نوران أحمد

110

نوران أحمدكاتبة

110

لأننا بشر قد نختلف كثيرًا في الكيفية التي نتعامل ونتفاعل بها مع كل ما يحيطنا من سلبيات وإيجابيات، لكن على الرغم من ذلك فإننا مشتَرِكون في بعض الثوابت التي لا يخلو أدميٌّ منها؛ فمثلًا كوننا بشرًا يجعلنا في حاجةٍ دائمة للشعور بالضعف، وخاصةً بعد مرحلةٍ طويلة من الوقوف في صمودٍ دون أي سقوط.

لكن مهلًا لا تظن الظنون في نفسك فتظلمها معك، ليس العيب فيك أبدًا؛ لأن المشكلات موجودة بالفعل تُحيطك من كل جانب، وهذا هو ما يجعل منك ذلك الكائن الذي يَصبو دائمًا إلى الشعورِ بالهشاشةِ الداخلية التي تسمحُ له بالعودةِ إلى نفسه واسترداد روحه. تبدأ المعضلة من هنا، فدائمًا ما يكون هناك من لا يسمح لنفسه بأن يشعر بالضعف مهما يكن، وإما أن يكون هناك من يترك نفسه لضعفه الداخليّ على طولِ الطريق.

النقيضان، هاتان الحافتان التي يترك الإنسان نفسه عندهما دون النظر أبدًا لما بينهما، فصاحبنا الذي يقف على الحافةِ الأولى لا يسمحُ لنفسه بأن يشعر بالضعف، فغالبًا ما يبدو صلبًا لا يَقدِرُ عليه شيء، لكن الواقع غير ذلك تمامًا، فذاك الصلب يقبلُ الكسر بكل رحابةِ صدر؛ لأنه ببساطة يحملُ داخله حمل جبال، وهو ما لم يكن يومًا من أحماله وحده؛ لهذا يكون قابلًا للكسر في أولِ لحظةٍ تشعر فيها نفسه بثقلِ الحمل عليها، ودون داعٍ واضح يسقط!

أما صاحبنا الثاني الذي يقف على الحافةِ الثانية فيترك نفسه لضعفه دون أي محاولاتٍ منه لإيقاف ذلك، وكأنه شيء طبيعيّ أن يكون ضعيفًا، فيبدأ في ترك نفسه لذلك التفكير المطوّل في كل ما يضايقه أو يبعث في روحه شيئًا من السلبية، ويكون مُقبِلًا بكل بساطة على الاستسلام دون ندم أو تردد.

لكن، للحق فلا صاحب الحافةِ الأولى يعيشُ سالمًا، ولا حتى صاحب الحافةِ الثانية يهنأُ بالعيشِ أصلًا، فكلٌّ منهما متطرفٌ في تفكيره، أحدهما لا يرى حجمًا لمشكلاته بالأساس، والآخر يُعطي لكل شيء أكبر من حجمه بكثير، وبذلك يصبح عندنا نوعٌ من البشر يُتفه كل ما يمر به حتى يدخل في مستنقعٍ من التراكمات الذي يُغرقه حد الهشاشة، ونوعٌ آخر يُعطي لكل شيء أكثر من وقته ويُشغل باله بطريقة مُبالغة؛ حتى يغرق في مشكلاته التي قد تبدو تافهة جدًا أو بسيطة بقليلٍ من التفكير المُنظم، فلا ذلك يصلح ولا ذاك!

يبقى لنا الآن ما بين الحافتين، أو بكلماتٍ أخرى يبقى لنا الوَسَط، وهو بالطبع أفضل حال يمكن أن يبلغه إنسان من بين كل حال، فلا هو على جداول الحافةِ الأولى أو الثانية، لكنه الحال الذي خلق لنفسه أرضًا وَسَطًا بين الحافتين، حيث يترك الإنسان لنفسه المساحات المطلوبة لكل شيء، فحينًا تلجأُ النفس هناك للقوةِ والصلابةِ، وحينًا تكون في ضعفٍ ووهن، لكن يظل كل ذلك قائمًا دون إفراطٍ أو تفريط في أيٍّ من الحالين، في هذه الأرض الوَسَط يستطيع كل أدميّ أن يصل إلى حالٍ من السلام الداخليّ؛ لأنه سيكون قد وصلَ أخيرًا إلى النقطةِ التي يُعطي فيها كل شيء حقه دون زيادة أو نُقصان، وكلما استطاع أن يعدل بين الحالين، اقترب شيئًا فشيئًا إلى نوعٍ من الكمال المَرجو.

ختامًا، كما يضمن التوازن بين العناصر الغذائية صحة جسد الإنسان، فإن الضعف والقوة بكل ما يندرج تحتهما من مسميات هي عناصر مهمة تضمن صحة وسلامة النفس البشرية، فلو فرضًا اختل التوازن الغذائيّ في الطعام، إما سيسمن الجسد، أو ينحل، وكذلك يكون الخلل في العناصرِ النفسية مؤثرًا بحيث يصير الإنسان إما صلبًا أكثر من اللازم، أو ضعيفًا أكثر مما يجب.

فدائمًا ما يجعل التوازن بين ذلك وذاك النفس في خيرِ حال يمكن أن تكونه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك