إن أي خطأ يرتكبه المسلم في حياته سوف يكون في أحد هذه المستويات الثلاثة:

  • اللمم: وهي الأشياء والمقدمات البسيطة، مثل النظر.
  • الصغائر: أو ما يسمى الدروب الصغيرة، مثل الخلوة والملامسة.
  • الكبائر: وهي فوق الصغائر من الذنوب، وهي الفواحش والموبقات التي عليها حدود، وفيها وعيد، أو فيها لعن.

كما أن هناك مستويات للخطأ، فيما يخص الوقت، مثل رمضان، أو ليلة القدر أو أيام الحج، وهناك مستويات للخطأ، فيما يخص مكان ارتكاب الخطأ؛ فارتكاب الخطأ في مكة أو المدينة يفوق عقوبته، فيما إذا ارتكاب في مكان آخر، وكذلك هناك مستويات فيمن يخطيء بحقهم «الشخص»، فعندما تخطئ في حق أبيك مثلًا أو في حق ولدك، فذلك أعظم من الخطأ في حق البعيد أو الجار، فالرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ ذكر الوعيد على من يزني بحليلة جاره، مع أن الزنا كله كبيرة، ولكن إذا كان للجار أو ما أشبهه، مثل التحرش بالمحارم، فهنا يكون جرمه أشد وأعظم، كما أن هناك ما يسمى بالبيئة أيضا، فهناك البيئة التي تشجع الإنسان على الاستقامة والتدين والمحافظة، وهناك بيئة أخرى تحفز الإنسان على الوقوع في الخطأ، ونجد في الحجاب مثالًا واضحًا على هذا الموضوع، فهناك بيئة تشجع الفتاة على الحجاب، مثل الدول العربية والإسلامية، كما أن هناك بيئة أخرى ـ  ربما ـ تكون صعبة جدًا،عندما تحاول الفتاة أن تستتر، مثل الدول الأوروبية وأمريكا، فهذه كلها اعتبارات لها تأثير، كما يمكننا أيضا أن نقول «إن الخطأ يتفاوت أيضا بحسب الضرر المترتب عليه، ويعني ذلك أنّ هناك خطأ قد يكون ضرره مقتصرًاعلى الشخص نفسه فقط، وهو أخف نوع من الأخطاء، ولكن هناك أخطاء يكون ضررها على المجتمع المحيط بالإنسان كله، ولا يجب في هذه الحالة المجاهرة بهذا النوع من الأخطاء، وذلك كأن أن يقوم أحدهم بالزنا، ثم يعمل على نشر هذا الخبر، كنوع من التباهي، ويدخل في هذا الإطار تسجيل الجريمة في صور أو فيديو، ومن ثم  توزيعها على الناس، وهنا يجب أن نستذكر وصية نبينا ـ عليه الصلاة والسلام ـ لما أمر بالستر فقال: «من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة».

كما أن الأخطاء السلوكية أو الأخلاقية هي جزء من الأخطاء بشكل عام، فهناك أخطاء ترتكب في حق الآخرين، مثل السرقة وأخذ المال بغير حق، والعدوان على الناس، والعدوان على حقوق الآخرين، من حقوق الصغار، وحقوق المرأة، وحقوق المجتمع، وحقوق المستضعفين، وهناك أيضا ما يسمى بأخطاء القلوب، مثل الغل، والحقد، والحسد، والكبر، والبغضاء، وهذه ذنوب وجرائم وموبقات قد تكون أعظم من بعض الأخطاء المظهرية التي يراها الناس بعيونهم، كما أن الجهل والتخلف والفقر والظلم في المجتمعات والتفاوت المفرط بينها هو من أعظم الأخطاء في هذه الحياة.

ويعتبر ارتكابنا للأخطاء جزء من الكينونة البشرية، ولكن هناك أفراد من المجتمع، وخصوصًا ما يسمى بالمتدينين أو بالملتزمين، الذين ينظرون إلى بعض الأخطاء المظهرية التي تصدر من بعض الأشخاص، ويحكمون عليهم من خلالها، وهذا خطأ كبير؛ لأنه عندما تقترب من هؤلاء الناس «المخطئين» سوف تجد عندهم تدينًا وفطرة، على إيمان، وفي هذه الحالة سوف تحتقر نفسك؛ لأنك اعتمدت على المظاهر فقط، ومن هنا فإن كثيرًا من المصححين ينسون أنهم يتكلمون مع إنسان، يخطئ ويصيب، وأنه عندما تعرفه بشكل جيد، فإنك ستجد أن عنده مشكلات، وتاريخ، ويتم، واغتصاب، واعتداء، وقضايا خفية، لو عرفتها لعذرته، فإذا استطاع هذا المصحح أو الداعية أن يستوعب هذا الإنسان، ويتعرف على دخيلته، ويقترب منه بصورة حميمية، فإنه سيجده يبوح له، ليس بالخطأ الذي يحاول أن يصححه فقط، بل بأخطاء أخرى كثيرة جدًا، ومن هنا سوف تكون أنت عونًا له، بعد الله سبحانه وتعالى، على تصويبها وتصحيحها.

وأخيرًا فإن المعيار والمرجع لكل هذه الأخطاء، هو القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة أيضًا، وإجماع العلماء والأقوال المعتبرة عند أهل العلم، هذا من حيث الجانب النظري،أما من الناحية العملية فنحن نجد أن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ نفسه كان يستمع إلى الصحابة، ويستشيرهم في كثير من الأمور، على الرغم من أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ معصوم عن الخطأ، كما أن الصحابة والخلفاء الراشدين والعلماء ـ رضي الله عنهم وأرضاهم ـ عبر التاريخ الإسلامي كله، لم يكن لهم عصمة، فإذا جمعوا، فإجماعهم حجة، وإذا اختلفوا فاختلافهم رحمة، وكما يقول عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ «الحاكم يستدرك عليه ويصحح»، ومنه فإن التاجر والإعلامي والوزير والمسئول، وكذلك الفقيه والعالم والداعية والخطيب والأب والمعلم كل هؤلاء ينبغي أن يدركوا أنهم ليسوا هم فقط من يصححون للناس، كأنهم يتلقون تسديدًا إلهيًا يمنعهم من الوقوع في الخطأ، أو إلهاما أو عصمة، فلا وألف لا، فهم أيضا عرضة للخطأ كغيرهم،  ولهذا فكل واحد منا يمكن أن يصحح للآخرين، والآخرون يصححون له، وقد تستطيع أن تجد من يصحح لك ممن هو أقل منك قدرًا، وأقل منك علمًا، بل قد يكون من الناس البسطاء العاديين الذي تخرج منه كلمة، قد تكون هذه الكلمة تعديلًا أو تصويبًا لمسار عالم من العلماء، ومن هنا يجب على أي إنسان أيًا كان أن يتقبل التصحيح من الآخرين، وكما قيل قديمًا: «خذوها من غير فقيه».

ولعدم الوقوع في الأخطاء في الجانب الديني يجب علينا الرجوع أولًا إلى القرأن الكريم، ثم السنة الصحيحة المنقحة، وبعدها الإجماع، ثم القياس، وبعدها الاجتهاد، فعندما تريد تجنب الخطأ ارجع إلى من تثق في علمه، وإذا اختلفت الآراء خذ بالرأي الأيسر لك، أو الذي تطمئن له، ولا يعتبر الرأي الذي لم تأخذ به خطأ؛ لأن كثيرًا من المسائل المختلف عليها بين علماء الشريعة  الفقهاء تحتمل أكثر من رأي، وخير ما قيل في هذه المسألة، قول الإمام الشافعي حين سئل عن مذهبه فقال: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب».

تنبيه هام جدًا

ابتعد عن أن تعيّر أحدًا بذنبه أو خطئه؛ فقد يعافيه الله ويبتليك، انصح فيما بينك وبينه، واشكر الله ـ عز وجل ـ أن عافاك من هذا الذنب الذي وقع فيه أخوك، فينبغي أن تشكر الله وأن تدعو لأخيك، لا أن تعيره، ولا أن تتعالى عليه، ولا أن تقوم مقام الشامت به، فقد جاء في الحديث الشريف عن جندب بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدَّث: «أن رجلًا قال: والله لا يغفر الله لفلان، وأن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألى علي أني لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك».

وكما يقال أيها الإخوة الكرام! حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، والكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

عافانا وإياكم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

صحيح البخاري
صحيح مسلم
موسوعة النابلسي الدكتور محمد راتب النابلسي
عرض التعليقات
تحميل المزيد