هنالك اثنا عشر معايير يمكن من خلالها قياس وزن الدولة أي كانت ..

قبل عدة أيام كنت قد خضت نقاشًا «حاميًا» مع أحد الأصدقاء عن مستقبل العلاقات السعودية– العمانية في ظل حالة الانقسام في الرؤية السياسية لكلا البلدين، في مسائل الشرق الأوسط، وكان هناك صديق ثالث اعترض عليه وكان متأكدًا أن المملكة العربية السعودية هي الأكثر جرأة وقوة في توقيف عمان عند حدها لو حاولت المرور على الخطوط الحمراء.
هذا الأمر جرني إلى وضع سؤال جوهري عن كيفية قياس وزن الدولة؟ وهل هناك معايير ومقاييس علمية تقاس من خلالها قيمة الدولة ووزنها، أيًّا كانت في الشرق أو في الغرب، أم أنه من الصعب إيجاد مقاييس علمية يجري من خلالها الوزن؟
في الحقيقة يوجد هنالك في مجال العلوم السياسية حوالي 12 معيارًا لكيفية قياس الدولة أيًّا كانت نوعية وشكل الدولة، ومهما تباعدت من الحرب أو كانت وسط منطقة كلها صراعات وحروب.

1- سعة الإقليم جغرافيًّا:

المعيار أو المكيال الأول يختص بسعة الأقليم؛ بمعنى هل الدولة تملك إقليمًا واسعًا، أم أنها من الدول ذات الخيارات الضيقة؛ الدول التي تتمتع بمساحات شاهقة تكون أصعب وأثقل من الدول التي لا تملك إقليمًا واسعًا، عمان وقطر يعدان من الدول التي بها نقص حاد في هذا المعيار، ومن جانب آخر إمكانية هائلة بالنسبة للسعودية، وروسيا، وكندا.

2- الموارد الطبيعية:

المكيال الثاني متعلق بالموارد الطبيعية الموجودة في البلد؛ هل هنالك تعدد موجود أم تعتمد الدولة على اقتصاد بدائي يهتم فقط بجانب واحد هو يصنع ويحرك الإنتاج، وإذا انخفض أو انهار هذا المورد انتهى الاقتصاد كله؟ إذ إنه إذا تعددت مصادر الموارد الطبيعية من النفط، والحقول الزراعية كان أكثر متانة وقوة بالنسبة لها، دولة كعمان مثلًا تعتمد بشكل أساسي على النفط الخام وتحريك الموانئ بالبضائع الصينية، أما تركيا في مجال آخر فهي تعتمد السياحة، شركات السلاح التركية، تصنيع وإنتاج الملابس والاستهلاكيات. والسؤال الرئيسي في هذا المعيار هو: هل هنالك تنوع في الموارد الطبيعية من النفط إلى الحقول الزراعية؟

3- السكان:

المكيال الثالث، المتعلق بإجمالي عدد السكان، وكم تتوفر لديهم فرص العمل، ومدى إنتاجيتهم وقدرتهم على الحركة،  بمعنى أن لا فائدة إن كان العدد كبيرًا في الحجم وضعيفًا في الإنتاج والحيوية، معتمدًا على الآخرين، أما إذا كانوا قلة قليلة فالموضوع يصبح أصعب! كلما كان السكان في حالة تكاثر ونشاط مستمر، كان هذا لصالح الدولة، ويزيد من قوتها بشكل أكبر. طبعًا كمثال آخر تملك الصين والهند حوالي أكثر من ملياري نسمة، وأغلبهم نشط وفي حالة استثمار من قبل الدولتين.

4- الاقتصاد:

المكيال الرابع، يشبه إلى حد ما مكيال الموارد الطبيعية، هل الاقتصاد يعتمد على نوع معين (نفط) مثلًا في الإنتاج، أم لديه أكثر من مصدر إنتاجي يدخل مبالغ ضخمة للدولة؟ هل الاقتصاد بدائي أم أنه متوازن وحركي، بحيث لا يتأثر كثيرًا في حالة انهيار أو ضعف شراء المنتج من قبل الدول الأخرى؟ وهل هو في حالة تطور دائم أم راكد على وضع محدد؟ كلما تعددت مصادر الإنتاج وتطورت الصادرات للخارج لدى الدولة، كانت أكثر قوة ومرونة في التعامل مع الظواهر الاقتصادية الحاصلة في النظام الدولي.

5- الجيش:

المكيال الخامس – وهو من أكثر المكاييل شهرة – المتعلق بالقدرات والخبرات القتالية لأفراد القوات المسلحة، أين وصلت؟ هل تملك جيشًا قويًّا بالعتاد العسكري، والعقيدة القتالية، والإيمان بالوطن، ويحمل خبرات قتالية طويلة؟ ويملك إمكانيات وقدرات عسكرية ضخمة؟ في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية 1967- 1990م كان الجيش في حالة توقد وردع ثخين بالنسبة لموضوع السيادة الوطنية ومحاربة أعداء الدولة؛ وبالتالي كانت القوة العسكرية من أهم عوامل هيبة الدولة الاشتراكية السابقة.

6- العلم والتكنولوجيا:

المكيال السادس، يعتمد على معدل البحوث العلمية ومدى تطورها العلمي والتكنولوجي، فهل هي تستخدم طرقًا وأدوات قديمة وثقيلة في إجراءات وخدمات المواطن؟ أم أنها تقدم له خدمة فائقة السرعة والإنجاز؟ بالإضافة إلى كمية ومعدل البحوث العلمية التي تقدمها مراكز الدراسات والبحوث، ومدى تطورها ودقة اقترابها من فهم المحصول السياسي؟ لو لاحظنا أن أغلب دول الوطن العربي ينقصها الكادر الباحث والمؤسسات البحثية ومراكز الدراسات العلمية في مجال العلوم السياسية والعسكرية، وبالتالي كان من الصعب التنبؤ والتعامل بذكاء مع تطورات الوضع الإقليمي والدولي المتغير من أحداث الربيع العربي 2011، لكن هذا الأمر في المقابل تحاول فيه عدة دول سد ثغراته في الفترة الحالية مثل الإمارات– قطر– تركيا– تونس.

7- التطور الاجتماعي:

من حيث المساواة في القوانين والتشريعات، وانتشار المواطنة بين أفراد المجتمع، هل هنالك عنصرية لدى أفراد المجتمع فيما بينه أو على الآخرين؟ وما مقدار احترام القوانين وحقوق الفرد في داخل القوانين والمؤسسات العامة؟ هل هنالك أزمات داخلية تمس وتهدد النسيج الاجتماعي؟ – مثل البدون في الكويت – الأكراد في كل من سوريا والعراق – من المهم جدًّا فحص مكيال التطور الاجتماعي عند قياس وزن الدولة، وهو ما يجري التركيز عليه بكثافة في المراكز العالمية المتخصصة.

8- القدرة على استدامة النمو:

هل النمو الموجود في الدولة مستمر أم أنه نتيجة شخص أو شخصين فقط يصعد وبعد فترة من الفترات ينهار أو يهرب؟ وهل هو متزن في طريقة الصعود أم متخبط ويعيش أزمات ومشكلات مع الكل؟ وهل يراجع نفسه بعد مرور تجارب ضخمة وحروب قاسية؟ اليابان مثلًا بعد سقوط قنبلتين نوويتين أحرقت الناس والبر 1945 اهتمت بما عندها من موارد عن طريق طرح ثلاثة أسئلة في ذلك الوقت: لماذا لم يكن لدينا سلاح نووي كالذي جربه علينا الأمريكان؟ لماذا لم تنبهنا مراكزنا البحثية لوجود مثل هذا السلاح الخطير جدًّا؟ وأين كنا في تلك اللحظة بينما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تبني هذه المنظومة التكنولوجية المرعبة؟!

9- الأمن:

هل الأمن في حالة دائمة بداخل الدولة وليست هنالك قلاقل؟ معيار الأمن من أهم المعايير المعروفة عالميًّا؛ إذ لا يقتصر الجانب العسكري على تطوير هيبة الجيش تدريجيًّا، بل لا بد من وضع حد للصراعات المناطقية والعسكرية والفئوية في داخل الإقليم، وبالتالي من الصعب أن يكون هنالك تفوق عسكري من غير ضبط وقع الأمن في المجتمع، وهو ما يجعل الدول العربية الآن تعيش في تحدٍ كبير في هذا المكيال.

10- المشاكل السياسية الداخلية والمشاركة السياسية:

ماذا عن انتقال السلطة وحالة النظام والمعارضة؟ وكيف تنتقل السلطة السياسية في البلد؟ وهل هنالك معدل مرتفع من الحريات في المشاركة السياسية؟ أم أن المواطن يعيش بعيدًا عن المعترك السياسي؟ معدل المشاركة السياسية وتخفيف حدة الصراعات بداخل السلطة من أهم وأكثر المعايير تعقيدًا، وهذا من ناحية أخرى ما جعل جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية تذهب إلى مشروع الوحدة بكل عاطفة دون النظر إلى التفاصيل العميقة والتفكير السليم- للخروج من الصراعات التي دبت فيها.

11- المساهمة العالمية:

هل توجد مساهمة عالمية للدولة أم أن وجودها من عدمها واحد؟ في القرون الحديثة لا يكفي لأن تكون للدولة فقط مصادر اقتصادية، وقوة عسكرية تحميها فقط داخليًّا؛ فحتى تكون أكثر متانة على التعامل مع الموجود حولها، من الضروري أن يقاس معدل المساهمة التي تقدمها للعالم من حيث القضاء على الفقر– الأمية– الاحتباس الحراري– بالإضافة إلى السيطرة على موارد الإنتاج والدخول في علاقات مستدامة وعميقة مع الدول الأخرى، بالتالي يرتفع معدل المساهمة العالمية بحسب قدراتها وهو ما يستلزم إنشاء مراكز الأبحاث العلمية التي تقرأ وتقر هذه التدخلات.

12- طموحات القيادة السياسية:

في هذا المكيال المهم، فالسؤال الذي يضع نفسه بقوة: هل لصانع القرار طموحات سياسية في الاستمرار والسيطرة والدخول في الصراعات الإقليمية العالمية؟ أم أنه منطوٍ على ذاته ولا يملك ما يقدمه أو يأخذه من الآخرين؟ وهو ما يفسر من ناحية أخرى وجود تركيا في أفريقيا، والإمارات في قناة بنما في قارة أمريكا الجنوبية، والسعودية في باكستان، وأمريكا وإيران في اليمن، وكل هذا التشابك الحاصل؛ لأن الصراعات متداخلة فيما بينها والتأثير حتمًا سيصل حتى لتلك التي ليس لدى صناع قرارها طموحات خارجية. يقول المفكر السياسي أيلي فيزيل: «من الأفضل تصديق تهديدات أعدائنا من كلمات ووعود أصدقائنا»، وبالتالي معيار طموحات القيادة السياسية من أهم معايير قياس وزن الدولة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد