دفعني لكتابة ما ستقرأون ـ ليس فقط ـ لأن اليوم هو ذكري اعتقالي قبل عامين، ولكنها محاولة في سطور لأنقل خليطا من المشاعر التي يتقلب بين تناقضاتها الناس، لكن بعد عامين من الاعتقال تبين أنها تختلف حين تتعلق بمشاعر سجين.

فصغيرة تلك الأشياء التي تتحكم في مشاعرنا، وتشغل بالنا وتقلب أمزجتنا، وتهيمن علي حواراتنا ومسامراتنا، ليس من بينها “التعدد” ، او ” رسالة إلي صديقي الذي لم يتزوج ” … وغيرها من تلك الأمور التي شغلت بال الافتراضيين من الناس وسيطرت علي تعليقاتهم، والتي تابعتها آسفا من خلال نافذتي، شعرت بالبون الشديد بين ما يشغلنا وما يشغل الآخرين: نحن في واد وهم في واد آخر. تذكرت حينها في فيلم الملك الأسد مقولة موفاسا لسيمبا عن المكان الضلمة: المكان الضلمة خارج مملكتنا إياك تروح هناك.

حاولت قدر إمكاني ـ وأنا أصف المكان الضلمة ـ أن أقبض على قلمي وأنا اتحدث عن المؤلم وأبسطه بحديثي عن المبهج والإيجابي، لكن عذرا؛ هو موجود بالفعل، ففي النهاية نحن سجناء.

هي حكايات، مواقف ومشاعر عبثت بقلبي عبر عامين، قد تجدون المقال طويلا، ولكنه غير مرتبط، وهو معنون، اختاروا ما تشاءون؛ ففيه كما أسلفت الأسود، وفيه الملون، لكني سأبدأ بالأسود منه.

الخوف

مر علي الخوف في محبسي مرات لا أحصرها، أذكر هنا موقفين؛ لعلكم عايشتم أحدهما!

حين خرجت زوجتي بعد إحدي جلسات التجديد، وقد فاض بها الكيل، وعدمت الحيل في استرداد حقها أن أكون إلي جوارها في أشهر زواجي الأولى، خرجت تصرخ في الناس عبر لافتة كتبت فيها: ” زوجي جعفر الزعفراني ليس إرهابيا”. طافت بها في أرجاء أحد مجمعات التسوق، تكاد تحرقها أعين الاستهجان ـ مكانك ليس هناـ  تحرك الأمن بالطبع لإحباط محاولة تكدير صفو السادة،  تابعت ذلك لحظة بلحظة عبر وسيلة مهربة ثم انقطع الاتصال، سأترك لكم تخيل وضعي وأنا مكبل، محتجز بين أربع جدران، وباب حديدي، وابنتي ذات العشرة أشهر معرضة أن تفقد أمها كما فقدت أباها من قبل.

المرة الثانية؛ وصلني ان والدي وضع على قوائم الضبط والاحضار، أظلمت الدنيا في وجهي، وشعرت لأول مرة بالسجن الحقيقي، وأنا أتخيل أبي الذي لا أستطيع أن أصف ما يمثله لي هذا الرجل، وأتخيل في المقابل مشاهد التنكيل التي ضجت بها آذاني من سماع حكاياته عن كلاب السكك، وانتهاكهم كل ذي قيمة في هذا المجتمع، لا إكبار للسن، ولا  لحرمة نساء، فالكل مستباح.

شل الخوف تفكيري؛ قد أتحمل أنا ما أمر به؛ لصغر سني، لكن أبدا لن أتحمله على أبي حفظه الله. يمر الخوف علينا أكثر ما يمر حين نستشعر خطرا على أهالينا، أما عنا: نحن المعتقلين، فما عدنا نكترث.

العجز

حين يتعرض أحدهم أمامك لألم يدفعه للصراخ تستدعي الفطرة الإنسانية أن تتحرك لتحمله لإحدى المستشفيات، أو على الأقل تستدعي الإسعاف، تخيلك أنك تتألم مثله دفعك للتحرك، لكن تعال معي للتخيل أن من يتألم أحد أعز الناس على قلبك، ولكنك عاجز عن النجدة وعمل أي شيء يخفف وجعه.

حدث ذلك معي مرتين، مع اثنين من أحبائي، وكانت آلامهما بالطبع نتاج تعذيب وحشي أفقد أحدهما ارتباط ذراعيه بجسده، وأخرج العظم من مكانه، أما الآخر، فقيل له من أحد المغاوير أثناء تعذيبه: ” والله لأعجزك ” يسعى الأخير لإجراء عملية منذ عام ونصف، ويقابل طلبه بالرفض، يرقد الآن في مستشفى عاجزا عن الحركة بعيدا عن سريره.

أترك لكم ـ مرة أخرى ـ تخيل شعوري وأنا أسمع آناتهما و صراخهما، وأنت ملازم لفراشك تنظر ولا تستطيع الحركة.

الحسرة

أستشعر الحسرة كل صباح حين يفتح علينا باب الزنزانة لأي سبب، كإخراج القمامة، إبلاغ عن الجلسات، وأرى نظرات الفزع في عيون كل من حولي، وقد استيقظوا منتفضين، لما يحمله صوت فتح باب الزنزانة كل صباح من ذكرى ، هل يستطيع هؤلاء ومثلهم الآلاف أن يشعروا يوما بأمان، حتى لو عادوا إلى بيوتهم.

الفرحة

يغمرنا شعور الفرحة، ويصبغ جدران السجن الكئيبة بعض الألوان حين يفارقنا أحد الزملاء، لا لإحدي السجون الأخرى، لكن إلي بيته: أمه، أبيه، زوجته، أولاده. تكون فرحة حقيقية من القلب، كان أولها بعد عام كامل، وقد تسرب إلينا يقين أن لا خروج لهذه المجموعة، إلا بعد زوال الانقلاب، لكن المعجزة حدثت، وخرج خمسة مرة واحدة، دب الأمل في قلوبنا من جديد في فرج، حتى وإن تأخر، لكنه يأتي على أية حال.

وتداعب الفرحة قلبي أيضا حين تحدث ثورة داخل الثورة؛ بسبب تضييق علينا أو على أهلينا، يمثل لي معنى أن الثورة لازالت في القلوب، ولم تمت بعد، حتى وإن كانت وقتية. شيء يطربني، اللهم أدمها ثورة في القلوب على كل ظلم، واحفظها من الزوال.

الاهتمام

يحتاج الإنسان في حالته الطبيعية أن يشعر بالاهتمام، فما بالك بحالته الاستثنائية! يزداد الاحتياج أن هناك من يشعر بك، في حالتي، حباني الله بعائلة دافئة، مترابطة، تغمرني باهتمامها، وأخص منهم هؤلاء الثلاثة ونصف: أمي، زوجتي، أختي الكبرى، وابنتي آمنة.

اصبحن جزء من حبسي، لا أتصور زيارة دونهم، بحساب الأرقام: 230 على أقل تقدير، لم يتخلفن عن واحدة،  على مدار سنتين بما تحملة الزيارة من عنت ونصب، ليس فقط اهتمامهن، بل إني أشعر حقيقة أن حياتهن متوقفة لغيابي، عبر نظراتهن أول الزيارة، وآخرها، أشعر أن حياتهن تسحب منهن. حتى وإن ضاقت دائرة الاهتمام، لكن أحمد الله أن تبقى في الكون من لا ينساني بدعائه و فكره. شكرا عائلتي الدافئة، وشكرا لثلاثة ونصف.

الحب

أما عن الحب فيتلخص عندي في تلك الفتاة التي تزوجتها لستة أشهر، ثم شاءت الأقدار أن أغيب عنها في غياهب سجون. كان الوجه المشرق فيها أن يتبين لي قدر ذلك الحب الذي يحمله لي قلبها الكبير بأسطع ما يكون

في رؤيتها لي، وهي تتعثر، وهي تحمل أضعاف وزنها أسبوعيا في زيارتي.

في اضطراب حياتها ـ الذي استشعره ـ  وهي تقابل رياح تلك الحياة وضرباتها وهمومها، ومسئولية طفلتنا الصغيرة وحدها، لكنها يوما لم أرها عابثة أو شاكية. في حضورها لمحاضراتي لدراستي العليا، رغم ما بها، وتلخيصها، وتحضير الأبحاث، وعنائها التي تلاقيه في ترددها على عشرات الجهات؛  لتمكيني من الامتحان داخل السجن.

في نظرات عينها التي تقول: إن الحياة فقدت المعنى بغيابي، فيصلني أنها حرمت نفسها من كل ترفيه أو تنزه؛ لأنها لا تتصوره من دوني، إلا فيما أجبرها أنا عليه؛ حتى يمكنها أن تكمل. شعوري بهذا الحب أحد أسرار صمودي إلى الآن، فلله الحمد على تلك النعمة: زوجتي.

الاشتياق

أشتاق لكل لون غير الأبيض، أشتاق لكل مكان غير محدود بجدران وأبواب، تشتاق عيني لتنظر مد البصر دون أن يمنعها حاجز، تشتاق قدمي للجري في خط مستقيم دون تكرار نفس الأمتار العشرة، أشتاق لصلاة في مسجد، أشتاق لعيد في خلاء، أشتاق لإفطار بعد صوم بين أهلي في الأسكندرية، وصلاة القيام على كورنيش البحر خلف الشيخ حاتم، أشتاق لوجبة هنية من زوجتي، أتبعه بكوب شاي في شرفتنا، وأنا أتنهد مرتاح البال على نعمة الحرية التي لم أقدرها قبل أن أسجن.

لا تتسع الصفحات لتعبر، ويعجز فقر البلاغة لدى قلمي لأصف لكم كيف يعيش هؤلاء في المكان (الضلمة)، ولكنها فضفضة كما قلت لكم!

كل ذكرى اعتقال وأنا طيب معافى بإذن الله.

يوما ما سأخرج أقوى، وأفضل مما كنت، عسى أن يكون قريبا.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد