الحديث عن موضوع شائك كهذا يحتاج إلى كثير من الجهد والبحث والتقصي التاريخي للحقائق والوقائع، لكن بالطبع لن يأتي بشي جديد، فقد كتب الكثيرون حوله وبحث الباحثون وانتشرت العديد من الكتب والبحوث والمقالات توضح حقيقة ما جرى ويجري منذ بداية النشأة حتى اللحظة، أو على الأصح منذ بداية الهجوم السلالي الهاشمي لليمن في آواخر القرن الثاني للهجرة.

حشو التاريخ والأرقام في مقالة ما يُشعر القارئ بالملل والإعياء السريع ولهذا سيكون السرد بعيدًا عنه إلا ما كان ضروريًا، والبداية تأتي من الموطن الحقيقي لبني هاشم والأرض التي ينتمون لها والقبيلة التي هم جزء منها، فالمعروف أنهم يعودون لقريش وهي القبيلة التي كانت تسكن مكة، ولا علاقة لها أبدًا في اليمن لا من قريب، ولا من بعيد.

في آواخر القرن الثالث من الهجرة النبوية الشريفة أتى شخص يسمى بالهادي يحيى بن الحسين الرسي إلى اليمن والغرض الحقيقي من دخول الهادي إلى اليمن هو إيجاد كيان منفصل عن الدولة العباسية والذي كان يدب فيها التمزق في جميع جسدها، وبناء دولة خاصة به، وذلك وفقًا لمعتقدات سلالته وأحقيتهم في الإمامة والاستيلاء على رقاب الناس، وباختصار شديد استطاع أن يؤسس دولته تعرف بأنها حركة علوية شيعية نشأت في الحجاز وامتدت إلى اليمن والعديد من البلدان ومقرها في اليمن تحديدًا كان في مدينة صعدة حيث كان مقدم الهادي إلى هذه المحافظة.

أثخن الهادي كثيرًا في دماء اليمنيين وروى أركان دولته الناشئة من هذه الدماء ولم يسمح لأحد أن يتمرد عليه، فقد قضى على تواجد بقايا الدولة العباسية وكل الدويلات القبلية التي ظهرت في تلك الفترة، وقد امتد نفوذ الهادي إلى جنوب صنعاء وسالت معه انهار من الدماء، واستطاع أن يؤسس دولته الجديدة تحت مسمى الدولة الهادوية، وكانت قبائل خولان، وبعض القبائل الهمدانية من أكثر القبائل مؤازرة له بعد أن ضغط عليها وأبرم معها الاتفاقيات على المغانم والمكاسب، وهذا ساعده كثيرًا على التوغل والسيطرة وبسط النفوذ والتفكير بالخروج أيضًا والسيطرة على مكة، وما جاورها، لكنه أخفق حين بدأ المحاولة.

والفكرة هنا تتلخص أنه كان لا وجود حقيقي لبني هاشم في اليمن، وإنما وفدوا من الخارج، وبفعل قوة السلاح والدماء بسطوا نفوذهم على الأرض وسيطروا على رقاب الناس.

يستند الفكر السلالي لبني هاشم على أنهم السلالة الطاهرة والنقية، ويسمون أنفسهم «سادة»، ويخاطبون الناس من هذا المنحنى، وكأن الآخرين عبيد، ويرجعون في انتمائهم على فكرة الإمامة، والخمس، وهي الأحقية الكاملة لهم في الحكم طوال الزمن يتوارثونها جيلًا بعد جيل، ويأخذون خمس الأموال من كل مسلم لأن هذا حق لهم فرضه الإسلام كما يزعمون، وحاشا أن يكون دين الإسلام مجحفًا إلى درجة تفضيل لون عن لون، أو جنس عن آخر.

طوال القرون السابقة تململت سلالة بني هاشم في اليمن بين الحرب عند قوتها والهدنة لاستعادة قواها ولم يعرف اليمن ولا اليمنيون السلام منذ قدومهم، وظلوا في صراع دائمٍ مع اليمنيين، متوارثين فكرة الأفضلية والإمامة ويحاربون البشر على ضوئها.

لا يخفى على أحد ما فعله الإمام يحيى في اليمن، وكيف استعبد رقاب الناس وجهلهم ونشر النعرات العنصرية بين القبائل، وأشعل الحرب بينهم طوال سنين كثيرة، وجهل اليمنيين، وأغلق عنهم العالم، وصنع من شمال اليمن دائرةً مغلقة تخصه، وتخص عائلته فقط.

الحرب والعنصرية والتعصب والبطالة والأمية والجهل والعبيد وثقافة الطبقات الأسرية والنعرات القبلية وتقبيل الركب والاستبداد المقيت تركةٌ صنعها الإمام وسلالته في اليمن وعمل على توطيدها وزرعها في العقل اليمني البسيط وما زالت آثارها المأساوية حتى اليوم.

انتهى الإمام بفعل ثورة سبتمبر (أيلول)، لكن الإمامة لم تنته، وظلت الفكرة تنمو من جديد في أوساط الأسر الهاشمية مرتقبة اللحظة المناسبة للنهوض من جديد والعودة بالماضي، فهذه عقيدتهم منذ الأزل فمن المستحيل بالطبع التخلي عنها.

في عام 2014 ظهر الكيان الإمامي المسمى بالحوثي، واتخذ ذريعة لإسقاط الدولة المتواجدة، وهي إسقاط الجرعة المزعومة، وما هي إلا ستار وهمي لصنع دولته الخاصة وصناعة إمام جديد.

استطاع الحوثي ومليشياته مدعومًا بالخلفية الدينية التي ينشرها بين الناس أن يستولي على معظم محافظات الجمهوية اليمنية في بضعة أشهر وعمل على توطيد أركانه في العاصمة صنعاء، والكل يعلم ماذا حدث، وما الذي يحدث حتى الآن.

أباد الحوثي كل من وقف أمامه وجند الآلاف المؤلفة من أبناء القبائل بفعل قوة السلاح والتهديد، وسجن مئات الناشطين والصحافيين والحقوقيين وزج بعشرات الأطفال إلى الجبهات وعمل على تغيير المناهج التربوية في المدارس والجامعات، وأحيا العديد من المناسبات الشيعية كيوم الغدير، ويوم عاشوراء، وذكرى استشهاد الإمام زيد بن علي وغيرها، والأكثر فظاعة من ذلك صدر نفسه على أنه ابن رسول الله، وما هو إلا أداة تحقق وعد الله ووصية رسوله، وكل ذلك كذب وافتراء!

لا يستطيع أحد أن يحصي جرائم الحوثي وما فعله باليمنيين في ست سنوات من الحرب وسفك الدماء تحتاج إلى مجلدات للحصر والتأليف.

مؤخرًا نشر الحوثي وثيقةً توضح أحقيته وأحقية سلالة بني هاشم في الخمس، الخمس من أموال الناس بشتى أنواعها وأشكالها وهذه هي الصورة الحقيقية لسلالة بني هاشم الوافدين إلى اليمن والمستبدين لها، فبعد أن كانوا لاجئين أصبحوا اليوم أصحاب حق وأرض، ويطالبون الناس بالدفع لهم من قوت يومهم الأساسي باسم الدين وشريعة الإسلام، وحاشا أن يكون ذلك حقيقيًا وصائبًا.

في الأيام المقبلة سيصدر الحوثي فكرة الولاية وأحقيته في الحكم وأن سلالته فقط هي المختارة من عند الله على أنها تحكم، وهذا دين الله، وعلى الناس الخضوع لهم والسمع والطاعة.

سلالة بني هاشم في اليمن وفدت واستبدت بالإنسان والأرض، ولم يكن لها حق فيها يوم من الأيام، وإنما عمدت وجودها بالدم والذبح والقتل وباسم الله، وباسم رسوله، لا نطلق حكمًا عامًا على كل السلالة؛ إذ يستثنى منها بعض الأسر المسالمة بالطبع، لكن نتحدث عن المستبدين منهم الذين ستظل فكرتهم تنخر في أوساط اليمنيين، وسيظل اليمنيون يقاومونهم أبد الدهر، فأصحاب الأرض والوطن يستحيل عليهم الاستسلام والخضوع والعبودية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد