ثالثًا- أثر الاستبداد في المجتمع

إن أي فكرة مهما بلغت من النقاوة والطهر، لا ينبغي أن تترك غنيمة في يد من يستغلها ويتخذها ذريعة لاستعباد الآخرين والتحكم فيها، فالفكرة شيء والقائم بأمرها شيء آخر، ينبغي مراقبته ومحاسبته دائما، ومحاكمته إلى مبادئ الفكرة ومقاصدها.

مصادرة الحريات والاختباء وراء الإنجازات

ظهرت البروتستانتية لإصلاح الكنيسة الكاثوليكية، فقد نادت بفتح مجال الحرية للتأويل الديني، ورفض كل أحكام القتل والإعدام في حق المخالفين أو حتى المتطرفين. لكن تصرفات كالفن – أحد أهم دعاة الكنيسة الإنجيلية – المتعصبة والديكتاتورية في جنيف طرحت علامات استفهام حول دعوى الإصلاح البروتيستانتي. وقد شكل إعدام سيرفت حرقًا لحظة مفصلية، حيث عدها المعاصرون «نقطة انحراف أخلاقي في تاريخ البروتستانتية». والسبب في هذا الانحراف عن الدعوة الإصلاحية أن الكنيسة الإنجيلية اقتنعت «أنه لا يمكن الاحتفاظ بالسلطة على مدى زمني بعيد من دون اللجوء إلى العنف، وهذا ما أدركته القديمة [الكاثوليكية] منذ فترة بعيدة»، وتأكد هذا الانحراف حين أعاد كالفن «محاكم التفتيش» إلى العمل، وطارد المخالفين – الذين يسميهم الزنادقة والهراطقة – في كل مكان، وخنق كل صوت حر، وأعاق طباعة كل كتاب يصدر عن فكر مستقل، وأمعن في السطو «على الحق الإلهي الممنوح للبشر والذي قضى بأن يستخدم الإنسان عقله في التفكير المستقل، وفمه في الكلام، وضميره كآخر المراتب الأخلاقية الذاتية». وحتى «الذين لا ينتمون إلى أي من الأحزاب» لم يقنع منهم بحيادهم بل سعى إلى فرض عقيدته عليهم فرضا، ولم يرض منهم إلا بالتبعية المطلقة. ولأن كالفن يعرف تمام المعرفة أن تصرفاته مناقضة للمبادئ التي أسست عليها كنيسته فقد استعار الخطاب الكاثوليكي (الذي كان أحد ضحاياه)، إذ ادعى أن صرامته وعنفه وجديته المرعبة في فرض عقائديته كانت لغاية نبيلة هي الارتقاء بالبشر، لكنه لم يدرك أنه بفرض أفكاره وعقيدته بالعنف على البشر فإنه «يسلبهم كل الحريات الفكرية»، ويرتكب خطيئة كبرى بمحاولة «إخضاع تعددية الوجود، التي هي هبة الله، إلى قاسم مشترك موحد» والتي تبقى في النهاية محاولة «مبتذلة ومن دون جدوى».

ورغم أن كالفن نجح في تحقيق عدة إنجازات على مستوى التنظيم والإدارة والتعليم، حتى صارت جنيف مثالًا يحتذى ومحجًا لكل الإصلاحيين الإنجيليين، فقد رفض ستيفان زفايغ أن يقوم ذلك مسوغًا للديكتاتورية، وصك غفران للجرائم ضد الإنسانية؛ إذ إن احترام إنسانية الإنسان وحماية حرياته وفتح المجال أمام «الإبداع التعددي» أهم بكثير من أي تقدم مادي، ولا يحق لأي إنسان مهما كانت رتبته أو سلطته أن يعطي لنفسه الحق في قمع الناس ومصادرة حرياتهم، وإن إنجازاته المادية مهما بلغت من التفرد، والتميز لا تكفي لتبرير موقف واحد من مواقف للديكتاتورية؛ مثل سلب حياة إنسان بريء مثلًا.

وحال مدينة جنيف يقف شاهدًا على نتائج التضحية بالحرية في سبيل التقدم المادي، واعتماد منهج التربية الصارمة على النظام، والطاعة العمياء؛ فقد خيم على مدينة جنيف – وكل مدينة سيطرت عليها الكالفينية – الخوف واكتسبت عبوسًا وحزنًا دائمين، ودُفنت فيها كل إرادة فردية أو جماعية، وصارت محطمة تماما «دون مقاومة، سهلة الانقياد، خاضعة لإرادة واحدة؛ إرادته»، وقُتل الإبداع وضاع الفن الإنساني، وحلَّ الفكر الأحادي محل التنوع، وصارت الحياة التي انتشرت فيها العقيدة الكالفينية مملةً رتيبة لا ألوان فيها ولا فرح؛ «ذلك أن العالم يبقى عقيمًا، وبلا إبداع ما لم تحفزه الحرية والغبطة وما لم ينغمس فيهما. ودائمًا تتجمد الحياة في كل نظام متشدد». وظل الحال هكذا حتى بعد موت كالفن بقرون.

إن محاولة إخفاء الديكتاتورية بالإنجازات حيلة لطالما لبَّس بها الطغاة على العوام البسطاء، وقد انتقد الكواكبي انطلاء هذه الحيلة على العقلاء والمؤرخين «الذين يسمون الفاتحين الغالبين بالرجال العظام، وينظرون إليهم نظر الإجلال والاحترام لمجرد أنهم كانوا أكثر في قتل الإنسان، وأسرفوا في تخريب العمران. ومن هذا القبيل في الغرابة إعلاء المؤرخين قدر من جاروا المستبدين، وحازوا القبول والوجاهة عند الظالمين. وكذلك افتخار الأخلاف بأسلافهم المجرمين الذين كانوا من هؤلاء الأعوان الأشرار».

إحداث شروخ في بنية المجتمع

يمكن تصنيف الاستبداد مرضًا معديًا، لا يقتصر على الحاكم وحاشيته، بل يظل يتمدد وينتقل حتى يصيب كل شرائح المجتمع. ومبتدأ ذلك أن المستبد لا يقرِّب ولا يسند المناصب إلا لمن يضمن ولاءه؛ حتى يكون في خدمته لا في خدمة أمته، وغالبًا ما يجد المستبد ضالته في «أسافل المجرمين الذين لا أثر عندهم لدينٍ أو ذمةٍ، واحتاج لحفظ النسبة بينهم في المراتب بالطريقة المعكوسة؛ وهي أن يكون أسفلهم طباعًا وخصالًا أعلاهم وظيفةً وقربًا» فتمتلئ المناصب والولايات بالمستبدين الكبار والصغار،«وهذه الفئة المستخدمة يكثر عددها ويقل حسب شدة الاستبداد وخفته». لكن المستبد لا يقتصر على اتخاذ الجهلاء الفاسدين؛ إذ يضطر أحيانًا لاتخاذ عقلاء أمناء – بعضهم من أهل الدين والورع – يتجمل بهم دون أن يُسند إليهم أي مهمة أو منصب أو مسؤولية، ولهذا قيل «دولة الاستبداد دولة بُلهٍ وأوغاد». وبعضهم الآخر يقلدهم المناصب «اغترارًا منه بأنَّه يقوى على تليين طينتهم وتشكيلهم بالشَّكل الذي يريد، فيكونوا له أعوانًا خبثاء ينفعونه بدهائهم، ثمَّ هو بعد التجربة إذا خاب ويئس من إفسادهم يتبادر إبعادهم أو ينكِّل به؛ ولهذا لا يستقرُّ عند المستبدِّ إلا الجاهل العاجز الذي يعبده من دون الله، أو الخبيث الخائن الذي يرضيه ويغضب الله». كما يكرس الاستبداد القسمة المتفاوتة وعدم التسوية بين الناس، فيستأثر قلة بأكثر الثروة ينفقونها في شهواتهم وملذاتهم، بينما تعيش غالبية الناس في الفقر والجوع. ثم إن سعي المستبدين لجمع المال يدفعهم لسلوك كل طريق منحرف، فتفسد الأخلاق لأن المستبدين «لا تهمهم الأخلاق إنما يهمهم المال»، و«فساد الأخلاق يزيد في الميل إلى التموُّل في نسبة الحاجة الإسرافية». كل هذا يؤدي في النهاية – حسب الكواكبي – إلى حدوث تصدع فيما أسماه «الاشتراك في أعمال الحياة»، الذي اعتبره «أعظم سرٍّ في الكائنات، به قيام كلِّ شيءٍ ما عدا الله وحده»، فبالاشتراك يحدث التعاون وتحصل القوة ويضمن الاستمرار. الاشتراك هو «السرُّ كلُّ السرِّ في نجاح الأمم المتمدنة»، والاستبداد يكسر مفهوم «الاشتراك» ويحل محله التفرق والتنازع، حتى لا تقدر الأمة على النهوض والإصلاح والرقي. وحين يروم المفكرون والعقلاء تحديد أسباب التفرق والانحلال، لا يجرؤون على القول إنه «الاستبداد».

هذه هي رؤية الكواكبي لأثر الاستبداد في بنية المجتمع، أما رؤية زفايغ فتكاد تتطابق معها ولا تختلف عنها إلا في بعض التفاصيل؛ هو أيضًا يرى أنه حين تستتب سلطة الديكتاتور فإنه يقوم بقلب الهرم الاستحقاقي، فيرتقي أشياعه من المتملقين والمستبدين الصغار، ويعلو صوت الجهلاء والدهماء ومرضى القلوب والأخلاق، بينما ينسحب إلى الظل كل مثقف وصاحب فكر حر ونفس أبية. ومع مرور الزمن يصبح الديكتاتور وأعوانه أكثرية، وكل من يعارض السلطة يجد نفسه في قلة، بل قد يجد نفسه وحيدًا. ويلاحظ زفايغ أن الديكتاتور يصنع أعوانًا قد يفوقونه في الحقد والتعصب وقمع الناس، إن ثيودور دو بيز كان أحد أهم أعوان كالفن، ونتيجةً لاجتهاده وتفانيه في خدمته «سيغدو لاحقًا خليفة كالفن» وسيتجاوزه «كما يتجاوز دائمًا مؤيِّدُ الفكرة مبدعَها”، وهو الذي ابتدع العبارة المشؤومة «حرية الضمير عقيدة شيطانية، لا للحرية»، لأنه بحسب قناعته «أن يكون لدينا طاغية، وليكن من أقسى الطغاة، أفضل من السماح لكل امرئ بالتصرف على هواه». ثم ما يلبث أن ينتشر التعصب في المجتمع مثل المرض الخبيث، فيقسمه ويشيع فيه الفرقة والصراع وانعدام التسامح، ويتطور الأمر ليصل إلى «الجنون القاتل والاضطراب الوحشي.. والاضطهاد إلى درجة أن أحدًا لا يطيق الآخر بمجرد أنه لا يوافقه رأيه».

انقلاب القيم

من أخطر الأسلحة التي يعتمد عليها الديكتاتور في بث الخوف ومواجهة الخصوم، سلاح الوشاية، وللمفارقة هو أرخص سلاح. الوشاية قد تنبت عن خوف أو عن إيمان، لكنه خوف جبان وإيمان إمَّعي مستلب لما يراه الديكتاتور حقًا كان أو باطلًا. وحينما تغدو الوشاية «مرغوبة» يصبح جميع المواطنين «رقباء متطوعين». ويصب كل ذلك في صالح النظام الديكتاتوري؛ إذ إنه بذهاب جيل الساخطين على السلطة الذين عاصروا قيام الديكتاتورية وحلول شبيبة جديدة نشأت في ظل الديكتاتورية، ستصير الديكتاتورية أمرًا واقعًا وطبيعيًّا ومسلمًا به، لأن «الشعوب تعتاد بسرعة مذهلة على الأشكال الجديدة للسلطة».

وكما يصبح الشرفاء وشاةً عند زفايغ، يصير الأخيار مرائين منافقين عند الكواكبي، بسبب الاستبداد الذي «يضطر الناسَ إلى استباحة الكذب والتحيل والخداع والنفاق والتذلل. وإلى مراغمة الحس وإماتة النفس ونبذ الجد وترك العمل، إلى آخره». ومثل زفايغ نبَّه الكواكبي إلى ما يحدثه الاستبداد – إن طال أمده – من تخريب وإفساد للوعي الجمعي والفردي. ذلك أن الاستبداد «يقلب الحقائق في الأذهان»، فيصير الخير شرًا والشر خيرًا، والمعروف منكرًا والمنكر معروفًا، ثم لا يعود الإنسان الذي ولد وتربى في قيود الاستبداد قادرًا على التمييز بين الحق والباطل، بل إنه قد يدافع عن الاستبداد،«وهكذا يغشى الفساد، وتمسي الأمة يبكيها المحب ويشمت بها العدو، وتبيت وداؤها عياء يتعاصى على الدواء».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد