براق

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد