تراشقنا نحن المصريين خلال ثورتنا بألقاب كان أبرزها فلول وخرفان المرشد وعبيد البيادة، ولا يكاد أحد يمسي إلا وقد مسه لفح بعض هذه الألقاب يقولها هو أو تقال عنه وله، حتى غدا الناس ينظرون في عهود مضت قُطعت علاقاتها، وبهت لونها وتبددت غاياتها، لتجدنا نتساءل بسذاجة حالنا خلال هذه الأعوام كيف ترعرع في وادينا الطيب كل هذا العدد من السفلة والأوغاد. سؤال يعني ببساطة أننا لا نعرف وادينا ولا أهله ولا أنفسنا. نعيش على معلبات الوصف التي نستدعيها في أزماتنا دون نظر. فإذا وقعت الواقعة قلنا ابني ميعملش كدا أبدا !!

 

فاصل ..

 

استغرق الفاصل بين كتابة مقدمة هذا المقال وجلوسي الآن لإتمامه يومين شغلت فيهما لشأن خاص، فنسيت ما كنت أود قوله وإن وجدت أسئلة دونتها على أطراف المقال لأعرضها، كلها يريد أن يثبت أن هذين الشعبين شعب واحد متشابه في العيوب، لولا أن كليهما يلبس ثيابا مختلفة يميز نفسه بها، وإذ يظن كليهما أن ثيابه الأفخر والأبهى وأنها تمنحه القيمة، لا يدركان أن ما يرتديانه لا يخرج عن كونه ثوب خلِق باهت رخيص الثمن، لكن أحدا لا يرى ما عليه.

 

أقول كان هذا ما فكرت فيه، إلا أني حين جئت أتممه الآن طاف بي لحن مسلسل أرابيسك، فسمعته ليحملني إلى صورة أخرى غابت عني في زحمة صراعاتنا المريضة خلال الأعوام الماضية. صورة مصر التي نتنازع هويتها، صورة جميلة فيها دفء صوت هدى سلطان، وحيرة صلاح السعدني، وهو يفكر في قطعة فنية تعبر عن تاريخ مصر كله!

* * *

 

لأخبركم بشيء، لم أفهم يومًا ما حدود مصطلحات كالإسلامية والعلمانية، وكنت دائما أسأل كيف كانت مصر قبل أن يكون في الكون إسلاميون وعلمانيون، وهل هذه المفاصلة هي حد الصراع ورايته، حتى ناقشني أحد أصدقائي الأعزاء وطرح لي بديلا هو ”الأصيل والوافد“. سألني مباشرة يومها هل تعد تحية كاريوكا إسلامية أم علمانية، ما الفرق إذا بينها وبين صافيناز مثلا.

بلغة التاريخ، أين يمكنني أن أصنف أبو نواس .. وبشار بن برد ..

 

خلال أيام الشجار الأولى بعد تنحي مبارك، نقل أحد الأصدقاء عن أحد مثقفي مصر أن الإسلاميين سيغيرون هوية مصر، فسألته وما هوية مصر .. قال هويتها هي هويتها قبل ١٠٠ عام، قلت وما هويتها قبل ١٠٠ عام، فلم يجب وحذف العبارة كلها واختفى! إذا لأي تاريخ نعود حتى نجد الهوية التي نطمئن إليها.

 

مثل هذه التساؤلات ما كانت لتمثل خطرًا في الحقيقة، لو ترك الأمر للتفاعلات الطبيعية في المجتمع، بمعنى أن كل مجتمع معرض خلال حياته لمدخلات ثقافية جديدة على الدوام، ستغير فيه، ومحصلة هذه القوى الوافدة مع قوته الداخلية هي ما يحسم الخط الذي سيسير فيه المجتمع.

 

وساعتها لا يملك أحد الاعتراض أو ادعاء عدم أصالة النتيجة، ولأن التفاعلات الطبيعية معدلاتها طبيعية أيضا، تماما كما نكبر ويكبر أبناؤنا، فلا ندركها في حينها، بل وفي الأغلب الأعم لا تمثل خطرًا وجوديًا علينا مادام المجتمع صحيحًا، ولم تسيطر الدولة أو قوة خارجية على أدوات صناعة عقل هذا المجتمع، في هذه الحالة ستكون النتيجة مشوهة تمامًا، لا هي بالاتجاه الذي تريده تلك القوة، ولا هي باقية على الوضع الذي كانت عليه.

 

وبالطبع فالمقاومة الداخلية لا تملك أن تسيره هي في اتجاه تختاره، لأنها لو ملكت هذه القوة لما قام صراع بالأساس، فالنتيجة إذًا ليست كما يريد أحد من الفاعلين.

 

وقبل أن نبحث في الأمر علينا أولا أن نعود بسؤال قبل ذلك عن جدواه: هل نعاني حقًا من صراع هوية؟ أو أن ابني ميعملش كدا أبدا؟

 

لعل مجيبا يقول: لا، بل كانت قنابل دخان تعمي عن الصراع الحقيقي.

 

لو صح، أفلا يكون من المهم أن نبطل هذه القنابل في المستقبل إذا .. لماذا؟ لأن أخطر ما يصيب جنديًا في ميدان ما، أن يشعر بالتيه في منتصف معركته، بل أن يشك هل هذه معركته أم “جاي يعزي غلط”! ألا توافقونني أن كثيرين الآن هم من هذا الفريق. والناس تتساقط تباعا.

اليقين أعلى درجات الإيمان، نتاج تربية وتزكية وبحث، وهو وحده بعد الله الضامن للجندي الثبات والنصر .. والجندي – لأجل أولئك الذين يخشون سير المعارك – هو كل ضارب في الأرض يبني حياته ويزرع لآخرته .. كتب عليكم وهو كره لكم، فلا خيار، تلك من لوازم الحياة.

 

وإذا لم يكن هناك صراع هوية؟ فكيف نفهم حكاية الشعبين، والشق الذي بين جبلين.

 

نرحب بأسئلتكم إذا، لنحاول أن نسير معًا هذا الطريق باحثين متعلمين .. السؤال الذي ختمت به مقالي السابق: من نحن وماذا نريد. والذي طرحه قبل سنين حسن النعماني .. في المسلسل البديع أرابسيك.

* * *

 

“سواء كان أنا ولا الزلزال ولا التوابع اللي حصلت دي كان لازم يحصل لأن الترقيع مينفعش، السلطة متنفعش، البزرميط مينفعش، وبعدين الفن يا إخوانا، الفن اللي بجد مهواش طبيخ، هو قال عايزين نعمل تحفة ترمز لتاريخ مصر كله، بس تاريخ مصر دا كله كبير قوي وطويل قوي، طب احنا نعمل إيه، هل نديله فرعوني على قبطي على يوناني على روماني على عربي؟ مينفعش طبعا لأن الطعم غير الطعم واللون غير اللون، ما دام تاريخ مصر طويل قوي كدة يبقى لازم نعرف احنا مين؟

 

جا الزلزال اتهزت الفيلا، جت التوابع، الأساس فيص، وقعت الفيلا!”

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد