تتعدد المعارف وتختلف نوعيًّا، وليست كلها تحت تصنيف واحد بحال. لا أتحدث هنا عن أهمية معارف عن أخرى فليس هنا مجال مفاضلة ولا مقارنة من هذا النوع. إنما أقصد اختلاف المعارف من حيث الإدراك العقلي لها علمًا أو جهلًا. كما أنني أتحدث عن تنوع المعارف من حيث طريقة التعامل معها. وعلى هذا الأساس فإن هناك أنواعًا من المعارف:

المعارف المعروفة:

وهي الأمور التي نعلمها وندرك تمامًا أننا نعلمها فعلًا ويشهد الآخرون لنا بحيازة تلك المعرفة. ربما تكون تلك المعارف من نوع التخصص أو المهنة. تمامًا كما يعرف الطبيب عن الطب، ويعرف المهندس عن الهندسة، ويعرف المحاسب عن المحاسبة، ويعرف المبرمج عن لغات البرمجة، وهكذا.

وربما تكون تلك المعارف من المعارف والمعلومات العامة الواضحة للجميع دون تفرقة. كأن تكون أسماءً للمشاهير في الحياة العامة من السياسيين والعلماء وأهل السينما والفن والطرب، أو الأماكن المعروفة من دول ومدن ومرافق عامة كبيرة ومشهورة، أو أسماء البحيرات والأنهار والبحار والمحيطات، أو تواريخ الأحداث المهمة كالحروب والنوازل وغيرها. وهي كلها معلومات ومعارف لا يختلف عليها اثنان ولا تجد أبدًا نقاشًا خلافيًّا عليها هنا أو هناك.

بعيدًا عن علوم التخصص فإن كل تلك المعارف الأخرى هي معارف أولية بديهية لا تحتاج إلى إبداع أو ابتكار للحصول عليها. يكفي العلم بها وحفظها. حفظها فقط ليس إلا. ومن المؤسف الإقرار بأن تلك المعارف هي فقط المعارف التي يحصر التعليم نفسه في إطارها، سواء في المحروسة أو أخواتها في العروبة، أو كثير من دول العالم الثالث المسماة بالدول النامية تجملًا ومراعاة لشعور مواطنيها. ومهما كانت الادعاءات تزعم غير ذلك فهي مجرد دعايات ترويجية لتجميل الصورة لا غير. نجد الشعارات والتصريحات هنا وهناك تتحدث عن تعليم أبنائنا التفكير والمهارات العقلية بأنواعها، وهي مجرد تصريحات جوفاء خالية من الحقيقة، والواقع العملي خير دليل.

المعارف المجهولة:

وهي الأمور التي نجهلها وندرك تمامًا ونقر ونعترف بأننا نجهلها، ويؤكد الآخرون من حولنا جهلنا بها دون غضاضة. ويدل على تلك النوعية من المعارف المجهولة لجوء أحدنا إلى صاحب التخصص العلمي أو المهني وقت التساؤل فورًا وتأكيدًا منه بجهله. كأن نلجأ إلى الأطباء حين نواجه أمورًا صحية أو طبية، كما نسأل المحامي في الأمور القانونية، ومنها كذلك أن نستفتي أهل العلم الشرعي عما نجهله ونطلب منهم الشرح أو الفتوى أو حتى مجرد النصح والوعظ والاستزادة المعرفية.

والإقرار بجهل الجاهل في مثل تلك الأمور هو الأصل والأصلح. لكن ادعاء غير ذلك وتصرف الجاهل نحوها كأنه يعلمها يسبب من المشاكل والمعضلات ما لا علاج له، إلا تراجع الجهلة عن حشر أنوفهم فيما يجهلونه. وفي مجتمعاتنا العربية نجد من أصحاب هذا النوع من الجهلاء تفيض بهم الشاشات يتحدثون دون علم ودون إقرار منهم بأنهم متطفلون على العلوم التي يحدثون الناس عنها. وربما تكون هذه الظاهرة هي أحد أهم الأسباب الرئيسة وراء اللغط الحاصل في تناول العامة للأمور والمعضلات السياسية والاجتماعية والدينية. وكذلك وراء الغلط في تفسير الأحداث والحوادث. يؤكد ذلك ما روي عن أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب، رضي الله عنه «لو سكت الجاهل ما اختلف الناس». والجاهل هنا تعني الجاهل بالأمر مناط الحديث وليس الجاهل عمومًا. وكفانا قدوة أن الصحابة وعلماء السلف طالما كان ردهم على أسئلة السائلين: لا أدري تورعًا منهم وتقوى. حتى إنه قيل في هذا المعنى: «من قال لا أدري فقد أفتى»؛ أي إن إجابته تلك كفت ووفت وجزاه الله خيرًا على عدم الإفتاء أو الحديث بغير علم متيقن به.

المعارف الموروثة:

وهي تلك المعارف والمعلومات التي نرثها عبر العادات والتقاليد فقط. وبناء على ذلك فربما تكون صحيحة وربما لا. والتعامل معها على هذا الأساس هو الأصح والأسلم. لكن الاعتقاد في صحتها لمجرد أنها موروثة من الآباء والأجداد، ويجب احترامها لمجرد وجوب احترام مصدرها، هو خطأ كبير يؤدي إلى مشاكل كبيرة، أهمها مناطحة الحقائق استنادًا إلى أوهام. وربما يجد الكثيرون حرجًا شديدًا عند مخالفتها. ويكمن الحرج في الشعور النفسي وليس الاعتقاد العقلي.

ويزداد الارتباط الفكري بهذا النوع من المعارف في البيئة المنغلقة على نفسها، وتتشابه فيها الأفكار والعادات والتقاليد والمعارف والاهتمامات. وعلى العكس تمامًا فإن هذا الارتباط الفكري يضعف كلما كانت البيئة منفتحة على غيرها متحررة تتسم بالتعددية وتقبل الآخر باختلافاته المتنوعة.

أذكر أول عيد قضيته خارج المحروسة، وكنت يومها قد مر على سفري أقل من أسبوع. خرجت مع صديق إلى صلاة العيد فوجدت الشوارع خاوية من كل ما يوحي بالعيد من زينة وبهجة وفرح. ثم وصلت إلى المسجد الجامع فوجدت الجميع يهمس بتكبيرات العيد مع نفسه. ثم إذا قضيت الصلاة انتشر الجميع دون أن يسلم أحد حتى على من كان يصلي بجواره تهنئة بالعيد. واكتملت المعضلة حين خرجت أبحث عن مطعم لتناول الإفطار فوجدت المطاعم جميعها مغلقة إلا مطعم «هندي» أكلت فيه ما لم أعرف طبيعته ولا طعمه، وما جعلني أقرر ألا أدخل مطعمًا هنديـّا مرة أخرى. كنت في غاية العجب بينما كان صديقي يتعامل مع الأمور بتفهم وتقبل شديدين.

الشاهد أنني وبناء على موروثاتي الثقافية والاجتماعية قد استنكرت كل ما حدث في هذا الصباح العجيب. هذا لأنني أتيت من بيئة ليس فيها هذا النوع من التعامل مع العيد. أما من اعتاد الحياة في مثل تلك البيئة فإنه لم يتعجب لحظة بل تقبل الأمر تمامًا.

المعارف المرنة:

وهي تلك المعارف التي يكون الشخص على شبه يقين بها في الوقت الحالي، لكنه على استعداد أن يتنازل عن القناعة بها متى ظهر أمامه الدليل على عدم صحتها. هو فقط يتعامل على أساس صحتها لكنه لا يدافع عنها باستماتة كما يدافع عن عقيدة ثابتة في وجدانه وعقله الباطن.

ومن مثل تلك المعارف الآراء الشخصية فى مختلف شؤون الحياة الخاصة منها والعامة. ربما يكون الشخص قد بنى قناعته بتلك الآراء على حقائق علمية ثابتة معترف بها بين أهل العلم. أو بناها على أدلة منطقية رآها مقنعة له ومعقولة وتقبلها بسهولة. أو ربما يكون قد بناها على شك أو ريبة. أو ربما يكون قد بناها على تصورات خيالية وأوهام لا أساس لها من عقل أو منطق سليم. أو ربما يكون قد بناها متأثرًا بآراء آخرين من حوله نقلها عنهم واقتنع بها. أو ربما حتى يكون قد بناها على لا شيء إطلاقًا فهي مجرد قناعات لا يذكر لها أصلًا أو صلة.

عشت طوال عمري على اعتقاد أن الطالب الخليجي يقل بكثير في مقدار الذكاء عن نظيره المصري. ومصدر هذه القناعة هي «السماع من الآخرين». ولكثرة هؤلاء الآخرين صارت قناعة لا تهتز في نظري. حتى جاء اليوم وعشت محاضرًا ثم معلمًا ثم مشرفًا بين الطلاب الخليجيين فوجدت أن تلك القناعة كانت على أساس فهم مغلوط للذكاء من ناحية، وللطالب الخليجي من ناحية أخرى. فقد كان ميزان قياس الذكاء لدى الجميع مختل التوازن وقاصر الفهم. فتنازلت عن تلك القناعة بمنتهى السهولة بمجرد تبين الخطأ الذي بنيت على أساسه.

المعارف الانحيازية:

هي تلك المعارف التي تشكل عقيدة خاصة لصاحبها تستند إلى العاطفة لا إلى المنطق والبرهان. تسبب هذه العقيدة لصاحبها انحرافًا في الحكم على الأمور. ينحاز إلى فكرة ويخلق حولها واقعًا اجتماعيًّا ينتمي إليه دون غيره. يدعو إليه ويدافع عنه ويحميه بل ربما يفتديه بحياته إن توجب الأمر. يعتقد حين يفعل ذلك استحقاق تلك الفكرة كل تضحية في سبيلها ويعد افتداءه إياها بروحه شهادة يحلم بها.

وتمثل هذه المعارف خطورة كبيرة، وربما تكون هي أخطر المعارف على الإطلاق. فلأنها انحيازية في أصلها فهي تشوه الحقائق وتسبب خللًا في فهمها وتخلق لدى صاحبها استعدادًا كاملًا لتقبل وتصديق الإشاعات والأكاذيب التي تدعم تلك الانحيازات المسبقة. وتزداد خطورتها في كونها تسيطر على فكر ووجدان صاحبها كما تفعل العقيدة، فيصير مجرد نقاشها أو مراجعتها خطًّا أحمر لا يقبل تجاوزه. ومن المسلم به أنها تختلف من بيئة اجتماعية لأخرى ومن ثقافة لغيرها وبناء عليه فلا بد أن تتسبب في معظم الصراعات البشرية التي راح ضحيتها ملايين البشر فقط لأنهم يختلفون في تلك المعارف. فيموت كل فريق فداء ما يؤمن به وتكون النتيجة بحارًا من الدماء.

ولتكن الحربان العالميتان خير دليل لنا على ذلك. كم مليونًا من البشر سالت دماؤهم وكم أمة دمرت. والسؤال: في سبيل ماذا كانت تلك الحروب؟ كم عصبية قومية كشرت عن أنيابها لتفترس كل من عداها من القوميات؟ استحل الجميع دماء الجميع ومات من مات شهيدًا في سبيل فكرته في ظنه. كانت المعارف الانحيازية الدافع الرئيس لكل هؤلاء.

والغاية الأم من التعليم ليس مجرد تلقين المعلومات عن طريق منهجة الحشو في المحتوى الثقافي المقدم للطالب، واختباره على أساس الحفظ والاستظهار فقط. لكن الغاية الأسمى للتعليم يجب أن تكون تعليم الطالب مهارات التفكير وتدريبه على تكوين الرأي السليم عبر التفكير العلمي. وبذلك تتضح تمامًا أمام الطالب المعارف المعروفة والمعارف المجهولة ويحسن التعامل مع كليهما. كما يتعلم كيف يتعامل مع المعارف الموروثة ويتدرب على التعاطي مع المعارف المرنة. والأهم من هذه وتلك هو غرس روح تجنب الطالب للمعارف الانحيازية تمامًا؛ حتى لا يكون فريسة لها من ناحية، وحتى يفهم كيف يتعامل مع ضحاياها من الناحية الأخرى. فيكون لدينا في المحصلة النهائية طالب يبدع ويبتكر أراءً ثرية تستند إلى العلم والمنطق السليم، ويبرأ من الخرافات والخزعبلات والمغالطات والإشاعات والأكاذيب والتقليد الأعمى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد