المقدمة

إن أخطر مرض ينهش في جسد الدولة والمجتمع هو الاستبدادُ، وما يرافقه من انتهاج سياسة القمع والظلم، ومصادرة حريات الشعب، والاستيلاء على حقوقه ومقدراته. وللحضارة الإسلامية تاريخ طويل مع الاستبداد كما أن للغرب نصيبه من هذا المرض. في هذا المقال سنحاول أن نتلمس بعضًا من أوجه الشبه والاختلاف بين الاستبداد في الشرق الإسلامي والاستبداد في الغرب الأوربي من خلال كتابين مهمين، الأول كتاب «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» لعبد الرحمن الكواكبي (1271هـ/1855 – 1320هـ/ 1902م)، والثاني كتاب «عنف الديكتاتورية» للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ (1881م – 1942م).

يمكن أن نعتبر أن ظروف تأليف الكتابين متشابهة، فالكواكبي كتب كتابه في أواخر عهد الدولة العثمانية حين ساد الاستبداد والظلم والفساد و«التأخر عن ركب التطور العلمي» واحتلال كثير من بلاد الإسلام «من قبل الإنجليز والفرنسيين والإيطاليين». بينما كتب ستيفان زفايغ كتابه مع سيطرة النازية على الحكم في ألمانيا، لينتقد الحكم الشمولي الديكتاتوري. لكن الكواكبي جعل غاية كتابه بيان الآثار التي يحدثها الاستبداد والاستعباد في المجتمع»، ولذلك لم تقصد مباحثه «ظالمًا بعينه ولا حكومةً وأمَّة مخصصة» كما يقول. أما زفايغ فقد استعان في نقده النظام النازي الديكتاتوري بحدث تاريخي وقع في القرن الـ16م، حين سيطر رجل دين يدعى جان كالفن (قس فرنسي بروتيستانتي ولد بتاريخ 10 يوليو/ حزيران 1509 وتوفي بتاريخ 27 مايو/ أيار 1564) على السلطة في مدينة جنيف وتأسيسه نظامًا ديكتاتوريًّا، يجمع تحت عباءته شؤون الدين والدنيا، ويعتمد العنف والقسوة في فرض أفكاره وعقائده. لذا جاء هذا الكتاب في شكل ملحمة مأساوية تروي لنا قصة الصراع التاريخي بين العنف والضمير، بين التعصب والتسامح، وليحذرنا من خطر الارتداد إلى زمن التعصب واللا تسامح، والتقهقر «إلى الغضب الدامي» والسقوط في هوة «الانصياع العبودي». في ذلك الزمن يروي لنا الكاتب أنه بسبب الاختلاف في الآراء فقط، يُحرق الناس أحياء، ويُنتقم من جثتهم، أو يُطردوا في الجبال الباردة المثلجة مع تحريض الناس على عدم إيوائهم أو مساعدتهم ولو بكسرة خبز، «في مثل ذلك الزمن اللاإنساني ما كان الرجل ليأمل في أي تعاطف أو تعامل إنساني». في ذلك الزمن لكي تصير مذنبًا زنديقًا التي تستحق القتل، يكفي أن تتعاطف إنسانيًّا مع مخالف للسلطة. وقسوة الإنسان يشهد لها تاريخه الطويل، لكن أكثر الأشياء التي تخيفنا ندعي أنها غير موجودة أو أننا في منأى عنها (تصيب غيرنا ولا تصيبنا)، أو على الأقل ليست بتلك الدرجة من السوء التي نتخيلها.

وبينما قدم الكواكبي قراءة متميزة لمخاطر الاستبداد وآثاره المدمرة (وقد ساعده في ذلك تقلده عدة مناصب حكومية رفيعة؛ ما جعله على دراية وثيقة بطبيعة الاستبداد وما يتسبب به من فساد على جميع الأصعدة)، برع ستيفان زفايغ في تشريح سيكولوجية الديكتاتور وتطور سلوكه العنيف مع تعاظم قوته وسلطته، وتفكيك المحيط الاجتماعي الذي يساهم عن وعي أو عن غير وعي في ترسيخ سلطة الديكتاتور. كما استطاع من خلال نماذج متعددة أن يرسم بوضوح الطريق الصحيح للمعارضة الفعالة، وأن يحدد ملامح الشخصية القادرة على تهديد الديكتاتور وهدم الصنم المخيف الذي نصبه في عقول وقلوب المستضعفين.

وفي الأسطر التالية سنستعين بالكاتبين لنجيب عن الأسئلة التالية: كيف يسيطر الاستبداد؟ ما الخصائص النفسية للمستبدين؟ ما أبرز وسائلهم في تدعيم سلطتهم؟ ما آثار الاستبداد؟ كيف نحارب الاستبداد؟

أولًا- السياق الاجتماعي لسيطرة الاستبداد؛ الخوف

يتساءل الكثيرون كيف يستطيع فرد واحد أو فئة قليلة أن تتحكم في مصائر شعب بأكمله؟

يتفق كل من عبد الرحمن الكواكبي وستيفان زفايغ على اعتبار الخوف أهم عامل يمهد لاستبداد الحكومة على الشعب، ورغم أن أسباب نشوء الخوف ودواعي تمكنه من النفوس قد تختلف لكن النتيجة واحدة وهي سماح الخَوَّافين للمستبد باستعبادهم والتحكم في مصائرهم.

عاصر عبد الرحمن الكواكبي انحطاط الحضارة الإسلامية وانهيار الخلافة العثمانية، ونظرًا إلى كثرة ترحاله وتنقله بين الأمصار الإسلامية والعربية أدرك أن «أضر شيء على الإنسان هو الجهل، وأضر آثار الجهل هو الخوف». لذا كان التجهيل (بإضعاف موارد العلم ومحاربة العلماء) سلاحَ المستبدين لزرع الخوف في نفوس المستضعفين حتى يسهل استعبادهم والتحكم فيهم، فليس «من غرض المستبد أن تتنور الرعية بالعلم»، لأن «العلم وضاح للخير فضاح للشر»، ولأنه «إذا ارتفع الجهل وتنوَّر العقل زال الخوف، وأصبح الناس لا ينقادون طبعًا لغير منافعهم».

في الجهة المقابلة يتتبع زفايغ الأيام الأولى لوصول جان كالفن إلى جنيف، الذي أتى من تجربة بطولية حيث وقف ضد الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية القوية، وقاد حملة الإصلاح، وقد ساعدته شخصيته الصارمة وإرادته القوية – رغم صغر سنه – على أن يصنع لنفسه صورة المنقذ في مجتمع جنيف. ورغم ما بدا في تصرفاته من سلطوية وديكتاتورية، فإن خوف الناس وحاجتهم إلى الأمن والنظام أعمت أبصارهم وبصيرتهم عن رؤية المستقبل المظلم الذي ينتظرهم. لأنه «في الأغلب، يمضي وقت معين حتى يكتشف شعب ما، أن المزايا المؤقتة لديكتاتورية ما، أن نظامها الصارم وأن قوتها الجماعية المُوَطَّدة، إنما تدفع على حساب حقوق الفرد الذاتية، وأنه لا مفر من أن كل قانون جديد، إنما يستقطع من رصيد حرية قديمة». وستيفان زفايغ لا يسقط في العدمية والفوضوية حين يحذر من التضحية بالحرية من أجل الأمن والنظام، لكنه يستنكر استغلال حاجة الناس للأمن والنظام لمصادرة حرياتهم، فهو يؤكد أن «الحرية غير ممكنة من دون السلطة وإلا حلت الفوضى، والسلطة غير ممكنة من دون الحرية وإلا ساد الطغيان».

وينبغي أن نتذكر جيدًا أن الأمة الإسلامية عانت من الأمر نفسه في مرحلة مبكرة من عمر دولتها، حين وجدت نفسها مضطرة للتخلي عن حريتها وحقها في اختيار الحاكم لأجل حفظ الأمن وضمان وحدة الأمة.

ثانيًا- خصائص الاستبداد وأساليبه

نظرًا إلى أن ستيفان زفايغ تناول في كتابه سيرة ديكتاتور فقد حفل بعرض مفصل لخصائص الاستبداد وأساليبه، ومع ذلك لم يخل كتاب «طبائع الاستبداد» من إشارات وإن كانت مقتضبة، فإنها قوية وتومئ إلى إدراك عميق لبنية الاستبداد.

التعصب

إن الصفة الرئيسة التي يستند إليها الكاتب في تشريح النفسية الديكتاتورية لكالفن هي صفة «التعصب»، وباقي الصفات الديكتاتورية الأخرى ما هي إلا نتاج «التعصب». لقد كان حريًّا بكالفن الذي كان نفسه ضحية للتعصب الكاثوليكي، أن يكون أكثر تفهمًا لمعاناة الآخرين وأوسع صدرًا لقبول الآراء المخالفة، خاصة وأنه يقدم نفسه حاملًا لمشعل الإصلاح البروتستانتي. لكن حالة كالفن تأتي لتؤكد لنا مرة أخرى أن «التعصب» كبنية، لا يرتبط بدين أو مذهب وإنما هو حالة إنسانية تنتقل مع صاحبها أينما حل وارتحل.

أفاض ستيفان زفايغ في بيان مخاطر التعصب وضرره على المجتمع، خاصة وأن «التعصب» لا يبقى مقتصرًا على الديكتاتور بل ينتشر كالمرض الخبيث في طبقة واسعة من أنصاره والمتعاطفين مع فكره والمتملقين له لدواع مصلحية محضة. ومن علماء المسلمين الذين تنبهوا إلى خطر التعصب الإمام أبو حامد الغزالي الذي اعتبره من «آفات علماء السوء»، يسمونه «ذبًّا عن الدين ونضالًا عن المسلمين وفيه على التحقيق هلاك الخلق ورسوخ البدعة في النفوس» (إحياء علوم الدين 1/40-41)

العنف والقسوة

إن التعصب الذي تعضده السلطة ويمتلك أسباب القوة لا بد أن يصير آلة مخيفة لإنتاج القسوة والعنف. إذ يصير المتعصب صاحب السلطة مختلًا نفسيًّا، لا يرى صوابًا إلا رأيه، وكل المخالفين – ولو في الرأي – يستحقون القتل بأبشع الطرق لا الحوار، وإذا ارتكب جريمةً واحتج عليها الناس، لم يفهم سبب احتجاجهم، فقد طالب كالفن المحتجين على قتل ميغيل سيرفت (قس إسباني من أهم معارضي كالفن ولد في 29 سبتمبر/أيلول 1511 بإسبانيا وأعدم في 27 أكتوبر /تشرين الأول 1553بجنيف) أن يمدحوه لأنه أتى «فعلًا ورعًا يرضي الله، بمنتهى الجدية، طالب الرجل الذي بلا رحمة أودى بحياة إنسان آخر حرقًا على نار هادئة حتى الموت، بسبب اختلاف مبدئي في الرأي، أن يكون التعاطف معه وليس مع الضحية».

ثم إن عشق الديكتاتور للسلطة تجعله يُدرك ويقتنع اقتناعًا لا يتزعزع أن سلطته لا يمكن أن تدوم إلا بالعنف، و«التصفية الكاملة لكل معارضة». وليس شرطًا أن يصرح المعارض بموقفه، لأن الطغاة في غالب الأحوال «لا يكفيهم أن  – المعارض لهم – صمت وأنه ملزم بالبقاء صامتًا. بمجرد أنه لا يقول نعم، ولا يخدم ولا ينحني، وأنه لم يصطف بحيوية ضمن جماعتهم الخدم والمداهنين، فإن وجودهم الحالي والتالي يصبح مزعجًا لهم»، ومن ثم فإن الأفضل عدم وجودهم البتة.

واستخدام الديكتاتور للعنف يتستر بدعوى حماية القانون، وإن أعجزه نص القانون تذرع بحماية الدين أو رعاية مصلحة الدولة والمجتمع. ويتفق زفايغ في هذا الرأي مع الكواكبي الذي أكد أن المستبد حين يبطش بالمعارضين له ويأتي بكل رذيلة سياسية وأخلاقية، يدعي أنه ما قام بذلك إلا لـ«خدمة الدين، أو حبِّ الوطن، أو توسيع المملكة، أو تحصيل منافع عامة، أو مسؤولية الدولة، أو الدفاع عن الاستقلال». كما نبَّه الكواكبي إلى أن نظام الجندية القائم على «الشَّراسة والطَّاعة العمياء والاتِّكال،- وإماتة – النَّشاط وفكرة الاستقلال» منح للمستبدِّ القوة اللازمة التي يقمع بها شعبه، فصارت الجندية بهذا المنهج من «أكبر مصائب الأمم وأهمِّ معائب الإنسانية».

الرقابة

إن النموذج الإدراكي الذي كان يحكم رؤية جان كالفن للإنسان هو أن «كل إنسان مهيأ للشر وكل فرد متهم سلفا بالخطيئة»، ومن ثم فإن كل إنسان هو معارِض محتمل. لذا يجب ضبطه بـ«التربية» الصارمة، ولجمه «بشبكة مسيَّجة من المواد القانونية والممنوعات» ثم مراقبته مراقبةً مستمرة تحصي عليه ليس «الكلام المحكي فحسب، وإنما الأفكار والآراء أيضًا»، وبهذه «الرقابة الكونية» تنعدم «الحياة الخاصة»، ويصير البشر مهددين بأقسى العقوبات التي يكفي لإنزالها مجرد الاشتباه. لهذا كله كانت «الرقابة هي دائمًا الابنة الطبيعية لكل الديكتاتوريات».

استخدام الدين

يمثل جان كالفن نموذج الديكتاتور الأوربي في القرون الوسطى فقد كان إلى جانب سلطته الدينية يتحكم في السلطة المدنية التي تأتمر بأمره وتنفذ قراراته. وهكذا بدأ جنون العظمة وهوس العصمة يتضخمان في نفس كالفن حتى زعم لنفسه وأعلن للملأ أنه يستمد الحق والشرعية من الله مباشرة، لتنفيذ أمره وحماية دينه وقهر أعدائه. وهكذا انتفت حقوق الآخرين ولم يعد لها أي وجود، ومن يعارضه أو يبدي رأيًا مخالفًا لرأيه فهو «عدو الله»، لأنه يعتقد «أنه يملك وحده صفة تفسير كلام الله، وأنه وحده يدرك الحقيقة».

أما الأمة الإسلامية فرغم أنها لم تعانِ الاستبداد الديني كما عانته أوروبا، فإن الدين كان دائمًا سلاح المستبدين لحفظ سلطانهم، والتحكم في رقاب العباد، ويكون ذلك إما باصطناع وتقريب علماء السوء الذين يزينون ويشرعنون لهم أعمالهم، أو بالتضييق على علماء الآخرة سجنـا ونفيًا وقتلًا. وقد أشار الكواكبي إلى أن الاستبداد يعيق التفسير الحقيقي للإسلام الذي سيؤول إلى إبراز معاني الحرية والعدل والمساواة، بينما يعمل على دعم وفتح الطريق أمام الصوفية الطرقية البدعية التي تزكي الخرافات ومفاهيم الطاعة المطلقة والخنوع والاستسلام للاستبداد والاستعباد باعتبارها قدرًا مقدورًا، فيضعف بذلك أثر الدين في السياسة والمجتمع، ولا يصير سوى شعائر تعبدية. لهذا شن الكواكبي هجومًا حادًّا على الفقهاء الذين يلوون أعناق نصوص الشرع، لشرعنة أعمال الظالمين أو على الأقل إيجاب الصبر عليها درءًا للفتن. وفي المقابل دعا علماء الأمة الأحرار إلى تجديد «النَّظر في الدِّين، نظر من لا يحفل بغير الحقِّ الصريح، نظر من لا يضيع النتائج بتشويش المقدمات، نظر من يقصد إظهار الحقيقة لا إظهار الفصاحة، نظر من يريد وجه ربِّه لا استمالة الناس إليه، وبذلك يعيدون النواقص المعطَّلة في الدين، ويهذِّبونه من الزوائد الباطلة مما يطرأ عادةً على كلِّ دينٍ يتقادم عهده، فيحتاج إلى مجددين يرجعون به إلى أصله المبين البريء من حيث تمليك الإرادة ورفع البلادة من كل ما يشين، المخفِّف شقاء الاستبداد والاستعباد، المبصِّر بطرائق التعليم والتعلُّم الصحيحين، المهيِّئ قيام التربية الحسنة واستقرار الأخلاق المنتظمة مما به يصير الإنسان إنسانًا، وبه لا بالكفر يعيش الناس إخوانًا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد