الأفلام العظيمة هي تلك الأفلام التي تبقى في وجداننا للأبد، والتي تعكس الإنسان بطبيعته البشرية كما هي، مما تجعلنا نفكر في الحياة التي نعيشها يوما بيوم، وبويهود هو أحد هذه الأفلام العظيمة. إن ما فعله المخرج الأمريكي ريتشارد لينكلاتر لأمرٌ كبير، ليس فقط لأنه صور الحياة الطبيعية لأسرة تقليدية من بين ملايين الأسر لمدة تزيد عن العقد، وإنما لأنه استطاع أن يمسك باثني عشر عامًا من الزمن في مائة وخمس وستين دقيقة فيلم، فطيلة الثلاث ساعات إلا الربع وأنت تشاهد التطور الجسدي والذهني والوجداني الطبيعي للشخصيات، أو بعبارة أخرى ثلاث ساعات بالتقريب وأنت تشاهد الحياة تمر.

اثنا عشر عاما أمضاها لينكلاتر ليخرج للنور أهم الأعمال السينمائية في الحقبة الأخيرة، وأحد أفضل أفلام الألفية. بدأ التصوير في سنة ألفين واثنين حينما كان مايسون (إيلار كولتران) الشخصية الرئيسية في الفيلم في سن الخامسة من عمره، وانتهى في سنة ألفين وثلاثة عشرة وهو في الثامنة عشرة، في مهمة ما كانت لتُنجز في الأفلام الأخرى إلا بثلاثة ممثلين ذوي أعمار مختلفة، وهكذا بقية شخصيات الفيلم.

وهذا ما يجعل من الفيلم حالة أسطورية وتجربة سينمائية فريدة من نوعها. ولك أن تتخيل مقدار المجازفة التي أقدم عليها لينكلاتر ليخرج الفيلم؛ فأقصى مدة يسمح بها القانون الأمريكي لعقود التمثيل هي سبع سنوات، لذا لم يكن أي الممثلين مضطرا بالالتزام لمدة اثني عشر عاما للمشاركة في الفيلم.

رؤية لينكلاتر بعيدة المدى هي أجمل ما في الفيلم، فهذا رجل لا يريد غير الطبيعة البسيطة والواقعية المباشرة في فيلمه، واللتان ظهرتا جليا وبكل وضوح في المائة وثلاثة وأربعين مشهدًا. النص الذي كتبه كان يتجدد بتطور الأحداث الاجتماعية والسياسية في البلاد، وأكثر ما يميزه هو التماسك في البناء الدرامي للقصة على الرغم من أنه كان يأخد مكانا جديدا في كل سنة جديدة يتم فيها التصوير.

وسرّ روعة الفيلم هو أنك حينما تشاهده لا تشعر بأن هناك كاميرا تصور ونصًا مكتوبًا ومخرجًا يرتب للمشاهد، فكل شيء في الفيلم من الألف إلى الياء أساسه حقيقي وصادق، طبيعي وواقعي.

الجميل في أسلوب إخراج لينكلاتر للفيلم هي البساطة وعدم التعقيد، فكل مشهد يشعرك بعدم التكلف أو التجمل الزائد.

بميزانية لا تتعدى المليونين ونصف المليون دولار، وعلى فيلم الخمسة وثلاثين مليمترًا صُور الفيلم في تسعة وثلاثين يومًا، وعلى مدى اثنتي عشرة سنة متواصلة، دافعا بالأفلام المستقلة خطوة واحدة للأمام تسبق بها أفلام الأستديوهات الكبيرة صاحبة الميزانيات الضخمة، مما يجعل منه عملًا فنيًا ملهمًا للسنيمائيين في المستقبل.

فالأفلام ليست عن الإيرادات ونجم شباك التذاكر وحسب، وإنما عن الفن والإبداع والابتكار. بويهود يضعك في حالة روحية جميلة لا تريده أن ينتهي بانتهاء مدته، تريده أن يستمر في سحبك من عالمك وتستمر في التحليق في عالمه، حالة فريدة نادرًا ما تشعر بها إلا في فيلم لمس قلبك بعمق.

بويهود فتح بابًا جديدا في صناعة السينما بتصويره للحياة البشرية على طبيعتها وبدون تجميل أو تغيير فيها، وجدد الحنين لكلاسيكيات السينما. ففي وقتنا الحالي أفلام الأبطال الخارقين، وأفلام السيكويل والبريكويل تملأ صالات العروض في جميع أنحاء العالم، وكلها تعتمد اعتمادا كبيرا على المؤثرات البصرية، وألوان الديجيتال المدمجة، وشخصيات خيالية من عوالم غير موجودة، وجميع هذه الأفلام تشبه بعضها الآخر بشكل كبير.

ولكن بويهود أصلي من نوعه، ويقدم لك نوعًا من السينما قل إيجاده، ويجعلك تشعر بعظمة الفن وما يستطيع رسمه في أفق ثقافتنا الإنسانية، ويعرفك على قوة السينما وما تملكها من مقومات تستطيع أن تغير بها نظرتنا للحياة.

الفيلم عن الحياة بكل ما تحتويه من أمل، وحب، وسعادة، وخيبة أمل، وكره، وحزن، وعن الطفولة، والمراهقة، والرجولة، وعن الأسرة، والأمومة، والأبوة، والأخوة، وعن الصداقة، والمعارف، والأقارب، وعن الميلاد، والموت، وعن البداية والنهاية، وعن الإنسان.

الفيلم عن كل شيء في هذه الحياة، وكل شيء مررنا به، وكل شيء شعرنا به، وكل شيء شكل شخصياتنا وأثر في كينونتنا.

يقول الكاتب المسرحي الأيرلندي جورج بيرنارد شو: “الحياة ليست عن إيجاد ذاتك، وإنما عن تكوين نفسك”، وريتشارد لينكلاتر في فيلمه يقول: “أتعلم أن الجميع يقولون: اغتنم هذه اللحظة؟ لا أدري، أعتقد أن الأمر عكس هذا، أقصد دع اللحظة هي التي تغمرنا”، وأنا أقول لك ببساطة عِش الحياة ودع الحياة تَعِشْ بك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد