«يا أيُّها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون».

هذه الآية الكريمة تنص صراحة، على أنَّ الصيام كان مكتوبًا على الإنسان من غابر الأزمان، وتذكر بعض المراجع التاريخية أنَّ آدم «عليه السلام»، أول البشر الذين صاموا على الأرض، تكفيرًا عن خطيئته، وإخضاعًا لروحه التي غلبتها شهوته، فكان لا بدَّ من تهذيبها، لإبعادها عن الماديَّة، ومنذ ذلك الوقت والصيام عبادة يتقرب بها الإنسان من إلهه.

ولم يقتصر اعتبار الصيام ركنًا مهمًّا من أركان الإيمان على الأديان السماوية، فهناك الكثير من الأديان والملل، التي تعتبر الصيام طريقًا للوصول إلى رضا الإله، وتنتهج طرقًا مختلفة للصوم، تقترب كثيرًا من طريقة صوم متبعي الأديان السماوية المعروفة (اليهودية، المسيحية، والإسلام)، وبرغم التشابه إلَّا أن الاختلاف موجود أيضًا، والسعي إلى رضا الله قد يصل ببعض المؤمنين إلى الصيام لعدّة أيام متتالية دون طعام أو شراب، وأحيانًا حتى الموت.

وعلى تعدد الأديان والمعتقدات، أيضًا تتعدد طرق الصوم، فمنها ما يستهجنه البعض، ومنها ما ألفه الناس، ومن أبرز الصائمين:

الفراعنة

كان المصريون القدماء، يصومون قبل أعيادهم الدينية، وامتنانًا لنهر النيل على فيضانه، لأنه مصدر رزقهم وخيرات بلادهم، وشكرًا للآلهة عندما يحصدون ثمارهم، كما أنهم اعتقدوا أن الصيام يحسن من مناعة الجسم، وينظفه من السموم، فلذلك ابتكروا صيام سبعين يومًا متتالية، لا يتناولون فيها إلا الخضراوات، وما عدا ذلك كان من المحرمات، أيضًا حرموا أنفسهم من تناول الطعام إرضاءً لموتاهم، اعتقادًا منهم أنَّ ذلك يجعل الموتى أكثر راحة، وتميّز أيضًا التفاوت بين صيام الكهان وصيام العامّة، فخادم المعبد ليحظى بمنصبه عليه أن يصوم سبعة أيام متتالية من غير ماء، ثم يُتبعها بصيام 42 يومًا يمتنع فيها عن تناول الطعام من طلوع الشمس إلى غروبها، وهذا الصوم واجب عليه، حتى يستطيع بعده تعلّم واجباته الدينية.

اليونانيون

أول من دوّن طرق الصيام وقدراته العلاجيّة، أبو الطب (أبقراط) الذي اعتبر أنَّ الإكثار من الطعام يزيد من تعريض الجسم للأذى، ووجد أنَّ الصيام علاج للأمراض وتهذيب للنفس، واعتبره أكثر جدوى من الأدوية، لذلك فقد كان يعالج مرضاه بالصوم والتمارين الرياضية.

وأحاط الكهنة اليونانيون شعائر الصوم بطابع سري، وقسّموه إلى أسرار صغرى وكبرى، وكان الصائمون يبدؤون صومهم الأصغر من خلال مراسم تقام في فصل الربيع قريبًا من أثينا، فيغمرون أنفسهم بالماء ويستحمون فيه، إيذانًا ببدء الصيام، أما الصيام الأكبر فكان يستمر لأربعة أيام تقام فيه المراسم ذاتها، ثم يفطر الصائمون بتناول عشاء رباني إحياء لذكرى الإله رملتر.

أيضًا تأثر الرومان باليونانيين، ومارسوا شعائر الصوم، وأضافوا عليه صيام 15 يومًا، تضرعًا إلى الله قبل دخولهم الحرب، وطمعًا في النصر.

البابليون

يذكر ابن الأثير في كتابه «الكامل في التاريخ» أنَّ الملك البابلي طهمورث، أقر الصوّم في ملكه، وكان قومه يعبدون الأصنام، فكانوا يمسكون عن الطعام نهارًا، ويأكلون ليلًا ما يسد رمقهم، اعتقادًا منهم بأنَّ ذلك يقربهم إلى الله، وسمى البابليون الصيام بـ«شيتوا»، وكانوا يصومون ثلاثًا وثلاثين يومًا متفرقة، من طلوع الشمس إلى غروبها، وكان صيامهم الأكبر يتمثل في الكف عن الذنوب، وصيامهم الأصغر كان بالامتناع عن الطعام والشراب والجنس، ولم يحددوا له ميقاتًا محددًا، بل تركوا وقت الصيام عشوائيًّا.

الهنود القدماء

كان الكهنة الهنود يصومون اثنين وأربعين يومًا متفرقة، فيما يصوم عامة الشعب يومين من كل شهر، وأبرز أنواع صيامهم صوم الكفارة لاعتقادهم أنه يمحو ذنوبهم وخطاياهم، ويبدأ بأن يأكلوا خلال ثلاثة أيام في كل صباح وجبة واحدة، ثم بعد ذلك في الأيام الثلاثة التي تليها وجبة واحدة كل مساء، ثم يتمون صومهم بالامتناع الكامل عن الطعام والشراب في آخر ثلاثة أيام.

صيام الأرامل

هذا النوع من الصيام كان منتشرًا قديمًا عند بعض الشعوب، في الكونغو ومدغشقر، وهو من أنواع الحداد على الزوج، حيث يفرض على الزوجة التي مات زوجها، أن تتجرد من الملابس، وتحلق شعرها، وتلتزم صيامًا يكون بالصمت لثلاثة شهور قمرية، وذلك حزنًا على زوجها.

الهندوس

الديانة التي يعتنقها تقريبًا 80% من سكان الهند، يعتبر الصوم من أهم أركانها لما له من دور في تهذيب النفس، ويختلف صيام الهندوس تبعًا للإله الذي يعبدونه، فمن يعبد الإله «فيشنو» يجب أن يصوم في أيام الخميس، ومن يعبد الإله «شيفا» صيامه يكون في أيام الاثنين، وتصوم كافة الطوائف الهندوسية 9 أيام كلما بدأ فصل من فصول السنة، ويومًا في منتصف كل شهر قمري، وتختلف طرق الصيام، فمنهم من يمتنع تمامًا عن تناول الطعام والشراب من غروب الشمس وحتى شروق اليوم التالي، ومنهم من يتوقف عن الأكل والشرب ليومين متتالين، ومنهم من يصوم من الشروق إلى الغروب، ومنهم من يصوم عن المنتجات الحيوانية فقط، وهذا الاختلاف بطرق الصوم، يكون تبعًا للطائفة التي ينتمي إليه الهندوسي.

البوذيون والسيخ

وفي غابة الأديان الهندية، يعتبر البوذيون الصيام من أهم أساليب تهذيب النفس، وتعليمها على التقشف، استنادًا إلى تعاليم بوذا التي دعت إلى الوسطية، واعتبرت أنَّ الصحة يضرها الإفراط بالطعام، أو الامتناع تمامًا عنه، ويمارس البوذيون شعيرة الصيام، للتمتع بصحة جيدة، ولمساعدتهم على التأمل وعيش حياة الزاهدين، ويبدأ صيامهم ظهرًا، وينتهي في صباح اليوم التالي، ويشاركهم السيخ بنفس المفاهيم، ويسعوّن للصيام للتمتع بصحة جيدة.

اليانيون

لا يتعدى أتباع هذه الديانة الـ6 ملايين شخص حول العالم، وتعاليمها مبهمة للكثيرين، وأبرزها الإيمان العميق بتناسخ الأرواح، وبضرورة تطهير النفس من الشرور، وهذا يتحقق بالصيام، الذي هو أمر اختياري لمن يريد خوض تجربته، إذ إنَّ من يقرر أن يتطهر بالصيام، فقراره لا يمكن العودة عنه، وصيامه لا ينتهي إلا بالموت جوعًا وعطشًا، ومن المدهش أن النساء هنَّ أكثر جرأة على تطهير أنفسهن بالصيام من الرجال.

اليزيديون

يرجع تبيان أحكام الصوم في الديانة اليزيدية إلى البابا شيخ، الذي يرجع إليه الناس حين يلتبس عليهم شيء من أمور دينهم، ويصوم البابا شيخ أربعينية الصيف والشتاء، يشاركه في صيامها أغلب الفقراء المتصوفين من أبناء الطائفة، ويعتبر اليزيديون الصيام جزءًا مهمًّا في ديانتهم، ومطهرًا للنفس من شرورها، إذ يحرم في صومهم قول ما يسيء، ويصومون ثلاثة أيام في منتصف آخر شهور السنة كانون الأول، من شروق الشمس إلى غيابها، والصيام يكون بالامتناع عن الأكل والشرب والعلاقات الجنسية، وهناك أيضًا صيام تطوعي خاص بمن يحمل اسم نبيهم «خدر الياس». 

المندائيون

يعتبر المندائيون الصيام ركنًا من أركان ديانتهم، ويقسمون صيامهم إلى أكبر وأصغر، والصيام الأصغر هو الصيام عن تناول لحوم الحيوانات، وأيامه تصل إلى 33 يومًا موزعة على أيام السنة، وهي تسبق الأعياد الدينية، أمّا الصوم الأكبر هو الامتناع عن كل الفواحش والمحرمات التي تسيء إلى علاقة الإنسان بربه، وهذا الصوم يدوم مدى الحياة.

البهائيون

يصوم البهائيون في الشهر الأخير من السنة البهائية، المكوّنة من 19 شهرًا، الرقم المقدّس في ديانتهم، وصيامهم يبدأ من شروق الشمس وينتهي بغروبها، وفيه يمتنع الصائم عن الأكل والشرب، ويستمر الصوم لـ 19 يومًا، عدد أيام الشهر البهائي.

وتروي كتب التاريخ الكثير عن أمم وأديان كان من طقوس عباداتها الصيام، كالرومان الذين كانوا يصومون قبل دخول المعارك، والبراهمة والمانويين، والصابئة، ورغم اختلاف تأدية هذه الشعيرة بين الأديان السماوية وغير السماوية، إلا أنه لا يمكننا إنكار أنَّ الصيام يوحدهم، في طلب رضا الإله، عن طريق تهذيب النفس برفض خضوعها لمطالب الجسد.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الصيام
عرض التعليقات
تحميل المزيد