لا تضحك كثيرا فأنت في دولة عربية، وقديما قال الشاعر الذي ملك الدنيا وشغل الناسَ أبو الطيب المتنبي هاجيًا الأمة العربية: “يا أمة ضحكتْ من جهلها الأممُ”. اضحكوا كثيرا فأنتم في بلد الثورة: تونس، وفي الأمة المضحكة: الأمة العربية.

تونس بلد أغلب سكانه من الشباب الفتي، شباب ثار ليكون له نصيب في الحياة السياسية وليقرر مصير وطنه. إلا أنه تراجع عن أهدافه وأحلامه واختار أن يعيش في جلباب أبيه. وإن اختلف هذا الأب علمانيا كان أو إسلاميا المهم أن يتصدر المشهد السياسي أولئك الذين لا يقل عمرهم عن السبعين سنة (راشد الغنوشي والباجي قائد السبسي).

وقد حدد الشيخان مصير الثورة والبلاد معا، فالأول تنازل عن العزل السياسي واختار السلم الاجتماعي والثاني تنازل عن إقصاء الإسلاميين وإعادتهم لسراديب السجون (في حال بلوغ السلطة) كما تراجع عن الانقلاب. و اختلف الشباب التونسي بين رافض ساخط أو مبارك مكبر أو مصفق مهلل.

وبعد أن باح الدور الأول للانتخابات الرئاسية التونسية بأسراره بدا واضحًا أن ما خطط له الشيخان قد حصل إما عن قصد أو دفعتهما إليه الصدف. فبعد انسحاب خمسة مرشحين قبل انطلاق العملية الانتخابية برمتها، وجد عشرون مرشحا آخرون أنفسهم خارج الخارطة السياسية للبلاد، رغم أن البعض منهم يملك تاريخا نضاليا والبعض الآخر يملك أرصدة مالية منتفخة في البنوك.

فلا المال ولا النضال شفعا للعديد من الشخصيات كي يقنعوا عقول التونسيين أو يلجوا إلى أفئدتهم كي يختاروهم لرئاسة بلد الثورة. كما فشل المفكرون والمثقفون والقضاة والمحامون كذلك في إقناع التونسيين بقدرتهم على دخول قصر قرطاج.

وليس غريبا وصول محمد المنصف المرزوقي الرئيس الحالي إلى الدور الثاني من السباق نحو قصر قرطاج رغم أنه يكاد يكون مرشحا بلا حزب، برغم أنه كان رئيس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، إلا أن انقسامات الحزب أدت إلى شبه اندثاره. ويؤكد العديدون أن الرجل هو المرشح غير المعلن لحركة النهضة وشيخها راشد الغنوشي خاصة بعد أن حل الحزب ثانيًا في الانتخابات التشريعية.

في الجهة المقابلة يمر للدور الثاني الباجي قائد السبسي رجل شارف على التسعين من عمره، لسان متلعثم وانهيار صحي يؤكد عودة البلاد إلى أواخر أيام الزعيم الحبيب بورقيبة. لا شك أن في تقدم السن حكمة ووقارًا ولكن أيضا شيخوخة وخرفًا وانهيارًا.

وقد يلوح الصراع الانتخابي بين المرزوقي والسبسي أكبر من صراع الديمقراطية مع الاستبداد، أو صراع الثورة مع الدولة العميقة. الأمر يتجاوز ذلك: إنه صراع الأجيال، والصراع الطبقي، وصراع المرفهين مع المهمشين.

ما أدلى به الباجي قائد السبسي لأحد الإذاعات الفرنسية من أن المرزوقي هو مرشح دعاة العنف والإرهاب والمتطرفين والإسلاميين، يبين النظرة الفوقية لرجل ظن أن السنين التي أخذت من عمره الكثير قد علمته كل شيء بحيث يصبح قادرا على إطلاق الأحكام، وليس على الآخرين غير القبول والخضوع.

وأما المرزوقي فيحاول أن يصور للناخب التونسي بأنه الوحيد الضامن للحفاظ على أهداف الثورة وتعزيز الحريات في البلاد. والرجل لم يجانب الحقيقة؛ فرغم الاستهزاء به، والتندر والوصول أحيانا حدّ الفحش والمس من كرامته، ظل المرزوقي رحب الصدر متقبلا النقد والانتقاد والشتم دون رد فعل سوى الترفع عن المهاترات.

