لا يألو رأس السلطة السودانية عمر البشير، ولا يتوانى منذ تصاعد وتيرة الاحتجاجات ضده في 19 من ديسمبر (كانون الأول) الماضي على أن يعزو تأجيج الاحتجاجات إلى أيد وأذرع خفية، تبغي أن تعبث بوحدة السودان واستقراره وهويته. متجاوزًا الواقع الضبابي والمشكلات الحادة التي تفشت في البلاد، من تردٍ في منظومة الصحة والتعليم والبطالة، الأمر الذي بعث على اشتعال تلك الموجة الثورية، في محاوله لحث السلطة على اتباع سياسات رشيدة في الملفات التي تلامس مصلحة المواطن السوداني، وتخفيف العبء الواقع على الطبقات الأكثر احتياجًا من بين أبناء الشعب.

جاء قرار تحريك أسعار الخبز متسقًا تمامًا مع التردي الحاصل للوضع الاقتصادي المترهل، والذي وصل إلى درجات غير معهودة من اضمحلال شاب العملة المحلية، التي تهاوت وفقدت قيمتها أمام الدولار الأمريكي، ليسجل الأخير ارتفاعًا قياسيًّا لنحو 47 جنيهًا من العملة الوطنية. علاوة على ارتقاء معدلات التضخم إلى كسر حاجز الـ70% ما تمخض عنه تحريك مؤلم لأسعار السلع الوجودية بشكل لا يناسب الدخول الأساسية للمواطن.

جاءت التظاهرات الواسعة النطاق التي ولدت من رحم الشرق، تحديدًا من عطبرة، تتسع رقعتها لتشمل القضارف والخرطوم ومدنًا سودانية عدة، لتكشف هشاشة وعجز الآلة الأمنية المدججة بالقوة والاعتساف على حفز الشعب على الرضوخ والصمت، وأن القوة الخشنة المتبناة من قبل النظام ما هي إلا ردع وقتي، وأن سرعان ما انبرى ونهض الشباب لرفضه ميدانيًّا، وهو ما دعمته الأيام ومجريات الأمور، من صمود وثبات الحشود أمام العنف الممنهج التي تواجه به قوات البشير التظاهرات السلمية.

لم أتفاجأ قط من التعاطي الذي أظهره البشير ودوائر حكمه مع الاحتجاجات؛ فالرجل وكعادة كل الطغاة، وهو الذي له باع طويل في هذا الصدد، فتعاطيه مع الفعاليات أفصح عن تعجرفه، كونه يرى نفسه في حل من أن يقف أمام مسئولياته، أو أن يصوب أحد نقدًا له، فيقدم على نعت عشرات الآلاف الذين حرصوا على الوجود في ميادين وساحات السودان بالمخربين والمأجورين؛ ذلك أن الأخير قد سبقه في هذا المسلك رفاقه في الاستبداد، كصالح وبن علي، والقذافي وغيرهم.

فلا غرو في دلك؛ فكل القادة الشموليين الذين يتبنون أجندات معادية للحرية والديمقراطية لا يسأمون من نسج خيوط المؤامرات الكونية، التي هي محض شراهة واسعة لديه لحشد الجماهير ضد المتظاهرين السلميين، محاولًا استنساخ دور الدعاية التي مارستها الطبقة الكوربراتية في أمريكا، إبان ثلاثينيات القرن الماضي، في وأد إضراب عمال الحديد بولاية بنسلفانيا؛ فهو يبغي أن ينهض السودانيون للتصفيق له والتهليل لوطنيته، عوضًا عن أن ينهضوا ضد صولجانه الداعي والواعز على كل فساد وتردٍ.

الحاصل حقيقة أن الرئيس السوداني في كل خطاباته يدأب على تلمس وتر وجودي يتمثل في أن ثمة شرائح عريضة من السودانيين خاصة، والأمة العربية على وجه العموم، منغمسون في خنادق من هواجس المؤامرة التي تحاك لهم من قبل القوى الخارجية، وكأن حكومة كلك التي يتولاها البشير تستطيع أن تبقى وتحافظ على صلاحياتها لمدة يوم واحد دون رضاء غربي عن سياساتها.

اللافت أن استبدادية البشير لم تتوقف عند قمع الآراء المناوئة له، بل تجاوزت هذا لترتقي إلى حد إضفائه غطاء ديني على جرائمه بحق الحراك الشعبي السلمي، معتبرًا أن ما تقوم به أذرعه الأمنية ليس إلا قصاصًا شرعيًّا من الذين زعم أنهم يمارسون العنف على نحو يتنافى مع مفهوم دولة القانون وتغييبها تمامًا لصالح قانون الغابة؛ فيقول الشيخ مصطفى السباعي عندما يمسك بالقلم جاهل، وبالبندقية مجرم تتحول الدنيا إلى غابة لا تصلح لحياة البشر.

مهما كان ومهما سيكون، لا بد على الشباب السوداني الأبي وكل الناشئة العربية العزيزة أن تؤمن بأن انتزاع الديمقراطية وإنهاء التسلط والاستبداد لا يتأتى بالوجود في الميادين والساحات فحسب، بل يجب أن يهيئوا أنفسهم للحظة افتكاك الحرية والديمقراطية؛ لأن الحصول عليها على نحو عبثي لا يفيد، بل ينقلب في الغالب تلك النعمة إلى نقمة تعود فيها الأمور إلى وضع أسوأ وأفظع مما كان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد