إنه الثلاثون من يونيو الخطأ الأكبر الذي شاركنا فيه معشر الشباب، متمسكين بأحلامنا الوردية، ومبادئنا المثالية، واضعين فقط صوب أعيننا تلك الذكريات الجميلة التي تلت الخامس والعشرين من يناير، غير آبهين بمساعي دولة العسكر المتأهبة للعودة من جديد، للسيطرة على ممتلكات هذا الوطن، ظنًّا منها أنها صاحبة الحق الحصري في التصرف فيها.

نزلنا بكل ما أوتينا من قوة لنصحح خطأ الاختيار، ونعيد شذوذ الإخوان لطريق الثورة المستقيم، ولم نكن ندري أن هذا الشيطان الذي اصطحبناه لعودة الإخوان هو من يتقن لعبة التآمر ويحفظ قواعدها ليغوينا عن الطريق ويحيد بنا رويدًا رويدًا لطريقه في الاتجاه المعاكس، ليقيم ثورته ويطيح بثورتنا إلى غيابات الجب، ويبدأ في التقاطنا واحدًا تلو الآخر بمصيدته التي خرجنا منها إما قتلى أو أسرى في سجن “قد الدنيا”.

إنه الانقلاب على طموحاتنا وأحلامنا هو ما يجب أن نقف عنده ليس تتويج القائد الظاهري للانقلاب بكرسي العرش، ففي الثلاثين من يونيو اخترنا بمحض إرادتنا أن نطوي الفصل الأول من ثورتنا، ونبدأ في كتابة فصل جديد سُمي فيما بعد فصل العقاب، ليعاقبنا من ثرنا عليهم على تلك الثورة، ومطالبتنا بالعيش والحرية والعدالة الإنسانية فكان فصل العقاب مرًّا على الجميع، حتى من هم يقفون في صف قادة الانقلاب، فقد طالهم الدم أيضًا كما طال المعارضين، وغطهم الهم كما غطى المساجين.

في البداية ظهر الانقلاب بصورة وديعة حيث اتخذ له ظهيرًا شعبيًّا في بيانه الأول في الثالث من يوليو، حيث ألقى عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع في ذاك التوقيت بيانًا بعزل مرسي وبجانبه كل من الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر والبابا تواضروس بطريرك الكرازة المرقصية والدكتور محمد البرادعي أيقونة ثورة يناير، وزعيم حزب الدستور وأحد رموز جبهة الإنقاذ المعارضة لحكم محمد مرسي، بالإضافة لمحمود بدر من حركة تمرد، وبعد الانتهاء من تلاوة البيان تم إغلاق قنوات فضائية تحت حجج واهية، وتم تعطيل الدستور بناءً على خارطة الطريق، ورويدًا رويدًا تم ابتعاد هذا الظهير الشعبي للانقلاب، حيث سارع البرادعي للعودة لأمريكا بعد فض اعتصام رابعة مقدمًا استقالته من نيابة رئاسة الجمهورية، احتجاجًا على استخدام العنف، تلاه انسحاب الشاعر عبد الرحمن يوسف والكاتب بلال فضل والدكتور عمرو حمزاوي رئيس حزب مصر الحرية، وخالد داود المتحدث الإعلامي لجبهة الإنقاذ.

خلال عامين من حكم الانقلاب زاد عدد القتلى والمصابين والمقبوض عليهم والملاحقين، ففي العام الأول والذي ترأسه ظاهريًّا عدلي منصور بلغ عدد القتلى ما يزيد عن الثلاثة آلاف قتيل، في أنحاء متفرقة من البلاد، كان أكثر القتلى وقع في مذابح جماعية في رابعة العدوية والنهضة ودار الحرس الجمهوري وأحداث ميداني رمسيس والدقي مرورًا بمجزرة الدفاع الجوي لمشجعي الأولتراس، ختامًا بخطف وقتل الطلبة من جامعاتهم.

ولم يكن الدم هو فقط شعار الانقلاب فقد كان قرار عدلي منصور في سبتمبر 2014 بمد فترة الحبس الاحتياطي دون سقف زمني حاضرًا بقوة في الانتقام من الثوار، بل زاد الأمر حتى أصدر منصور في شهر نوفمبر من العام نفسه قانون التظاهر، والذي إن سمي بصدق سيسمى قانون منع التظاهر، والذي استطاعت به حكومة الانقلاب الحكم بأحكام قاسية على أحمد ماهر وأحمد دومة ومحمد عادل وعلاء عبد الفتاح وغيرهم الكثير، ولعل اعتقال أكثر من ألف شخص ووفاة ما يزيد عن المائة متظاهر في مظاهرات الخامس والعشرين من يناير في 2014 خير دليل على أن ما حدث في الثالث من يوليو ما هو إلا انقلاب على ثورة يناير.

وكانت أبرز أحداث العام الأول هي إقرار الدستور، وسط حملة من الاعتقالات لمن يرفع شعارات “لا للدستور” ليغيب عن هذا الدستور الشيء الأهم وهو أن يعطي الحق لمعارضته، ولكن النظام المصري رأى أن هذا الدستور منزل من لدن حكيم عليم، لذا لا يمكن التصويت بلا على هذا الذكر الحكيم!

واستمر الانقلاب في أعماله الغبية من انهيار شبه تام في الاقتصاد المصري، وعجز في الموازنة، وارتفاع في حجم الاقتراض المحلي وتراجع احتياطي النقد الأجنبي، برغم مساعدات خليجية تعدت السبعين مليار، بخلاف تسيس للقضاء وخروج لمبارك ونظامه من أروقة السجون، وإغلاق برنامج البرنامج للإعلامي الساخر باسم يوسف، وتقديم مذكرة اتهام في إعلان أبلة فاهيتا، وغيرها من الأمور الخزعبالية التي انتهجها النظام في فترة ما بعد الانقلاب، ولعل اختراع اللواء عبد العاطي للشفاء من الإيدز وفيرس سي هو الأشهر في عالم الخزعبالية المصرية.

وكان لا بد من تتويج بطل الانقلاب بتاج العرش مرصع بالنسبة العربية من التصويت التسعيني، حيث توج عبد الفتاح السيسي برئاسة الجمهورية في الثالث من يونيو عام 2014 بنسبة 96.91%، النسبة المفضلة للحكام العرب، في انتخابات هزلية، وسط عزوف شبه تام عن التصويت في تلك الانتخابات، إلا أن اللجنة العليا للانتخابات قدرت نسبة المشاركة الإجمالية بنحو 47% أي ما يزيد عن الـ25 مليون مصري أدلوا بأصواتهم!!

وبالمبدأ التسعيني المميز استمر السيسي في حياته الرئاسية، في نجاح منقطع النظير بنسبة لا تقل عن 95% في أي من مشاريعه التي دخلها، فقد دخل السيسي في مشروع المليون وحدة سكنية بتكلفة تبلغ 280 مليار جنيه، لتوفير مليون فرصة عمل للشباب المصري لدى الشركة الإماراتية أرابتك، ويستمر النجاح بإعلان السيسي انطلاق مشروع استصلاح المليون فدان في الصحراء الغربية في سبتمبر المقبل لهذا العام 2015، وعلينا أن نتذكر أن هذا المشروع بجميع الخدمات والمرافق، ويتضح أن السيسي استخدم سياسة المشاريع الكبرى العملاقة والأضواء المبهرة دون الالتفات للفرق بين التنمية والنمو، مما جعلنا نحيا نفس العيشة أرقام فلكية من النظام وأرقام أرضية وسط الشعب.

وكان أبرز ملامح السيسي القائد الظاهري للانقلاب في عام الانقلاب الثاني الموجود به كرئيس لمصر هو استحواذ السيسي أو مؤسسته العسكرية على السلطتيين التنفيذية والتشريعية، فالرئيس يشرع والرئيس ينفذ، وانتهى زمن الرقابة على الحكومة وعدنا لأن يصبح الرئيس هو الشخصية التي لا تمس ولا تهاجم ولا يمكن التشكيك في نزاهتها لأنه الفرعون المؤيد من الآلهة!

وبرغم وجود دستور جديد وضعه نظام الانقلاب، إلا إن رئيس الانقلاب تراءى في أوضاع كثيرة أن هذا الدستور معيق فأصدر قوانين رئاسية مخالفة للنصوص الصريحة في الدستور، كما وضح جليًّا إن السيسي لم يجد كذبة أنه تخلى عن بذلته العسكرية ليصبح رئيسًا لدولة مدنية، وأصبحت قراراته أمنية بشكل بحت وغاب عنها أي تخطيط سياسي في المجمل.

وقدم الرئيس نفسه أنه أب لكل المصريين وليس رئيسًا يمكن أن تنتهي ولايته، بل زاد في الأمر ليقدم نفسه على أنه المصلح الديني، مطالبًا بتجديد للخطاب الديني، وسط تزايد للعمليات الإرهابية في مصر وعدم قدرة الجيش المصري على السيطرة على شبه جزيرة سيناء مما جعلهم يهجرون الأهالي ويزيلون النفاق التي إن كانت تمثل خطرًا فهو بلا شك على أمن إسرائيل.

شارك السيسي في عمليات أمنية خارج حدود الوطن من خلال عاصفة الحزم ضد الحوثيين تحت شعار أمن الخليج أمن مصر، ولكنه لم يتوان ثانية واحدة في اعتبار منظمة حماس صاحبة النضال في غزة ضد العدو الصهيوني منظمة إرهابية والتشجيع على سفك دماء أعضائها من قبل الجانب الإسرائيلي، كما وجه السيسي ضربة لداعش في ليبيا كما يدعي.

ذهب السيسي شرقًا وغربًا مصطحبًا معه الفنانين والمطربين وإعلامي الصوت على القنوات المصرية، متناسيًا أدباء وعلماء وعظماء مصر يعطي صورة واضحة عن أهمية العلم والعلماء لدى السيسي الذي لا يتذكرهم سوى وقت الحديث المنمق.

نحن معشر الشباب في عامي ما بعد الانقلاب كنا الحلقة الأضعف والأقل تأثيرًا رغم محاولات من هنا وهناك من جبهة طريق الثورة مرورًا بحركة أحرار وصولًا للميدان الثالث، إلا أننا في النهاية نظل فقط مترقبين للأجواء، منتظرين فقط أن يحنو طرفا اللعبة على وقف التناحر والتقاتل فيما بينهما، لنضع خططًا لإرجاع ثورتنا إلى طريقها الحق المستقيم، ولكن هيهات هيهات أن نصل لمبتغانا وسط انحسار منا على صفحات الفيس بوك أو مقالات على مواقع إلكترونية، غير مؤثرين أدنى تأثير على تلك التحركات في الشارع المصري، فإني أعتقد أننا إذا أردنا أن نصل لهدفنا فعلينا البدء أولًا بأنفسنا بالاعتراف بأخطائنا التي ارتكبناها في سنوات ما بعد يناير 2011، واضعين قاعدة عامة لنا تعترف أن تفرقنا سبب تشردنا، فلنختلف متحدين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد