وزارة التضامن الاجتماعي المصرية أطلقت حملة تحت عنوان (2 كفاية) هدفها توعية الناس بخطورة المولود رقم 3 فما فوق، شعارها «ليه تقسمها على 5 طالما ممكن تقسمها على 2»، وطرحت مؤخرًا أغنية من أداء الممثل أكرم حسني ساخرًا فيها من النموذج الكاريكاتوري للرجل الصعيدي غير الموجود هو وشاربه في الواقع «أبو شنب».

 

هي ليست الأولى أو الأخيرة من نوعها ولكن، من باب التروي، سنعتبر الحكومة غير مُلمة بمصائب ما وراء تطبيق سياسات  تحديد النسل في أعظم الكتل البشرية على وجه الأرض وأشهرها: «سياسة الطفل الواحد في الصين» أو «التعقيم القسري sterilization في الهند»، وأنها متأكدة بنسبة 100% أنه وبقطع الحبل السري للمولود الثالث ومن بعده ستنفجر الكوارث ويحل الكساد والسنين العجاف على رؤوسنا، وافترضنا أنها لم تسمع بالآليات المصاحبة لسياسات تحديد النسل في العالم كالمزايا الترغيبية والمكافآت المخصصة للأسر الملتزمة بتلك السياسات القسرية، وأنها لا تعرف أن حملة الفنان أحمد ماهر «الراجل مش بس بكلمته»، بالنسبة لي على الأقل، أفضل من النسخة المحدثة في صورة أبو شنب المثيرة للاشمئزاز ولزوجة الأداء والكلمات ومرارة الفكرة.

 

إذن، فلما لا تطيق الحكومات المصرية على مر العقود الماضية صبرًا، إلا وأطلقت عشرات الحملات لوقف ما تراه فيضانًا بشريًا يغرق ضفاف النيل والدلتا، متهمة بصورة مباشرة وغير مباشرة  أدمغة وأجزاء أخرى من الناس بسوء التصرف والتقدير وعدم الإدراك والشعور بخطورة الجرم الذي يفعلونه إراديًا عن عمد أو غير قصد لمجرد استسلامهم أمام دوافع ورغبات فسيولوجية أو مفاهيم موروثة تقودهم وبسرعة إلى موعد حتمي مع الفقر والقهر وأيام سوداء؟ ربما لأسباب تعددت واختلفت من عهد رئاسي أو حقبة سياسية لأخرى ولكن تبقى المؤشرات والأرقام تسقينا مرارة الحقيقة.

 

1- الحكومة عجزت عن استغلال الطاقة البشرية في مصر كما يجب وأكبر دليل نسبة البطالة وكانت 2.5% عام 1960 (أيام الاشتراكية) من إجمالي حجم القوى العاملة، فيما وصلت وفقًا لآخر تقدير رسمي  12.5% في 2017 بعدد سكان 105 مليون تقريبًا، فيما نرى الصين عدد سكانها 1.386 مليار نسمة، ونسبة البطالة فيها 3.9% (أيامهم كلها اشتراكية).

 

2- أن الحكومة غير قادرة على التوسع في الصناعة (الإنتاج) لتستغل «كوم اللحم» وتشغله وتعطيه حقه كاملًا مكملًا باعتباره مواطنًا عاملًا منتجًا، فنجد نسبة نمو الإنتاج الصناعي فيها لسنة 2017 تقدر بـ6.1%، ومصر 3.5%، وليبيا 60%، على فكرة.

 

وبعيدًا عن المقارنات، دعنا ننظر قليلًا لجوهر الأزمة عزيزي القارئ، سنرى أن «2 كفاية» والحملات المماثلة أشبه بمنطق (إيداع الأموال في البنك بدلًا من تطوير السكك الحديدية).

 

وعلى سبيل الدعابة،هل تعلم عزيزي القارئ أن محمد حسني مبارك هو الرئيس المصري الوحيد الذي لم ينجب سوى طفلين، (ربما لوضعه كطيار وبرستيجيه وراحة معيشته وملء ثلاجته بما لذ وطاب، بعكس ثلاجات أخرى لرؤساء حكموا مصر كانوا فقراء لسنوات طويلة، وأنجبوا 4 أطفال أو أكثر)، نعم (الفقرا بيخلفوا كتير) بصوت الله يمسيه بالخير توماس روبرت مالتوس حين قال «الرجل الذي ليس له من يعيله والذي لا يستطيع أن يجد له عملًا في المجتمع سوف يجد أن ليس له نصيبًا من الغذاء على أرضه فهو عضو زائد في وليمة الطبيعة «قصدي» الفقراء الفئة الأكثر إنجابًا في المجتمع بغض النظر عن قدرتهم على إعالة أولادهم»، مع العلم،نحن فقراء أوي كما وصفنا.

 

٣- رذاذ الاستحقار المتسلل عبر خطاب الحكومة المتغطرس للعامة والنظر للمواطن كمجرم طوال الوقت، تطارده في غدوه وآصاله بكلام من نوعية «المصري يقدر يعيش ب2 جنيه في اليوم، لكن أنت المشكلة ولا سواك ياجعان يا فقير، أنت ومواصلاتك ولبسك وكروت شحنك وأكلك وشربك وعيالك و مدارسهم وعلاجهم، أو أن مصر فيها أرخص لتر بنزين وأرخص تذكرة مترو.

 

طيب، هل نعتبره تنمرًا حكوميًّا على سبيل المعايرة؟ أم نلقي بكل تجارب العالم السابقة والفاشلة في تحديد النسل في أقرب صندوق قمامة ونجمع الزائدين مترهلي المجتمع في محرقة ونخلص منهم ومن قرفهم قبل أن تبدأ أزمة المياه وتقرع قبول حرب الوجود وأيام ما يعلم بها إلا ربنا.

 

فعليًا، الحل في حل منظومة التعليم وإعادة بنائها بما يضمن مخرجات مؤثرة، وتبديل العلاقة بين الطالب والمعلم والمدرسة إلى علاقة من نوع آخر يملؤها الحماسة والإثارة والإصرار على النجاح، والاستعانة بأصحاب الخبرات الحقيقية سواء أكانوا مصريين أو غير مصريين في التنمية، وبناء نموذج ومفهوم جديد للتنمية قائم على التحدي وتحقيق أهداف كثيرة في جداول زمنية ضيقة، رصيد ميزانية كبيرة للنهوض بالأسر المنتجة والبحث عن الموهوبين والمصنعيين للمنتجات النوعية والفريدة وتطويرها وتحويلها لماركات عالمية بتذليل العقبات أمام المستثمر الوطني وتوفير قنوات مباشرة لتخليص معاملاته ومصالحه مع الجهات الحكومية، مع العلم أن قطاع الملابس والأحذية مثلا يحتل مراكز متقدمة على مؤشرات البورصة العالمية مثل زارا، نايكي، أديداس، وكلها شركات لديها مصانع عملاقة على مستوى العالم تشغل آلاف الناس وتجني ملايين الدولارات شهريًا.

 

«صديقي أخبرني بأن إيطاليا تشتري الرخام من مصر وتشكله في الصين وتبيعه أثاثًا وديكورًا بآلاف اليوروهات».

 

لا أعتقد أن الزيادة السكانية أزمة طالما هناك حكومة واعية لديها أهداف وتنظر إلى العالم نظرة مزود الخدمة الأخطبوطي، تجعل من البشر جنودًا لغزو اقتصادي حقيقي قائم على إنتاج كل شيء، فما كانت تخشاه وتحذر منه الدولة سيصبح لا محالة تجربة أصلية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد