بعدما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تحظى بشعبية قاطعة النظير وتخطت حتى الإعلام الرسمي الذي أصبح لا يلقى التأييد الكبير ويضفي على الحقائق الكثير من المثالية، حتى أنه لا يضعك في محور الحقيقة بسبب ظهور ما يسمى بالإعلام الموجه وخدمته لأجندات معينة على حساب أخرى، ولعل الميزة التي تقدمها هاته المنصات من فتح مساحة كبيرة للتعبير عن الآراء جعلت تهافت الجمهور إليها كبيرًا لتقديم آرائهم حول جل المواضيع بكل حرية، غير أن تسييس هاته المنصات الافتراضية ودخول السياسيين غمار التغريد ولعل أشهر موقع يعتبر قبلة لهؤلاء هو موقع «تويتر» الذي شهد ومازال يشهد تبادلًا غير مسبوق للتقاذفات والاتهامات وحتى التهديدات في بعض الأحيان بين أكبر المسؤولين في دول العالم يجعلنا نتساءل: إلى أي مدى ساهمت منصات التواصل الاجتماعي تويتر في ضرب زعزعة استقرار الدول؟

الزعماء السياسيون وموقع تويتر

بالعودة إلى تاريخ تواجد الزعماء وكبار المسؤولين في العالم في تويتر لن ينسى أبدًا أن أول من استغل منصة تويتر لأغراض سياسية هو الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما أيام توليه مهام سيناتور في ولاية الينيو سنة 2007، غير أن تحول هذه المنصات إلى أداة للضغط والابتزاز والتهديد كان مع وصول الرئيس الأمريكي ترامب الذي شكلت تغريداته التي تعدت قالبها التعبيري إلى التهديد باستخدام الأسلحة بمختلف أنواعها لكل من يخالف السياسة الخارجية الأمريكية في قضاياها خاصة في الشرق الأوسط والأزمة السورية.

دبلوماسية التغريدات بدل الدبلوماسية الكلاسيكية

لعل تغريدة وزير الخارجية البريطاني السابق جونسون بوريس على أن منصة تويتر تعدت كونها مواقع تواصل افتراضية لتبادل الآراء إلى أداة للضغط وتغيير  دبلوماسيات دول ما يظهر التأثير الكبير لهاته للتغريدات.

وزادت شعبية هذا المتغير الجديدة في الساحة الدولية في الأزمة بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا بعد تغريدة ترامب التي توعد فيها روسيا بضربات مباشرة في حالة ما تدخل الجانب الروسي في سوريا بما لا يتوافق مع خطة طريق الولايات المتحدة، حيث رد الكرملين قائلًا: أنه لن يرد على منصات التواصل الاجتماعي تويتر، ولن ينزل لدبلوماسية غير مسؤولة تستخدم مساحات افتراضية، وتعمل على التحذير من أجل القيام بعملية فجائية في سوريا، ولم يتوقف الرئيس الأمريكي عند هذا الحد؛ حيث استغل المنصة أيضًا في تهديد كوريا الشمالية حيث وصلت حدة الصراع بعد تغريداته إلى حد التنبؤ بضربات نووية بين الطرفين نظير التصعيد الكبير، غير أنها انتهت بلقاء وقع من خلاله الطرفين على وثيقة سلام، كما استخدم ترامب نفسه موقع التواصل تويتر في تهديد كل من الصين وكندا بفرض ضرائب على صادراتها، كما ساهمت تغريداته المتواصلة مؤخرًا في الإفراج عن القس أندرو برانسون الذي احتجز منذ سنة 2016 في الأراضي التركية، واتهامه بالجوسسة لصالح الولايات المتحدة الأمريكية.

والجدير بالذكر أن صدى الدبلوماسية الكلاسيكية يلقى تراجعًا كبيرًا لصالح أحد الوسائل التكنولوجية الحديثة، والتي يستخدمها زعماء الدول الكبرى على رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية في ضرب وزعزعة الدول وتعدت حتى لإشعال فتيل أزمات في مناطق تشهد صراعات أديولوجية كالشرق الأوسط.

ما يمكن إجماله في موضوعنا هذا أن منصات التواصل الاجتماعي خرجت من طابعها الاجتماعي الذي أنشئ من خلاله، والذي يهدف إلى ربط وتبادل الثقافات وتقريب المجتمعات إلى بعضها البعض، إلى أداة سياسية يستخدمها الكثير من رؤساء ودبلوماسيي الدول الكبرى لتمرير قرارات وبناء خارطة في تلك الدول، أو حتى التراشق الافتراضي في مشهد لم تشهده الدبلوماسية الكلاسيكية في أوج عطائها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!