وبالعودة لكيفية إقناع الرجلين للناخبين تبدو الصورة واضحة أن نتائج الدور الأول من الانتخابات تتوافق مع ما تؤكده الدراسات السيكولوجية، حيث يشير الباحث ﺭﻴﺘﺸﺎﺭﺩ ﺒﻭﻴﺎﺘﺯﻴﺯ أنه لا يمكن إقناع الناس بحجج عقلية بالقدر الذي يقتنعون فيه بحجج تمس عواطفهم.

يبدو أن قائد السبسي ابن العاصمة القادم من المناطق الراقية استطاع التأثير في أهالي الشمال الذي يمتاز بكثافة سكانية تفوق الجنوب. فقد ركز على التسويق بأن منافسه يدعم العنف ويسعى لتغيير مدنية الدولة. وعمل الإعلام الموالي له على الشحن العاطفي للمواطنين من خلال تخويفهم من شخصية المرزوقي، حيث تارة يصوّره مجنونًا وطورًا سكيرًا.

كما لعب الباجي قائد السبسي على الصورة النمطية للرؤساء الأوروبيين فهو رجل أبيض البشرة صاحب البدلات الداكنة وربطة العنق، رجل منمق يظهر في البلاتوهات بصفة منفردة، بحيث يكون نجم الحلقة. وهي صورة قريبة من طبيعة المواطن التونسي المتطلع على أوروبا والحالم بأن يصبح وطنه شبيها بالغرب الحداثي والمتقدم. وتجدر الإشارة إلى أن قائد السبسي خاطب التونسيين في آخر يوم قبل الصمت الانتخابي عبر أربع فضائيات ليرسخ صورته في ذهن الناخبين.

أما المرزوقي أسمر البشرة القادم من أعماق الجنوب فيحاول كسر الصورة النمطية للرؤساء من خلال رفض ارتداء ربطة العنق والاكتفاء بارتداء بدلة تكاد تكون قريبة من التي يرتديها المواطن العادي، ويوشح أكتافه بالبرنس وهو لباس تونسي تقليدي ينتشر في الجنوب خاصة.

رجل خيّر الالتحام مع أبناء شعبه شكلا ومضمونًا من خلال العزف على وتر الثورة واستحقاقاتها، والقطع مع الماضي القديم الذي كانت سمته البارزة الاستبداد وقمع الحريات والفساد المالي والإداري وما انجر عنه من هجرة غير شرعية وإرهاب، وانتشار للفقر واستفحال لتهميش أهالي الجنوب.

ولكن نتائج الانتخابات وضعت شيخ الثمانين في المقدمة؛ وهو ما يؤكد عزوف الشباب عن المشاركة في مقابل المتقدمين في السن الذين يحنون إلى زمن الزعيم بورقيبة في شخص الباجي قائد السبسي. وينبع عزوف الشباب أيضًا من عدم الاقتناع بأي من المرشحين الموجودين على قائمة الاقتراع والذين ساهمت كثرتهم الركيكة في تشتيت الأذهان وضياع الأصوات.

لكن أن ينتصر الباجي قائد السبسي في الدور الثاني فهذا معناه أن شباب الوطن لن ينال مناصب قيادية إلا في سن الخمسين على الأقل، في حين أن وزير خارجية النمسا يبلغ من العمر 27 عاما. فمن يريد أن يقتدي بالغرب وحداثته عليه أن “يأخذ ما في العقول ويترك ما في النفوس”.

وما على شباب العشرين الذي طمح إلى الشغل والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية إلا أن يطمح إلى تقلد مناصب سيادية. وإيقاف هذه المسرحية المضحكة والمهزلة السخيفة لحزب تهاوى ويحاول أن ينفخ فيه الروح بالنفخ في صورة الباجي قائد السبسي، الذي رفض مواجهة خصمه في مناظرة تلفزيونية قد تكشف عن مدى عجز الرجل عن إدارة الحوار والمواجهة أو حتى الجلوس لساعة من الزمن.

وقد تعود تونس بعد أيام أو أشهر إلى الخطاب الشهير للرئيس السابق زين العابدين بن علي ليردد على مسامعنا أحد أتباع قائد السبسي الكلمات التالية: “لكن الواجـب الوطني يفرض علينا اليوم أمـام طول شيخوخته واستفحـال مرضـه أن نعلــن اعتمـادا علــى تقريــر طبّـي أنّـه أصبـح عاجـزا تمامـا عن الاضطلاع بمهام رئاسة الجمهورية”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد