بلغني خبر الهجوم الإرهابي قرب الحرم النبوي فتوجهت إلى شاشة «قناة العربية»؛ لأقرأ خبرًا مفاده أن مستخدمي «تويتر» يتهمون تنظيم «داعش»، ويحملونه المسؤولية ويقبلون على استخدام «هاشتاج #داعش_تنتهك_مسجد_الرسول_وقبره».

 

في هذه اللحظة، كانت فترة وجيزة قد مرت على وقوع الهجوم، وفي ظل غياب إعلان رسمي عن المسؤولية، كانت هناك احتمالات كثيرة للجهة التي ينتمي إليها منفذ الهجوم، ربما كان عضوًا في داعش، أو مرتبطًا به، أو مؤمنًا بأفكاره، وربما كان تابعًا لجماعة أخرى، أو جنده جهاز مخابرات، أو قرر تنفيذ الهجوم لأية ذريعة أخرى.

 

وبالرغم من كل هذه التكهنات، هناك من يفضلون دائمًا أن يقرنوا اسم داعش بأي هجوم، قبل النظر في تفاصيله؛ آملين أن يؤكدوا بذلك وصم الجماعة بالإرهاب، ولكني أرى أنهم يسقطون في فخ الدعاية للتنظيم؛ فهم يصورون داعش قوة عظمى، تحتكر القدرة على التلاعب بأجهزة الأمن في العالم، وإصابة أي هدف، سواء كان في الجو، أو على الأرض، وهذا تضخيم لقدرات داعش التنظيمية، وإمكاناته البشرية والمادية.

 

انتشار هذا الهاشتاج أصاب الملايين بالرعب، فهم يتصورون الآن أنهم في مرمى إرهاب داعش، حتى لو لجأوا إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه دعاية مجانية لم يحلم داعش يومًا بتحقيقها.

 

لو تركت التفسير بنظرية المؤامرة، لقلت إن داعش هي التي أطلقت هذا «الهاشتاج»، وشجعت المستخدمين على تكراره، ثم حذف الدواعش تغريداتهم؛ فأنجزوا بذلك «جريمة إلكترونية» كاملة، دون أن يتركوا وراءهم أثرًا، ولكن لا يوجد دليل على ذلك، بل إن أقدم استخدام لهذا الهاشتاج، نشره حساب إخباري غير مشهور؛ يتابعه 15 ألف شخص، والتغريدات اللاحقة دوَّنها مغردون عاديون.

 

تلقف الهاشتاج ـ بعدها ـ ثلاثة إعلاميين سعوديين، يتمتعون بشعبية كبيرة على تويتر، ويقترب إجمالي عدد متابعيهم من تسعة ملايين، ثم أبرزته قناة العربية على شاشتها، وموقعها؛ فساعدت على إيصاله إلى جمهور مختلف لا يتعامل ـ بالضرورة ـ مع تويتر.

 

تركيز العربية على الهاشتاج أضفى عليه قدرًا كبيرًا من المصداقية؛ فكاد يتحول إلى الأسلوب الرسمي لإدانة التفجير، حتى إن المتحدث باسم الخارجية البريطانية علق عليه في تغريدة قائلًا «أضم صوتي لهذا الوسم، منددًا بهذا العمل الإرهابي الجبان».

 

في بداية ظهورها، كانت «استراتيجية» داعش الإعلامية تعتمد على التصوير عالي الجودة، والإخراج السينمائي، والصور الصادمة، وكانت تستخدم حساباتها الافتراضية، كبوابة وحيدة لعالمها الغامض، كما أحسن التنظيم توظيف أعضائه الأوروبيين، وخصوصًا من النساء، واستغل نشاطهم على وسائل التواصل الاجتماعي في الترويج للحياة تحت حكم الخلافة المزعومة.

 

وسمح التنظيم في مرات محدودة بدخول صحفيين أجانب إلى الأراضي التي يسيطر عليها، وبالطبع سخر الصحفي خبرته ومهاراته الصحفية؛ للقيام بمهمته الصحفية، ولكنه ـ في الحقيقة ـ كان يؤدي خدمة جليلة للتنظيم؛ لأنه لم يكن يتحرك، إلا في نطاق دائرة رسمها مسلحو التنظيم. وعرف التنظيم كيف يستفيد من الإعلام الأجنبي، كما شرحت في مقال سابق.

 

أما الآن فلم يعد التنظيم مضطرًا للالتزام بالاستراتيجية نفسها؛ فهو يستطيع جني ثمارها؛ في ظل وجود عدد كبير من المغردين، والصحفيين، والسياسيين، الذين يفضلون توجيه اتهامات سريعة وسهلة؛ فيتورطون في الترويج لتنظيم إرهابي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد