رابعًا- كيف يُرفع الاستبداد؟

يتحدث الكواكبي في كتابه عن خطة مفصلة لرفع الاستبداد، والكلمات المفتاحية فيها: الإيمان، والعلم، والتوق إلى الحرية، والتربية على الأخلاق. إن الإيمان الحقيقي هو الذي يمنع صاحبه من الخضوع لشيء غير الله، وهو معنى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، الذي ينبغي أن يكرر «على الذاكرة آناء الليل وأطراف النهار تحذران من الوقوع في ورطة شيء من الخضوع لغير الله وحده». ومن يقرأ القرآن الكريم حق قراءته يجِدْه مشحونًا «بتعاليم إماتة الاستبداد وإحياء العدل والتّساوي».

وللعلم دور رئيس في صناعة الوعي وإدراك مخاطر الاستبداد ومفاسده والتوقِ إلى الحرية ولذتها، لذا فإن الكواكبي يهيب بالناشئة إلى سلوك طريق العلم والمعرفة بجميع شعبها الدينية والاجتماعية (كالحقوق، والسياسة، والاقتصاد…) وغيرها من العلوم «التي تكبر النفوس وتوسع العقول وتعرّف الإنسان ما هي حقوقه، وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب، وكيف النوال، وكيف الحفظ». ومسؤولية العلماء الحكماء في رفع الاستبداد عظيمة وخطيرة، فهم وحدهم القادرون على فضح الاستبداد و«تنوير أفكار الناس». والكواكبي نفسه اشتغل في الصحافة اقتناعًا منه بأن الكلمة هي القادرة على قض مضجع المستبدين، وكان يرى في الإعلام منبرًا مهما لتوعية الشعوب.

ويدعو الكواكبي أن يكره الإنسانُ الاستبداد بكل جوارحه وأن يحلم دائما بالحرية، وأن تعلم الأمةُ أن «حالتها سيئة وإنما بالإمكان تبديلها بخير منها». لقد بلغ بالكواكبي حبُّ الحرية أن فضل المجدَ – وهو «مقاومة الظّلم على حسب الإمكان» – على الحياة وجعل ذلك من شيم النجباء الأحرار، أما الذين يفضلون الحياة على المجد فاعتبرهم إما أسراء أذلاء أو جبناء. وفي طريق الحرية يحذر الكواكبي من «التّرف المصغِّر للعقول، المميت للهمم»، كما يحذر من الوظائف الحكومية التي تجعل من صاحبها تابعًا لا حرًا.

فإذا تحققت هذه الشروط وأضيف إليها التربية والتنشئة على حسن الأخلاق، ضمنت الأمة أن تكون مناهضةُ الاستبداد مناهضةً عاقلة واعية وهو ما يسميه «الاستعداد لقبول الحرية»، أما الحرية «التي تحصل على أثر ثورةٍ حمقاء فقلّما تفيد شيئًا؛ لأنَّ الثورة – غالبًا – تكتفي بقطع شجرة الاستبداد ولا تقتلع جذورها، فلا تلبث أن تنبت وتنمو وتعود أقوى مما كانت أولًا». لذا فإن الكواكبي يرى أن «الاستبداد لا ينبغي أن يقاوم بالعنف، كي لا تكون فتنة تحصد الناس حصدًا»، وهو هنا يحاذر أن تستغل دول أخرى وقوع الفتنة «فتستولي على البلاد، وتجدد الأسر على العباد بقليل من التعب، فتدخل الأمة في دور آخر من الرق المنحوس، وهذا نصيب أكثر الأمم الشرقية في القرون الأخيرة». لكن الاستبداد قد يبلغ من التسلط على الناس والقهر لهم إلى درجة الانفجار «انفجارًا طبيعيًا»، وهنا يدعو الكواكبي العقلاء إلى التدخل في الوقت المناسب لاستثمار الغضب الشعبي، في «تأسيس العدالة».

يتتبع ستيفان زفايغ حركة المعارضة لديكتاتورية جان كالفن بعد أن بلغت الأمور حدًا خطيرًا، وقد أراد من ذلك تحديد مواطن الخلل وأسباب فشل الحركات المعارضة وشروط نجاحها. فهناك المعارضة الشعبية غير المنظمة؛ التي – رغم قوتها عدديًا – لم تنجح لأنها «لم تتحد وراء فكرة موحدة» ولم «تتحرك وفق خطة موحدة وتنظيم حازم»، وظل سلاحها الوحيد التذمر والاستياء غير المنظم، لذلك فشلوا فشلًا ذريعًا أمام «إرهاب منظم». وبعد حرق سيرفت انتفض كثير من أحرار القساوسة والقانونيين والمفكرين الذين صدمهم المشهد، وأخافتهم الهاوية التي يقودهم إليها كالفن بتعصبه وهوسه بالسلطة والتفرد وانتفاخه المزمن بالعصمة. لكن ما لبثت هذه الأصوات المعارضة أن خفتت ثم صمتت بسبب الخوف أو لأي سبب آخر.

لذا يعتقد ستيفان زفايغ أنه «ما من خطر حقيقي يتهدد صاحب فكرة إلا صاحب فكرة أخرى يعارضه». وهنا يستعرض سيرة معارضَيْن شكلًا خطرًا كبيرًا على سلطة جان كالفن كانا من كبار مثقفي عصرهما، لكن اختلف أسلوب معارضتهما تبعًا لاختلاف شخصيتيهما. ميغيل سيرفت مثقف، لكن ثقافته وأفكاره مشتتة لا ينتظمها إطار واحد، ينتقل من علم دون أن يكمله إلى علم آخر وهكذا، وهو أيضًا ذو إرادة صلبة، لكن تصرفاته غير محسوبة وأفعاله متهورة وغير منطقية، يحار المرء في أي خانة يصنفه: الشجاعة أم الجنون؟ وبهذه الشخصية سهل سيرفت على خصومه القضاء عليه وإحراقه حيا بتهمة الزندقة. لكن لا يملك المرء إلا أن يعجب بإبائه وقوة اعتزازه، ببطولة نادرة – بعد أن سمع حكم إعدامه حرقًا – رفض أن يقدم تنازلات أو يتراجع عن قناعاته رغم كل وعود جلاديه بتخفيف العقوبة. وقد بلغ ذروة السمو المسيحي حين طلب قبل موته من جلاده كالفن أن يتصالح معه، لكن هذا طغت عليه إديولوجيته ودوغماتيته، فلم ير في سيرفت إلا عدوًا يستحق الحرق. وبذلك مات سيرفت تلك الميتة المريرة ليس لأنه ملحد «وهو لم يكن كذلك أبدًا، بل لأنه أنكر بعض نظريات كالفن فحسب». وبينما سيرفت متهور مجنون أفضى به طريقه إلى الموت – وليس الغريب موته، ولكن الغريب كيف ساق نفسه بيده إلى الموت في أكثر المشاهد غرابة واستعصاء على الفهم والتفسير – كان سيباستيان كاستيلو (قس وعالم لاهوت توفي سنة 1563م) أكثر حكمة وذكاء، ومن ثم كان أكثر خطرًا على الديكتاتور.

لطالما نأى كاستيلو بنفسه عن الصراعات والنزاعات الفارغة، وفضل الصمت والتركيز على الإنتاج المعرفي. لكنه لم يجد مناصا من الوقوف في وجه كالفن/الديكتاتور بعد أن أحرق سيرفت. إذ رأى واجبا على المفكر الحر عندما يبلغ الجنون منتهاه أن يتخلى عن تحفظه وأن يخرج من قوقعته ليصرخ في وجه الديكتاتور بأعلى صوته «لوضع حد نهائي لهذا الجنون الذي يتيح تعذيب البشر وقتلهم لا لشيء إلا لأنهم يخالفون أصحاب السلطة الراهنة الرأي». وبالنسبة لكاستيلو فإن خطورة الوضع تكمن في أن التعصب واللاتسامح والعنف صار نمطًا عامًا يسيطر على المجتمع، وأن «ما اعتبر حتى اليوم جريمة قتل وحيدة، سيتحول إلى مبدأ قانوني للقتل ثابت كالصخر»، والسكوتُ عن ذلك جبن وخيانة.

كان كاستيلو يدرك أنه يواجه خصمًا هائلًا، لذا كتب في كتاب نضاله ضد كالفن العبارة التالية: «البرغشة ضد الفيل»، وما تقدر البرغشة أن تصنعه ضد الفيل؟ لكنه كشأن العظماء لم يهتم بميزان القوى، بل اهتم بالموقف الذي ينبغي أن يتخذه وبمسؤوليته في نصرة الحرية والضمير ولو كلفه ذلك حياته. كان كاستيلو لا يملك سوى كلماته التي يدافع بها عن التسامح والعدالة والحقيقة والحرية، لكن قد تحدث الكلمات من الضرر أكثر مما قد يحدثه السلاح. قد يكون الكلام بسيطًا وصريحًا، لكنه في زمن الديكتاتورية يعتبر «جرأة أخلاقية هائلة»، وهو ما فعله كاستيلو، الذي عنى كلامُه «أن إنسانًا بلا سلطة صفع عصرًا بأسره بقادته وأمرائه وقساوسته، الكاثوليكيين منهم واللوثريين». ولذلك لطالما خشي الطغاةُ العلماءَ والمفكرين الأحرار أكثر من خشيتهم حاملي السلاح، هؤلاء يسهل إيجاد المسوغ للقضاء عليهم، أما أولئك فإن كلماتهم تطير في السماء وتدخل كل البيوت والحقول والمعامل والمدارس ودور العبادة، تخاطب الضمائر وتقيم الحجة، لتفتح أعين الناس على حقيقة الطغاة وتحفز عقولهم على إدراك الحقيقة وتثير في القلوب الرغبة العارمة في كسر قيود الاستبداد والاستعباد ومعانقة أشواق الحرية.

بمنهج علمي وأسلوب هادئ بعيد عن القدح والتعصب، استطاع كاستيلو أن يفند مزاعم كالفن وكل متعصب يدعي اختصاصه وتفرده، بل اصطفاءه لتفسير النص الديني، وأنه هو وحده فقط المخول بهذا الأمر والقادر عليه، وغيره لا يعدو أن يكون مخطئًا، بل زنديقًا. وأن استخدامهم العنف في حق المختلفين معهم فكريًا يدل على ضعف قضيتهم وخوفهم من الهزيمة وخسارة السلطة، وليس حماية للدين والإيمان كما يدعون. ويؤكد كاستيلو أن العقيدة لا تغرس بالعنف «بل إن عقيدة ما، ينتقص قدرها حين تضطهد أناسًا لا ترضيهم نظريتها.. فالإرغام لم يجعل الناس أفضل أبدًا»، إن العقيدة لا تزهر إلا في تربة الحرية.

إن جوهر نضال كاستيلو يقوم على الدفاع على حرية الاعتقاد والتفكير والضمير، وعند الاختلاف فإن التسامح هو السبيل الوحيد «لخلاص الإنسانية» من همجيات التعصب والعنف والكراهية، «ففي الكون فضاء يتسع لحقائق عديدة وليس لواحدة فقط»

خامسًا- في الهزيمة انتصار

في أوج قوة السلطة الاستبدادية لا يأمل الإنسان أن تحقق المعارضة أي انتصار، لكن أولئك الذين يدركون ضعفهم وقوة خصمهم مع خذلان الناس لهم، ومع ذلك يختارون النضال من أجل الحرية والعدالة والكرامة، مضحين بحياتهم، هؤلاء هم الذين يُبقون الكلمة الحرة حية ومشعل الحرية متقدًا في النفوس، وفضلهم على الإنسانية عظيم؛ لأنه بدون تضحياتهم لأطبق الاستبداد على العالم. وإن أبطال هذه القصة، ميغيل سيرفت وسباستيان كاستيلو وستيفان زفايغ وعبد الرحمن الكواكبي من هؤلاء الذين حفظ التاريخ أسماءهم باعتبارهم مدافعين عن الحقيقة وأنصارًا للإنسانية. ويعجب المرء كيف تشابهت مصائرهم؛ سيرفت أعدم حرقًا، وكاستيلو مات في ريعان شبابه لأن «جسده المنهك أصبح ضعيفًا جراء الجهد الكثير، أما روحه فأرهقت بالغموم والمنغصات، فما عاد بدنه المتآكل قادرًا على الصمود بعد»، وستيفان زفايغ لم يستطع أن يتقبل سيطرة النازية على الحكم في ألمانيا فهاجر منها، وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية اختار الانتحار على العيش في عالم تحكمه الديكتاتورية. أما عبد الرحمن الكواكبي فقد كان السم كافيًا لإسكات صوته وكسر قلمه، من غير حاجة لإحداث ضجة كبيرة. لكن رغم هذه النهايات المأساوية فقد ظلت ذكراهم عابقة بعطر الحرية ولا زالت كلماتهم تنير طريق الأحرار في كل زمان ومكان، في حين جلَّل التاريخ جلاديهم بالخزي والعار وسيظلون كذلك إلى يوم الفصل بين الناس.

خاتمة: عود على بدء

رغم اختلاف البيئة التي ينحدر منها كل من عبد الرحمن الكواكبي وستيفان زفايغ، إلا أن نسبة التشابه بين أفكارهما مدهشة، وهذا يدل على عدة أمور لعل أهمها، أن المستبدين مهما اختلفت أماكنهم وأزمنتهم فإنهم يصدرون عن نفس الدوافع ويقدمون نفس المبررات، ويسلكون نفس الأساليب، ويؤدي استبدادهم إلى نفس النتائج المدمرة، كما يدل على أنه لا تخلو أرض من أنفس حرة أبية تكره الاستبداد وتحاربه دفاعًا عن الحرية والإنسانية.

ومع ذلك فإن الاختلاف أمر حاصل في بعض القضايا المهمة التي يكون لها أثر كبير خاصة في طريق التحرر والتخلص من الاستبداد، ومن أهم القضايا المؤثرة قضيةُ المرجعية؛ وهو الأمر الذي تبدى بقوة في النسق الفكري للكواكبي وزفايغ، حيث إن استنادهما إلى مرجعيتين مختلفتين أنتج اختلافًا بينهما في بعض النقاط الجوهرية. فرغم أن زفايغ لا ينكر الله أو الدين (على الأقل في هذا الكتاب) فإنه يجعل من «الإنسانية» المقصد الأسمى الذي ينبغي السعي إلى حفظه والنضال من أجله، ولذلك فإن لمفاهيم «التاريخ» و«الشعبية» و«الجماهيرية» و«البطولة»، و«خلود الصيت والأفكار» أهمية مركزية في فكر ستيفان زفايغ. ومن ثم فإن الحياة الدنيا صارت له سقفًا ينبغي أن تنتصر فيها القيم ويدحض فيه الخيرُ الشرَّ، وإلا فيا لها من مأساة! وربما كان هذا النسق الفكري هو الذي أدى في النهاية إلى انتحاره بعد أن اعتبر أن الحياة انتصرت للديكتاتورية والتعصب والعنصرية المتمثلة في النازية التي كانت تحقق الانتصار تلو الانتصار. أما الكواكبي فقد مكنته مرجعيته الإسلامية أن يدرك أن الدنيا مطية للآخرة، وأن الله فوق كل غاية، صحيح أن الجهاد والنضال يكون من أجل الإنسان والإنسانية، من أجل العدالة والحرية، لكن كل هذا السعي ينبغي أن يكون لله ولله وحده، لأن المسلم لا ينفعه أن ينتصر في الدنيا ويخسر في الآخرة، ومن ثم فإنه كان يدرك أن المعركة لا تنتهي بانتصار طاغية ولا بموت مناضل عن الحرية. وقد كان من آخر كلماته في هذا الكتاب نداؤه (فليتبصَّر العقلاء، وليتَّق الله المغرَّرون، وليُعلم أن الأمر صعب، ولكن تصور الصعوبة لا يستلزم القنوط، بل يثير همة الرجل الأشم).

خلاصة الخلاصة

في حين أن العالم الغربي استطاع أن ينقذ نفسه من براثن التعصب والديكتاتورية (وإن كان هذا القول لم يعد من المسلمات بعد أحداث الكراهية تجاه الآخر – المختلف عقديًا وعرقيًا – في الغرب في السنوات الأخيرة)، فإن العالم الإسلامي لا زال يتخبط في ظلمات الاستبداد ويجر رجليه المثقلتين بأغلال الاستعباد. ومن شأن المقارنة بين أفكار الإصلاح في الغرب والعالم الإسلامي أن تعيننا على فهم ظاهرة الاستبداد وعلى بناء المنهج السليم للتخلص منه، مع ضرورة إدراك الخصوصيات التاريخية والحضارية للأمة الإسلامية. لأن الانكفاء على الذات وتجاهل تجارب الآخر يضيع فرصة اختصار الطريق، كما أن إنكار الخصوصية ما هو إلا ضرب من جلد الذات لا تنتج عنه إلا أفكار مشوهة ومشاريع محكومة بالفشل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد