يستبشر الناس بشهر رمضان الكريم لما انطبع في أذهانهم من كونه شهر الانتصارات، وقد أنعم الله على المسلمين فيه بكثير من الأمجاد الخالدة، وقد ذكرنا في المقال الماضي أن من هذه البشريات أيضًا ما أنعم الله به على الأمة فيه من هلاك لبعض الطغاة، ذكرنا منهم في المقال الماضي ثلاثة: أبو جهل عمرو بن هشام فرعون هذه الأمة، وأبو طاهر القرمطي صاحب الجريمة العظمى التي لم يكن في تاريخ الإسلام مثلها: اقتحام الحرم وانتزاع الحجر الأسود، وجنكيز خان الإعصار الدموي الذي أهلك الحرث والنسل ودمر المدن الباهرة الناضرة الزاخرة بالعلم والحضارة.

ونذكر اليوم اثنين من هؤلاء الطغاة أماتهم الله في رمضان، إلا أنهما ما زالا يتمتعان بحضور وتعظيم لأن آثار دولتهما لم تذهب بعد، بل ما تزال بقاياها تفسد وتخرب، ذلك أنهما كانا من أهم فصول نزع الأمة من هويتها وتاريخها وتسليمها للأجنبي، وما زال هذا الأجنبي يرعى غراسه ويحرص على بقاء ثماره.

(4)

محمد علي باشا الكبير

وهو الطاغية الجبار المشهور، والرجل الذي حقق للغرب في مصر ما فشل فيه نابليون نفسه بجيش الحملة الفرنسية، بشهادة مؤرخي الغرب أنفسهم كأرنولد توينبي الذي قال: “كان محمد علي ديكتاتورًا أمكنه تحويل الآراء النابليونية إلى حقائق فعالة في مصر” ، وقال توينبي بأن محاولة محمد علي لصبغ مصر بالصبغة الغربية “أكثر شمولًا من أي محاولة سعى إليها أو أنجزها السلاطين الأتراك” . بل لم يجد المؤرخ والمستشرق الألماني كارل بروكلمان بُدًّا من أن يقول: “ليس من شك في أن الفضل يرجع إليه، دون غيره، في فتح أبواب مصر لمؤثرات الحضارة الأوروبية” .

لقد كان محمد علي نكبة هائلة على مصر، وغاية ما يُقال في إنجازاته أنه أنشأ البنيان ودمَّر الإنسان، واستطاع أن ينتزع الأوقاف فيجعلها تحت سيطرة السلطة وهو ما لم ينجح فيه الظاهر بيبرس في أوج الدولة المملوكية ولا الظاهر برقوق من بعده، ولا استطاعه الولاة العثمانيون في عهد قوة الدولة. لقد حطم محمد علي أشراف مصر وزعماءها وعلماءها وكبار الرجال فيها، وفتح البلاد للأجانب حتى هيمنوا عليها اقتصاديًّا ثم احتلوها عسكريًّا في عهد حفيده، وهذا فضلًا عما فعله بسائر المصريين الذين ساقهم بالسوط والتعذيب إلى معسكرات الجيوش، وحرمهم من حمل السلاح فصيَّرهم عبيدًا، وحرمهم من امتلاك الأراضي فصيَّرهم خدمًا وفلاحين.

وفي عهد محمد علي فقط بدأ خراب المساجد ومدارس التعليم الديني، واستوردت البلاد أفكار الأجانب المحتلين، وللمرة الأولى في تاريخ مصر منذ دخلها الإسلام، يمكن أن تُقْرأ هذه العبارة التي كتبها المستشرق الإنجليزي ستانلي لين بول: “مساجد القاهرة لم يلحقها هدم أو تخريب في أيام حكم البكوات (المماليك) والباشوات (العثمانيين)، بل على العكس من ذلك رأينا أن العناية بها كانت بالغة. وإنما بدأ عهد التهدم بمجيء محمد علي باشا” .

ولا يجد المرء في تقييم عصر محمد علي أدق ولا أبلغ من مقال الأستاذ الإمام محمد عبده، والذي نشره باسم مجهول “مؤرخ” في ذكرى وفاة محمد علي (للاطلاع عليه من هنا).

وقد مات محمد علي في (13 رمضان سنة 1265هـ) بعد أعوام من الخرف لم يعد يستوعب فيها من أمر نفسه وأمر البلاد شيئًا.

(5)

مصطفى كمال أتاتورك

وهو صاحب الجريمة الأعظم في تاريخ المسلمين: إلغاء الخلافة الإسلامية، ومطاردة الإسلام في تركيا كأعنف ما تكون المطاردة، وشن حرب الإبادة على الإسلام كأشرس ما تكون الحرب. ومثلما يُعزى لمحمد علي بناء مصر الحديثة يعزى لأتاتورك تحرير تركيا وتحديثها، فيما الواقع أنه مؤسس للحكم العسكري المستبد العلماني، الذي يجعل العسكر فوق الشعب وحامي العلمانية وذراعها الذي يفرضها قهرًا وقسرًا!

ومهما يُقال في استبداد المماليك فإن استبداد محمد علي أضخم منه بما لا يُقارَن، وكذلك: مهما قيل في استبداد العثمانيين فإن دولة أتاتورك أبشع منها بما لا يُقَارن، إذ بعدما كانت الدولة العثمانية ملجأ المضطهدين دينيًّا في أوروبا صارت أوروبا ملجأ المضطهدين المسلمين من الأتراك!!

وفي تطورات درامية مثيرة تحول العسكري الفاشل – ضمن جنود الدولة العثمانية- الذي عجز عن تحقيق أي نصر في الشام أو ليبيا أو حتى تركيا أول أمره رغم ضعف أعدائه، إلى قائد حركة المقاومة الذي يحقق انتصارات متتالية على اليونان وغيرها من الدول الكبرى، وهو يرفع لواء الإسلام ويلبس ثياب علماء الدين ويحارب الخمر ومظاهر الفجور، ثم إذا به يوافق على شروط مهينة لم يكن يتوقعها أحد ممن دعموه على رأسها: إلغاء الخلافة!!!

وعندما أعلنت الجمهورية التركية (29 أكتوبر 1923م) كان أتاتورك هو رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس حزب الشعب الجمهوري والقائد العام للجيش!! ثم ليس إلا شهور حتى ألغى الخلافة في ذكرى الإسراء والمعراج (27 رجب 1342هـ = 3 مارس 1924م) ودشَّن حملته لإزالة الإسلام فنفى آخر الخلفاء (عبد المجيد الثاني) من البلاد، ثم كتب اللغة التركية بالحروف اللاتينية بدلًا من العربية فأسس بذلك لقطيعة علمية ثقافية عميقة الأثر دفعت الأجيال التركية ثمنها مرًّا مريرًا، وأمر أن يؤذن الأذان بالتركية، واعتمد التقويم الغربي بدلًا من التقويم الهجري، وجعل العطلة يوم الأحد بدلًا من يوم الجمعة، واستولى على الأوقاف ثم ألغى المحاكم الشرعية وبدأ في إزاحة القوانين الإسلامية مستبدلًا بها القوانين الغربية، والانتقال عن عاصمة الخلافة إلى أنقرة، وكانت دولة أتاتورك شرخًا ضخمًا في العلاقات العربية التركية وفي العلاقات التركية الكردية لم تتعاف الأمة منها حتى الآن.

وبرغم كل ما قيل عن وحشية بطرس الأكبر في تغيير وجه الحياة الروسية إلا أن ذلك – وكما يقول إيان بوروما وأفيشاي مرجليت- “لم يكن شيئًا بالمقارنة مع كمال أتاتورك الذي تعهد في العام 1917 أنه إذا ما وصل إلى السلطة يومًا فسوف يغير الحياة الاجتماعية في تركيا دفعة واحدة، وهذا ما فعله على وجه التحديد منذ العام 1923″، بل يضربان به المثل الحسن (!!) في التغيير، فقد “أقام نظامًا تعليميًّا علمانيًّا وأغلق جميع المؤسسات التي تقوم على الشرع الإسلامي. وغدت العلمانية – في ظل أتاتورك- نمطًا آخر من الإيمان العقائدي الجامد”.

وقد جرى كل هذا فوق جثث الأتراك ومذابح أوقعها بالعلماء وطلاب العلوم الشرعية وشرائح واسعة من الشعب التركي المسلم الذي قاوم ما استطاع، لكن فارق القوى واتجاه الزمن لم يكن في صالحه على الإطلاق. هلك أتاتورك في (17 رمضان 1357هـ = 10 نوفمبر 1938م) بعد مرض في الكبد قضى عليه.

ومثلما كتب محمد عبده مقاله عن محمد علي ممهورًا باسم مجهول “مؤرخ”، كتب ضابط تركي مجهول كتابًا عنه سماه “الرجل الصنم” (حمله من هنا).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- د. زكريا سليمان بيومي: قراءة جديدة في تاريخ العثمانيين ص182، وهو ينقل عن: أرنولد توينبي: عبد الرحمن الجبرتي وعصره ص14، ضمن "عبد الرحمن الجبرتي دراسات وبحوث".
2- أرنولد توينبي: مختصر دراسة التاريخ 3/313.
3- كارل بروكلمان: تاريخ الشعوب الإسلامية ص546.
4- ستانلي لين بول: سيرة القاهرة ص252.
5- إيان بوروما وأفيشاي مرجليت: الاستغراب ص124، 125.
عرض التعليقات
تحميل المزيد