ترفع تركيا الستار عن سيارة محلية الصنع بالكامل ضمن مضمار السباق الصناعي، والتنافس التقني والتكنولوجي، ويصب هذا التصنيع في مجال الاستقلال سياسيًا واقتصاديًا، والولوج في العشرين من باب واسع، وهو باب الاكتفاء الذاتي، والاعتماد الكامل على الذات، دون هيمنة أقطاب الصناعات التي تسيطر على الأسواق العالمية كأمريكا، والصين، وكوريا، واليابان، وغيرها، وهذه النقلة النوعية لسيت وليدة اليوم، أو جديدة الوقوع، بل هي سلسلة من النمو الصاعد لكل القطاعات بشكل عام، ففي المجال العسكري أصبحت تركيا تصنع ما نسبته 70٪ من الصناعات العسكرية المحلية لقواتها، بل تصدر ذلك لدول في هذا العالم وتنافس الرأسماليات العالمية، وفي مجال التكنولوجيا أصبحت تركيا تغزو الدول الأوروبية فضلًا عن غيرها من دول العالم النامي، فعلى سبيل المثال حاسوب من أربعة حواسيب في أسواق أوروبا صناعة تركية، وفي مجال الإنتاج الزراعي شقت تركيا طريقها وبقوة وأصبحت صادراتها تكسو دول العالم.

إن الناظر لهذا التطور والتقدم يؤكد على:

أولًا: وجود إرادة سياسية حقيقة لدى ربان نهضتها، وصانعي قرارها.

وثانيهما: وجود إرادة شعبية يكتنفها الوعي والأبداع وحب التطور، فالساسة مع الشعب كلٍ يكمل الآخر لتحقيق الخطط المرسومة لنهضة البلاد في شتى المجالات.

لقد رسمت تركيا بالخط العريض هدفًا 2023 لتكون دولة صناعية متقدمة مكتفية ذاتيًا في شتى المجالات على رأسها الاحتياجات العسكرية، ولم تأت هذه المرحلة بعصاء سحرية، أو إعجاز خارق للعادة، بل بجهود مضنية، وبناء قاعدة علمية، ونهضة مهنية، واستراتيجيات تتعدى التبعية، والدوس على كل المعوقات والعقبات التي تواجهها وهذا برهان يومها التاريخي.

تركيا كانت يومًا ما دولةً ضعيفة تابعة، دولة مستهلكة لا منتجة، تعيش على الهامش ضمن بلدان العالم الثالث، بل كانت يومًا تعج مدنها بالقمامات المتراكمة التي تزكم الأنوف عند المرور عليها. تركيا كانت يومًا ما ذات عملة متدهوة، وفقر مدقع، تسودها الانقلابات، وتكتنفها التبعية.

لقد رسمت تركيا برامجها منذ زمن ونفذت خططها دون تواني أو قصور، قررت أن تسابق العالم، وأن تضع لها موطئ قدم بين العالم الرأسمالي المفترسة، فتعدت الموطئ إلى المنافسة والاقتحام.

إن نهضة تركيا لفتت أنظار العالم، وفاجأت الكثير، وأصبحت هدفًا يُصب عليها حمم من العقوبات، ونيازك من الانتقادات، وشهبًا من المؤامرات العالمية، والتغذية المباشرة للمكائد السياسية الداخلية وصناعة الكيانات لنخر هذا السَدّ وردمه حيث تكلل بمحاولات الانقلاب الفاشل في 2016، ولم تقتصر أمريكا ودول أوروبا في هذا الحدث؛ بل دول عربية كانت لها يدٌ طولى في هذه المؤامرات، وحياكة الدسائس ونصب الافخاخ والكمائن.

تركيا اليوم تصنع مستقبلًا جديدًا من خلال الصناعات الحديثة، واقتحام الأسواق العالمية، والتحالفات الإستراتيجية التي أفزعت الغرب وبعضًا من دول الإسلام.

كما أنها قررت وبقوة المحافظة على عمقها الإستراتيجي وأمنها القومي، واللعب بما لديها من أوراق على كل الأصعدة فكان ثمن ذلك هجومًا شرسًا، وتهديدات متوالية لثنيها عن أهدافها، وإيقاعها في شباك المواجهة، وحبائل الحرب.

وفي المقابل ماذا صنع العرب، وما هو رقمهم في هذا السباق، وأين وجهتهم مستقبلًا!

العرب وأخص دول الخليج على رأسهم السعودية والإمارات ذات المخزون النفطي الهائل، والأموال الضخمة، والتي تتصدر الخمس الدول الأولى مخزونًا للمواد النفطية والغازية.

لقد أنتجت السعودية النفط وصدرته يوم أن كانت تركيا تغط في سباتها، وامتلكت السعودية ودول الخليج قوة نقدية احتياطية في الوقت الذي كانت تركيا تبحث عن من يمول مشاريعها، ويساعدها في القضاء على الفقر والبطالة، وكانت ديونها أكبر من ناتجها القومي.

لقد أوصلت السعودية ودول الخليج معدل دخل الفرد السنوي أكثر من ال 20 ألف دولار في الوقت الذي لا يتعدى دخل الفرد التركي 1500دولار.

تركيا اليوم التي يعدها صندوق النقد الدولي من الدول الناشئة، هي اليوم تتربع مصاف الدول المتقدمة فهي من أكبر المنتجين للمنتجات الزراعية، والسيارات، والمنسوجات، والمعدات، والسفن، والإلكترونيات، والأسلحة.

تركيا اليوم تقتحم وبكل قوة الدول الصناعية الأولى وتضع قدمها على قاعدة صلبة من النمو في كل المجالات.

وفي ذات الوقت ماذا يفعل العرب؟ وماذا يصنع أصحاب الأموال والاحتياطات النفطية العالمية ضمن السباق العالمي، وماذا خلقوا من تنافس بعيدًا عن القطاع النفطي؟

ما وزنها بين تركيا، وماليزيا، والصين، والهند، وروسيا!

نعم هناك منافسة قوية، وفي أوجّ ذورتها فهناك دعم للانقلابات بين الدول بأموال خليجية، وهناك بلدان ترزح تحت نيران دول خليجية، هناك تحالفات من أجل دمار شعوب واستئصال دول، فهناك يمنٌ مدمّر مستباح، ومشروع تقزيم، وتغذية للانفصال والتجزئة، هناك حرب طاحنة وعارٌ لم تستطيع الخروج من براثنه، وكلها بأموال خليجية.

هناك سوريا مشردٌ أهلها، مدمرةٌ مدنها، محتلةٌ أراضيها، مستباحة أجواءها بأموال خليجية، هناك عراق مندثر، وحضارة ضايعة، وبلاد مباعة، هناك ليبيا تعمها الفوضى، وتتلبد بسماءها غيومًا من البارود بتواطئ دول الخليج على رأسها السعودية والإمارات.

نعم هناك منافسة لدول الغرب في الانحلال الأخلاقي، وتدمير قيم الإسلام، وشيطنة الشعوب، ووصمها بالإرهاب، هناك منافسة في قمع الحريات، وسجن العلماء والمصلحين، هناك خطوات متقدمة للوصول إلى مصاف الدول المنحلة، والمجتمعات الرذيلة.

وقائلٌ لماذا الشعوب تؤيد النمر التركي، والقفزات التي تحققها، لماذا يكتب الكتاب عنها، ويمدح المادحون جلالتها وربان نهضتها؟

نقول لقد أدرتم ظهوركم للشعوب أيها العربان، واستخدمتم ما حباكم الله من النعم لقهرها، وتمزيق أوصالها، وتغذية الانقلابات والحروب، والطعن في قيم الإسلام وعقيدة المسلمين.

بالله ماذا صنعت الدول العربية قاطبة كي تجعل الآخرين يحترموها، وماذا أنجزت كي لا نلومها!

أنلوم تركيا على ريادتها أم العرب على فشله، أنلوم تركيا على مواقفها المشرّفة إزاء العرب والمسلمين أم العرب على تخاذله، أنلوم تركيا على تحالفاتها الجديدة أم نلوم العرب على خوفه وهوانه للغرب.

أنلوم تركيا على نفثها التبعية أم العرب على خنوعه.

وليس للعربي يعزيه غير قول شاعرها:

(نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا)

فإلى الأمام أحفاد عثمان

فلقد خططت، ورسمت، فنفذت، فتمكنت فسادت..

لك المجد والسؤدد.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد