في عزّ أزمة كورونا

في الوقت الذي تعيش فيه البلاد أزمة خانقة على كل المستويات – وهذه بدايتها فقط – ويتضح لكل ذي ذرة عقل أن حقيقة الوضع في البلاد ليس كما كانت تزخرفه وتلونه القنوات العمومية على شاشاتها، وأن البلاد اليوم في أمس الحاجة إلى السيولة المالية لتنقذ ما يمكن إنقاذه من أرواح البشر، ثم بعده الاقتصاد الوطني من الانهيار أثناء وبعد هذه الجائحة، التي تشير كل التوقعات عبر العالم إلى أنها لن تنتهي في وقت قريب. يخرج أباطرة أكبر قطاعيين خاصين أهلكا جيوب المغاربة (الصحة والتعليم)، ليسيل لعابهم كما جرت العادة، وهم من كانوا لسنوات عديدة يمتصون دماء المغاربة الضعفاء دون أية رحمة، أو رأفة، يطالبون – بلا حشمة، بلا حياء – بتسهيلات وإعفاءات ضريبية، أو لنقل بوضوح: «نصيبهم من الصندوق الوطني المحدث من أجل محاربة تداعيات فيروس كورونا المستجد لتفادي الإفلاس».

المدارس الخصوصية التي استغلت البروباجندا التي روجت لإفلاس المدرسة العمومية، وباعت وهم الجودة، وزخرفة البنايات والنذر القليل من فرنجة اللسان للمواطنين، هذا القطاع الذي كان أكبر المستثمرين فيه لا يملكون أية شهادة، ولا يربطهم بالتربية والتكوين لا خير ولا إحسان، بل إن المبدأ الذي تسير به هذه المدارس ربحي وتجاري محض يرى في تربية النشء وتكوينهم، بورصة للأموال لا يُجني من ورائها إلا الربح، ولتذهب الجودة والتربية والتكوين، وكذا المواطن المغربي البسيط إلى جحيم.

لقد تضاعفت أعداد هذه المدارس بشكل كبير في السنوات الأخيرة بفعل نزوح العديد من الأسرة المغربية بأبنائها من المدرسة العمومية والزج بهم في المدارس الخاصة؛ ما جعل هذه المدارس ترفع رسوم التسجيل مع بداية كل سنة دراسية لتصل في بعض المدارس إلى 2500 درهم شهريًا دون حسيب أو رقيب. وهذا دفع بالعديد من الأسر المغربية دات الدخل المحدود إلى الدخول في متاهة الديون الاستهلاكية لتضمن مقاعد لأبنائها في هذه المدارس التي انهكت جيوب المغاربة المثقوبة أصلًا. وها نحن أمام الكثير منها اليوم يخرج ليهدد، ويطالب الآباء بأداء مصاريف التمدرس دون مراعاة لظروف الأسر جراء هذه الأزمة والأدهى، بل الأمر أن تخرج رابطة التعليم الخاص في بلاغ تتسول من خلاله دعم الدولة وتسهيلاتها.

أما قطاع الصحة الخاص، الذي يجري عليه ما جرى على نظيره التعليم الخاص، فقد بنى أرباحه على أطلال القطاع العام. هذا الغول المتوحش الذي يتاجر في صحة المغاربة، راكم أموالًا طائلة جعلت من أربابه لوبيات وصلوا حد الثأثير بشكل كبير في القوانين التي تؤطر هذا القطاع، الذي لا مجال للمقارنة فيه بين تكلفة العلاج والحد الأدنى لأجور المواطنين المغاربة.

يعرف هذا القطاع نشاط ما يقارب 16 ألف طبيب و62% منهم يؤذون أقل من 10 آلاف درهم كضريبة على الدخل سنويًا (1). وقد بلغت المداخيل الإجمالية للقطاع سنة 2015، 52 مليار درهم، وتحتكر العيادات والمصحات الخاصة 19.24 مليار درهم بنسبة 37% من المبلغ الاجمالي. والحال أن الرقم المصرح به من لدن المصحات الخاصة لا يتعدى 3.5 مليار درهم.. وهذا يعني تخفيضًا للمعاملات بنسبة 75% (2).

المصحات الخاصة حولت مهنة الطب النبيلة إلى تجارة لا أخلاقية تشهد العديدة من الممارسات اللاإنسانية والمخالفة للقانون في أحيان كثيرة، من فرض لتقديم شيكات كضمانات من قبل المرضى إلى توقيع وثائق تخلي مسؤولية المصحات الخاصة من المتابعة القضائية وتضعهم في مأمن من تعويضات الأخطاء الطبية، ناهيك عن التلاعبات العديدة في تسعيرات الفحص والعلاج، إضافة إلى ما يشوب هذا القطاع من اختلالات ضريبية.

هذان القطاعان بالتحديد كانا السبب في أن يذوق المغاربة من مرارة كأس سنوات من تهميش الصحة والمدرسة العموميتين. ولقد أبانت هذه الفترة الحرجة التي تعيشها البلاد، بغير ما يدع مجالًا للشك بأن الدولة يجب أن تعيد النظر في تسهيلاتها ودعمها لهذين القطاعين، وأن أية نية لإصلاح التعليم والصحة بالبلاد يجب أن تستثمر في القطاع العام، الذي لم ولن يجد المغاربة اليوم بكل طبقاتهم ملاذًا آخر غيره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

لعملة, وجهان

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد