قُلتُ إن بمقدور من يمتلك ملّكة الكِتابةِ أن يوسع على نفسه بمزيد من الإبداعِ والانتشار، لكن كما قالوا قديمًا: “لُكل جِدرٍ تَنور” (جدر = قِدِر = وعاء للطبخ)! وتنور الكاتب هو القراءة، والسعي بين الناس، والملاحظة ومشاهدة الحوادث (والمقصود بها معرفة الفروق الثقافية بين حدث وآخر على الصعيد الذي اختاره الكاتب لنفسه)، وإطلاق العنان لخياله فيما ينسج ابتكار أفكاره المختلفة وخلجات صدره التي اعترتها التجربة، وخبرات رآها واكتسبها من السعي بين الناس والخطوب. كيف للكاتب “العربي” أن يكتب وقد تكدست بقلبه المأساة تلو الأخرى لما ألم به من هموم بلاده وحياته! كيف له أن يُبدع في شيء آخر سوى “قصص الحرب”، و”قصص الحُب المُعذب” وكيف لا يُشبع أوراقًا لا ذنب لها سوى أن حظها السيء ساقها تحت يديه، بأفكار بائسة لا تخرج من حيزٍ إن اتسع فهو أضيق من أن يبلغ نزاهة كلمة “إبداع”!! في دراسة متأنية للروايات العربية المصرية التي كُتبت منذ ثمانينات القرن الماضي، نجد أن حتى قصص سرد شقاء الإنسان في سعيه نحو لقمة العيش بلغ من التصاوير الهزلية التي باتت يعرفها المُتمرس على القراءة من مجرد قراءته الفصل الأول للرواية أو السطور الأولى (وهذا من سوء طالع القارئ الذي ابتلع أحبارًا تكفي لتصنع بئرًا يدفن فيه كل أشباح الكتابة التي يجدها في الصحو والمنام!! والجميع يسعى بشكل غير منطقي نحو الـ “Stereotyping” وكأنهم مقيدون نحو نفس السلسلة الجهنمية التي تكاد لا تستني أحدًا!! فالعدوى بها التصاق مغناطيسي لا فكاك منه. وللاختصار، فإن ثمة مشكلتين أساسيتين يواجهان أي أحد يهتم بالكتابة ويريد أن يكون لنفسه “أدب”، وقبل سردها، لا بد أن يكون لنا وقفة عند جملة “أن يكون له أدب”، والأدب أو الآداب = Literature لُغويًّا تعني الخُلقُ=Seemliness وعليك أن تعي تمامًا أن أدبك ككاتب، هو خُلقكَ كإنسان! ولا داعٍ للمثالية هنا، فالمقصود الأول بالخُلقِ أن تكون الكلمة على مقدار الوعي وأن يكون الوعي فوق المستوى (لحتمية رفع تقدير الجمهور وليس العكس أن ترضي الجمهور) وأن يكون صاحب الكلمة ذات الوعي أكثر إنسان ناقد لذاته حد الانتحار وأكثر إنسان راضٍ عن مصير كلمته حد الإبهار والتطرف في النقيضين مطلوب للتوازن وخلق حالة مشابهة لـ”التنور” المطلوب لخلق الإبداع! وبذلك ربما نكون قد استطعنا، ولو بنسب معينة، مشكلة الـ “Stereotyping” أو القولبة الجاهزة. والمشكلة الثانية، التي لا أجد لها شخصيًّا أي حل، هو لقمة عيش الكاتب!! فيما يمكث الكاتب الغربي حوالي 6 شهور من السنة متنقلًا بين البلدان ومكتسبًا الثقافات وقارئًا مئات الكتب من حديثِ أو قديم، فيعود بعدها مستقرًا لدياره وفي جعبةِ خياله ساحات وغابات وميادين وأناس وأنماط وحيوات تكفيه مؤنة معاناة الشخصنة وتراكيب الصور وتسلسل الرواية وخَلّقِ إنسان الرواية (واجعل تحت هذه الكلمة مليون خط). نجد الكاتب العربي والمصري على وجه الخصوص يشقى كادحًا في وظيفة عدمية 12 ساعة باليوم، ويتمرغ مُرغمًا على التنقل بين ذاك العمل وبيته في أكثر وسائل التنقل امتهانًا لمجرد التفكير في كلمة “إنسان”، فأي بيئة إبداعية سترسو في مستنقع أفكاره بعد ذلك، ناهيك عن مشاكل النشر التي لا تنتهي. فمن دور النشر التي لا حل لها سوى أن تتحول لمحلات “سراميك وكتب”، إلى تلك التي تنشر في مقابل المادة لأُناس لا أستأمنهم على كتابة “نعي قطي في الجريدة” وما ترتب على ذلك من أنواع لم يُنزل الله بها من سلطان من الآداب، فهناك “أدب المواصلات”، و”أدب مشاكل العمل”، و”أدب المدمنين (على اختلاف أنواع الإدمان)”، و”أدب الاحتكاك” (وأسمح لعقلك أن يسرح لثانيتين ليس أكثر في مقدار “الوَسَخِ” الناتج عن هكذا امتهان للآدمية أدى إلى هكذا أدب)، هذا إذا نجا الكاتب العربي من الكوارث الكونية، كالدهس تحت أحذية العدو، أو القصف جوًّا، أو الحرق في ميدان، أو الموت مسرطنًا بإحدى مستنقعات وزارة الصحة. والإخفاق في علاج مشكلة “لقمة عيش الكاتب”، سوف يسوقنا بخطى ثابتة نحو الانزلاق في المشكلة الأولى “القولبة الجاهزة”!! وليس ثمةَ أمل في الأفُق .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد