بداية لابد وأن نعترف جميعًا بأن الاختلاف سنة كونية فطر الله الناس عليها، ونذكر قوله تعالى «ولولا دفع الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض» كما يجب أن نضع تعريفًا واضحًا لمفهوم الاستبداد، وبمعنى عام فالاستبداد يتجسد في الطغيان؛ أما بمفهوم النظم الحاكمة فهو الانفراد من قبل الحاكم بالقرار وعدم السماح لأي من كان بالتدخل فيه؛ فهو الحاكم بأمره يتصرف بصورة مطلقة مدعيًا أنه المالك الوحيد للحقيقة المطلقة. ويعرف الاستبداد في الأدبيات الغربية وهي كلمة مشتقة من الكلمة اليونانية «ديسبوتيس» التي تعني رب الأسرة أو سيد المنزل، ثم خرجت من هذا النطاق الأسري وتجاوزته إلى عالم السياسة لكي تطلق على نمط من أنماط الحكم الملكي المطلق الذي تكون فيه سلطة الملك على رعاياه مماثلة لسلطة الأب على أبنائه في الأسرة، وهنا يصبح المعنى انفراد فرد أو مجموعة من الأفراد بالحكم أو السلطة المطلقة دون الخضوع لقانون أو قاعدة؛ بل ودون النظر إلى رأي المحكومين، وهذه السلطة المستبدة التي يتأثر بها الفرد أو بعض الأفراد هي تلك التي تمارس الحكم دون أن تكون هي ذاتها خاضعة للقانون الذي يمارسه سلطانه فقط على الشعب، وغالبًا ما يكون المستبد شخصية فاقدة الثقة في نفسها بالأساس ولم تنجح قط في تاريخ حياتها في تكوين شخصية سوية مستقرة وهنا يستشعرون النقص ويحاولون تعويض هذا النقص إن حانت لهم الفرصة بالممارسات العنيفة الدموية.

مقومات الاستبداد وأدواته؟!

يسعى الاستبداد بكل جهوده لترسيخ أركانه بنشر ثقافة الاستبداد في كل مناحي الدولة؛ فنجد تنوعًا للاستبداد منها السياسي والاقتصادي والديني والإداري والاجتماعي، وينشر في كل مكان نماذج مصغرة لمستبدين مختلفين يمارسون نفس الممارسات الاستبدادية ولكن وفق محرك واحد؛ نظرًا لأنه يقوم باصطفائهم من بين حفنة من الضعفاء التافهين الذين لا يملكون من أمرهم شيئًا وليس لديهم القدرة على اتخاذ القرار ويسهل الضغط عليهم بتاريخهم وملفاتهم الملوثة، ولابد وأن يكونوا من المنتفعين الموالين له والذين لديهم دوافع للحفاظ على الاستبداد بوصفه مفهومًا وحالة مباشرة لتربحهم والحفاظ على مكتسباتهم المادية والمعنوية. وتأتي فكرة نسخ مستبدين كثر ونشرهم في كافة المناحي حتى يعلي بداخلهم الحفاظ على أنفسهم هم والحقيقة أن بحفاظهم على أنفسهم تتولد حالة من الجموع الاستبدادية المتكاتفة المتآلفة للحفاظ على المفهوم العام للاستبداد ليبقى المستبد في أمان وفق منهج الشمولية.

الاستبداد السياسي! الفكر السياسي الإسلامي! المستبد العادل «المستنير»

ويكتسب الاستبداد معناه السيء في النفس من كونه انفرادًا في أمر مشترك؛ فإدارة الأمة وولايتها تعود إليها برضاها فإذا قام أحد وغلب الأمة وقهرها في أمر يهمها جميعًا وانفرد بإدارتها دون رضاها فقد وقع في العدوان والطغيان. وهذا الاستيلاء والسيطرة على أمر الأمة دون رضا منها يفتح أبواب الظلم والفساد ودروب العدوان وهو ما يسمى «الاستبداد السياسي» فالحكم والولاية العامة حق للأمة ولا يجوز الانفراد بها دون مشورة لهم، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنـه: «من بايع رجلًا من غير مشورة المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا» رواه البخاري، وجاء في زيادة: «إنه لا خلافة إلا عن مشورة» رواه النسائي.

فالاستبداد السياسي هو التغلب والانفراد بالسلطة والسيطرة التامة على مقاليد الدولة واغتصابها من الأمة دون مشورة ورضا منهم. والاستبداد جزء من الطغيان وليس مرادفًا له؛ فقد يكون المستبد طاغيًا وظالمًا وقد يكون عادلًا مجتهدًا في الإصلاح. وقد ظهر الاستبداد في الأمة الإسلامية في وقت مبكر وذلك بعد ولاية معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه والذي عهد بالخلافة من بعده لابنه يزيد، وقال: «من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه فلنحن أحق به ومن أبيه»، وكانت هذه هي البداية في تحويل الحكم من الشورى إلى الوراثة، رغم كونه لم يكن معهودًا في زمن الخلفاء الراشدين الذين هم النموذج التطبيقي للفكر السياسي الإسلامي؛ وبهذا انتزع حق الأمة في تولية الأصلح بطريقة جماعية شوريّة إلى تولية الأبناء والذرية وإن كانت تنقصهم الكفاءة وفي الأمة من هو أصلح منهم، وهذا الانفراد في تولية الخلفاء فتح على الأمة الإسلامية باب شر عظيم ما زال يضعفها حتى وصلت إلى الحالة المزرية التي هي عليها الآن؛ واستحكام الاستبداد فيها وتولي المستبدين لأمرها وإضعاف دور شعوبها مما سبب ضعفها أمام الأمم الأخرى، وسادت سمات الديكتاتورية والقهر والقمع والظلم كسمة سائدة، وقد يبدو مصطلح المستبد العادل صادمًا للعقل ولكن بالبحث التاريخي وجدت ظاهرة المستبد العادل في التاريخ الإسلامي، فإنه مع انفراد الخلفاء الأمويين والعباسيين والعثمانيين عن الأمة في تولية الحاكم إلا أن العدل والحكم بالشريعة والتزام الحكام بآداب الإسلام وأخلاقه لم يتغير كثيرًا؛ ويشهد لهذا كتب التاريخ والتراجم، فتاريخ هذه الدول وتراجم ملوكها يدل بوضوح على هذا الأمر وإن كان الاستبداد يفتح أمام الحاكم إمكانية الظلم والفساد؛ وقد حصل بعض هذه الآثار بالفعل ولكن بقاء الإسلام في النفوس وقوة تأثيره فيهم وعدم ظهور آثار الانحرافات العقدية جعل الأعم الأغلب هو العدل. أما في أوروبا فقد كان الطغيان متجليًا بكل صوره – ومنه النظر للإمبراطور نظرة إلهية – لأنه هو المسيطر عليها ولم يظهر استعمال هذا المفهوم (المستبد المستنير أو المستبد العادل) إلا في القرن الثامن عشر على يد المؤرخين الألمان لأن فريدريك الثاني ملك بروسيا (1740-1786) هو نموذج هذا الوصف إذ كان يعتبر نفسه خادم الدولة الأول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد