(1)

عنوان المقال ليس إبداعًا منَّي إلا أنه أحد الشواهد الشعرية للسيد/ محمود درويش، وهو يشرح لنا ويصف ويقارن بين خوف الغُزاة وخوف الطُغاة لنجد أنَّ المُحتل يخافُ من الذكريات التي تحاوطه في كل مكان إذا كانت حضارة أو فنًا أو تراثًا موغلًا في القدم للأمة التي يقوم باحتلالها، والتي لا يجد معها إلا العنف أو التدمير لسحق كل قيمة يجدها أمامه، فيصير هو المُسيطر والأعلى صوتًا والأسدى رأيًا، وإذا عرجنا على الطغاة فسنجد أنهم يخشون الأغنيات وما تحدثه من صخبٍ حيوي يدل على الحياة بأشكالها المتنوعة، هذا ما قاله درويش في قصيدته (على هذه الأرض ما يستحق الحياة…).

 

(2)

لا شك عندي أن الطغاة نتاجُ زنا أو أنهم الجزء الخبيث من ولد آدم والمتمثل في ابنه (قابيل؛ رمز الشر)، إلا أننا لا نستطيع تفريغ حركة التاريخ منهم حتى وإن كان وجودهم بيننا كنقطة صغيرة لا تُرى على المدى البعيد، ذلك أن شهرتهم تخفت سريعًا كما صعدت سريعًا لأنها كذب ووهم وضلال، والطغاة لا يوجدون فُرادى في التاريخ لابد من دعامات يتكئون عليها ليصبح وجودهم أشدَّ متانة وأطولَ عمرًا، كالمنابر الإعلامية التي تحاول بث الوهم في عقول الشعوب ليسهل قياده كبهيمةٍ لا تدري من أمرها شيئًا، والأجهزة الأمنية التي تتجسس على مواطنيها وتجعلهم ضحايا بسبب حلم أو رأي أو ابتسامةٍ في ليل طويل وغبي علهم يُزيحون بها ركام الهمَّ والنكد الذي يسببه الطُّغاة.

 

(3)

وأشدُ ما يوطد حُكم الطغاة هم علماء الدين والشُعراء والذين يُمثلون وسيلة التسويق لحُكمه وتبرير الأفعال لرافضي حُكمه،
كما أنهم يمثلون بالنسبة له أحد أقوى المُسكنات وصدادات الأُذن لمنع أصوات المعارضين من الوصول إليه، ليؤكد لنفسه أنه أحقُّ بمكانته وأن هؤلاء مأجورون لهدم مُلكه السعيد، وقد يفعلُ هؤلاء الكفر ذاته في سبيل رضاء الحاكم كما فعل ابن هانئ الأندلسي في حضرة المُعز لدين الله حيث مدحه قائلًا (ما شئت لا ما شاءت الأقدار.. فاحكم فأنت الواحد القهّار..
وكأنّما أنتَ النبيُّ محمّدٌ.. وكأنّما أنصاركَ الأنصارُ)؛ فالحمد لله الذي أوجد في تاريخنا ابن هانئ ليريح ضمائرنا إذا ما وجدنا أحدهم يُهلل لمستبدٍ بما شطح به تطرفه وشذ!

 

(4)

والسؤال لماذا يوجد طغاة في التاريخ ومُستبدون، والإجابة من كتاب (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد)
للمُبجل/ عبد الرحمن الكواكبي حيث يقول:- إذا سأل سائل لماذا يبتلي الله عباده بالمستبدين؟ فأبلغ جواب مسكت هو
أن الله عادل مطلق لا يظلم أحدًا، فلا يُوليَّ المُستبد إلا على المستبدين .ولو نظر السائل نظرة الحكيم المدقق لوجد كل فرد من أسرى الاستبداد مُستبدًا في نفسه لو قُدر لجعل زوجته وعائلته وعشيرته وقومه والبشر كلهم وحتى وربه الذي خلقه تابعين لرأيه وأمره، فالمستبدون يتولاهم مستبد والأحرار يتولاهم الأحرار، وهذا صريح معنى: (كيفما تكونوا يولَّ عليكم).

 

(5)

فالسبب نحن إذًا، نحن الذين نصعنهم كآلهة العجوة إلا أننا لا نقوم بأكلها حين يقرصنا الجوع بل نظلُ لها عابدين؛ مُبررين عبادتنا ووجودهم، وبعودتنا لبداية المقالة نجد أنهم يخشون ما نعشقه نحن، يخشون الكلمة ويخشون الفن والثقافة والمعرفة، يخشون الموسيقى والشعر لأنها أسرع في هدَّ كيانهم وإن طال، ومحو سيرتهم وإن عُطرت بآيات العرفان والسمو.

 

(6)

يُحاربنا الطغاةُ بالعصي وقضبان السجون وقنابل الغاز، ونحاربهم بالزهور وباليتات الألوان والقصائد المُغناة، ينتظرُ الطغاة منَّا انحناء الظهر وشحوب الابتسامة ليعلنوا انتصارهم علينا، وذلك محال الحدوث لأننا باقون ولنا الحياة والأمل والمستقبل وهم راحلون وعليهم اللعنات والمقت وسوء العاقبة، وهذا ما يؤكده التاريخ؛ فكم منَّا يذكرُ جلاد ابن المقفع ومن أصلًا نسي ابن المقفع، من يعرف أبا حامد الوزير العباسي ومن يجهل الحلَّاج وسيرته، ومن يعرف أسماء القضاء الذين حكموا على سقراط بالتهم الغبية ومن نسي الدور الذي قام به سقراط للفكر الإنساني، فالمجد للكلمة والقصيدة والموسيقى والرواية وإن طال انتظارهم!

 

(7)

نحن أحياءٌ وباقون؛ وللحلم بقيَّة..

محمود درويش

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد