قد قالوا قديمًا إن الملك عقيم، وإن السلطة مفسدة، فلا يوشك ملك أن يثبت أركان حكمه حتى يقوم بالتخلص من خصومه ممن يشكلون تهديدًا لسلطانه، حتى لو كانوا من أهل بيته. فالسلطة مطمع لكل طامح، وحلم لكل مشتهٍ، ومفاتنها كثيرة، ومغانمها عظيمة.

والحق كل الحق أن الطمع بالسلطة هو شيء أزلي لدى النفس البشرية، لكن ما اختلف هو طريقة التعبير عن هذا الطمع، فمنهم من يعبر بالعصيان، ومنهم بالتمرد، فمن فاز حاز السلطة، ومن خسر فإما الموت أو الهروب.

فكلما اشتد بطش الحاكم وتغوله في السلطة، كثر أعداؤه وازدادت رغبتهم بالسلطة. فهذا من ذاك، فالاستبداد والتغول لا يولد فقط ثورات، وإنما أناس لا تعنيهم الثورة إلا بمقدار ما توصلهم إلا سدة الحكم.

فهذا شيرويه (قباد الثاني) الذي قتل أباه كسرى عظيم الفرس عام 628. طمعًا بالملك بعد. وهذا عبد الرحمن بن معاوية (صقر قريش) يقتل ولدي أخويه عبيد الله والمغيرة بن الوليد بعدما حاولا إحاكة المؤامرات للظفر بالإمارة.

وكذلك فعل أبا جعفر المنصور عندما قتل عمه عبد الله بن علي، الذي طمع في الملك من بعد موت أبي العباس (السفاح) فكان ينظر أنه أحق بالبيعة من ابن أخيه أبا جعفر المنصور، فما كان منه إلا أن تمرد وعصى، فكان مقتله إثر ذلك.

وكذلك فعل السلطان سليم الأول الذي تمكن من قتل أخويه كوركود وأحمد، تارة بتهمة التآمر وتارة بتهمة الخيانة لصالح الصفويين. وكانت تهمة التواطؤ مع الصفويين هي التي جعلت سليمان القانوني يقتل ولده مصطفى، وحفيده خشية تصعيده سلطانًا بالوصاية. أما سليم الثاني فقتل شقيقه بايزيد خنقًا وألحق أبناءه الصغار قتلى أيضًا خوفًا من مطامعه بالحكم. والأمثلة على ذلك كثيرة، فلا يخلو التاريخ من قصص كهذه التي لا مجال لذكرها الآن.

إن في ابتعاد الحاكم عن الطرق الشرعية (نظام شورى أو انتخابات) للظفر بالحكم، جعله يتمسك به، فما أن ظفر بالسلطة وحازها، قتل كل من دار حوله الشك في طمع في الحكم، أو قام بِنفيه خارج البلاد أو زجّه في السجن.

فمن حاز الحكم بالقوة أو الوراثة، فبكل تأكيد لا يؤمن بشيء اسمه انتقال للسلطة بطرق سلمية لمن هي أهلٌ لها. فالسلطة بالنسبة لهم أمر مفروغٌ منه، فهي له ولابنه وابن ابنه وهكذا.
وإن كان من حق كل شخص الطموح للوصول للسلطة والظفر بها، فالسلطة مطمع ومغنم وجاه ومال وعزة. لكن لا بد من تنظيم هذا الطمع وجعله أملا أكثر مما هو طمع.

فاحتكار السلطة (التوريث) من قبل من حازها وجعلها فقط محصورة بأهل بيته، شكل مطمعًا عند الغير وعند أهل بيته أيضًا، فالأخ أو ابن الأخ أو أي أحدٍ من أهل البيت الذي لا يرث السلطة، أصبح يفكر في كيفية حيازتها والظفر بها. ومن هنا تحدث المؤامرات والاقتتال الداخلي والانشقاقات داخل البيت الواحد.

إضافة لذلك إن في حصر السلطة في عائلة واحدة قد يجلب أشخاصًا سيئيين لا يعرفون شيئا عن إدارة البلاد، ولا معرفة بالسياسة، ومن هنا يحدث التخبط بالقرارات، فتحدث الفوضى والعصيان والثورة. وحل هذه المشكلة يتمثل في اتباع النظم العادلة لانتقال السلطة.

فقد اتبع المسلمون في الماضي في انتقال الحكم نظام الشورى الذي بني على أُسس عادلة تحفظ للدولة هيبتها، واستقرارها. إذ أن أي نظام سياسي لكي يكون ناجحًا يجب أن يستهدف الوصول إلى إرادة الغالبية، إرادة الشعب، أو الأمة، أو المحكومين.

فالهدف الرئيسي لأي تنظيم سياسي هو الوصول إلى إرادة المحكومين، وذلك أن الشخص الذي يشعر بأن له دور في تسيير حياته، فإنه سيكون فعالاً أكثر، ومن هنا كانت أهمية الشورى.

ففي العصر النبوي، وعصر الخلفاء الراشدين الذين اُتبع فيهما نظام الشورى، نشأت دولة فتية عمادها الحق والعدل والمساواة، سادت بذلك العالم بعد نشأتها بفترة وجيزة. تعرف الشورى بأنها:

(طلب الرأي ممن هو أهل له في أي أمر يخص سياسة أو إدارة شؤون المواطنين لم يرد بشأنه نص أو ورد شكلاً).

ومنذ ابتعاد المسلمين عن نظام الشورى، الذي تحققت فيه العدالة والمساواة، سادت الفوضى، واستفاقت الأطماع وكثر القتل وانتشر الفساد والجهل.

فما إن قامت دولة حتى خرجت من صُلبها دولة أخرى، تقاتلها وتثأر من حكامها وتقتص من مواليها. وما زال الحال هكذا إلى قسمت الدولة بين حكامها، إلى أن أصبحت طوائف يسهل على الغير السيطرة عليها ونهب خيراتها، وإخضاع أمرها لهم.

وفي العصر الحديث، وعند قيام الثورة الفرنسية بالأخص التي جاءت بمبادئ، تنادي بالحرية والديموقراطية والعدالة والمساواة، ألغيت على إثرها أنظمة التوريث، وسادت أنظمة الشعب، وحكم الشعب، فكان البرلمان والانتخابات والترشح والاقتراع، والدساتير والقوانين والتشريعات، التي تحدد نظام الحكم، وكيفية اختيار الحاكم، وكيفية عزله.

والذي تبنته في ما بعد جميع دول العالم، التي تحترم شعوبها، وتعمل لرفاهيتها واستقرارها. إلا أن بعض الدول العربية أبتْ إستخدام النظام الديموقراطي، وآثرت عليه نظام القمع والتوريث والفساد والمحسوبية، فكانت الفوضى، والفساد والتخلف والجهل والرجعية.

في النهاية إن شكل نظام الحكم سواء كان ملكيا أو جمهوريا أو نيابيا لا يأثر بديموقراطية الدولة، فكم من نظام ملكي كان ديموقراطيًا وكم من نظام جمهوري كان مستبدًا، المهم هو كيفية إدارة هذا الحكم.

فإذا أردنا العدل فلا بد لنا من اتباع الأنظمة العادلة في إدارة شؤون بلادنا، للحاق بركب الدول المتقدمة، التي يتساوى فيها الحاكم والمحكوم، القوي والضعيف، فكلهم سواء أمام القانون.
ورأينا ما حدث مؤخرًا من ممانعة الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) تسليم السلطة إثر خسارته في الانتخابات الرئاسية الامريكة، إلا أنه نتيجة للقوانين والأنظمة الصارمة المتبعة في الولايات المتحدة الأمريكية، كان هنالك انتقال سلس للسلطة، بعدما وقّع الكونجرس الأمريكي على فوز (جو بايدن).

لكم أن تتخيلوا لو أن حاكمًا عربيًا فعلَ كما فعل (ترامب) ما كان سيلحقه من فوضى عارمة تجتاح كل البلاد، والربيع العربي خير دليل على ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد