يميل الكثير من المتتبعين إلى المقارنة بين الحالتين الانقلابيتين المصرية والتركية، ويتساءلون لماذا فشل السيد مرسي في الوقت الذي نجح فيه السيد أردوغان في تطويع العسكر، ويقدمون بعض الافتراضات من بينها أن السيد مرسي لم تكن له خبرة ودهاء السيد أردوغان، ومن ثم عجز عن تسيير الأوضاع بالشكل السليم الذي يخدم استمرار الحكم المدني، أعتقد أن هذه المقارنة تبسيطية وتسطيحية ولا تستقيم بهذا الشكل، ولذا أصبحت نقطة النظام هذه ضرورية.

بداية، يجب أن نعلم أن إسلاميي مصر بجميع أطيافهم، كما هو الشأن بالنسبة لباقي الشعب المصري، كانوا دائمًا على هامش الحكم، بل على هامش الدولة، ولم تكن لهم القدرة رغم ما يقارب القرن من المحاولة؛ على التغلغل داخل خمس مؤسسات أساسية في الدولة المصرية: المؤسسة الإدارية، المؤسسة العسكرية والأمنية، المؤسسة القضائية، المؤسسة الإعلامية، المؤسسة الدينية.

وعليه أصبح التساؤل التالي مبررًا: لماذا لم يتمكن الإخوان من التغلغل داخل هذه المؤسسات الخمس؟ نعم من المفروض أن تفكر الحركة الإسلامية في إستراتيجية واضحة للتغلغل داخل هذه المؤسسات، مع ذلك، بيَّن لنا الانقلاب على السيد محمد مرسي، وبعد مرور أكثر من 85 سنة على نشأة الحركة، أن تواجد الحركة كان قويًّا، لكنه كان دائمًا على هامش الدولة، حيث سيطر الإخوان على معظم النقابات، وسيطروا على بعض قطاعات الاقتصاد الخاص، وهي كلها مجالات تقع تحت سطوة وحكم وسيطرة القضاء والإدارة والإعلام والدين، علمًا أن الجميع في مصر يقع تحت سلطة العسكر.

يمكن أن نفترض أمرين اثنين للإجابة على هذا التساؤل، الافتراض الأول هو أن الحركة لم تفكر في هذه المسألة أصلًا، وهذا أمر مستبعد، لأنه لا يمكن تصور خلو برنامج حركة الإخوان المسلمين من مثل هذه الإستراتيجيات. الاحتمال الثاني هو أن تكون الحركة قد فكرت في المسألة وأرسلت أبناءها لتنفيذ مشروع التغلغل، إلا أن سدادات النظام العسكري كانت قوية ورفيعة لدرجة لا يمكن معها أن تنجح هذه الإستراتيجية، وهنا يمكن القول إن الجيش المصري نجح في تحجيم حركة الإخوان وحصرها على الهامش، نستطيع تفسير هذا النجاح العسكري بقوة وانضباط المؤسسة العسكرية من جهة، وضعف إستراتيجية الحركة في تجاوز السدادات التي توضع أمام المؤسسات الخمس سالفة الذكر، وهذا يعني أنه حتى في حالة نجاح بعض الكوادر في الولوج إلى هذه المؤسسات، فإنهم ينقلبون على حركتهم، ويصبح التفكير في المجد الفردي أسبق من التفكير في مجد الحركة، ومن ثمة ضلت حركة الإخوان المسلمين على هامش الدولة والحكم، طوال هذه المدة.

بالمقابل كان الجيش وبشكل دائم فوق الدولة، فعوض أن تكون المؤسسة العسكرية في خدمة الدولة، حوَّل العسكر الدولة المصرية إلى أداة خادمة لخطط الجيش، فالجيش المصري يسيطر على كل شيء تقريبًا، فبالإضافة إلى كونه قوة عسكرية مهمة في الشرق الأوسط، أصبح الجيش قوة اقتصادية مهمة في مصر، ما يميز هذه القوة الاقتصادية هو تمتعها بالاستقلالية عن المجال الاقتصادي للدولة المصرية، لا رقابة ولا ضرائب، وأكثر من هذا تبقى هذه المؤسسة خارج مجال تغطية القضاء المصري، ليس هذا فحسب، بل إن العسكر وزيادة على مؤسستهم القوية، يتحكمون في كل مقاليد السلطة في الدولة المصرية، من رئاسة الجمهورية إلى رئاسة لجان الأحياء، إضافة إلى امتلاك المجلس العسكري حقَّ الفيتو ضد أي قرار يتخذ في أية مؤسسة من مؤسسات الدولة.

بالنظر إلى قوة المؤسسة العسكرية وسطوتها، يمكننا الحديث عن تهميش ممنهج سيره العسكر في مصر بنجاحٍ تجاه الإسلاميين عمومًا والإخوان المسلمين خصوصًا، ومن هنا يمكننا الجزم بأن الإخوان لم يقوموا بالثورة في مصر، بل استعملوا بشكل ذكي من قبل العسكر لتجاوز هذه الثورة بأخف الأضرار، والأهم من كل هذا هو استعمال العسكر للإخوان من أجل تمويه الانقلاب على السيد محمد حسني مبارك. من هذا المنطلق يمكننا القول إن العسكر في مصر كانوا يتحكمون في كل شيء من البداية إلى النهاية، ولا تزال إلى اليوم خيوط اللعبة بأيديهم، وعليه لا يمكننا الحديث عن فشل مرسي في صد انقلاب السيسي عليه، بل يجب الحديث عن فشل الإخوان في قراءة الوضع السياسي، وانجرارهم بسهولة إلى الشرك الذي نصب لهم، الأمر الذي مكن العسكر من القضاء على طموحات السيد محمد حسني مبارك التسلطية والتوريثية، وفي نفس الوقت القضاء على تنظيم الإخوان، بما يمكن تسميته بـ«ضربة معلم» باللهجة المصرية، إذ استطاعت المؤسسة العسكرية في مصر أن تقوم بثلاثة انقلابات ناجحة في أقل من سنة ونصف: الانقلاب الأول كان ضد السيد محمد حسني مبارك، والانقلاب الثاني كان ضد ثورة 25 يناير 2011 الشعبية، أما الانقلاب الثالث فكان ضد الإخوان، وبذلك تمكن الجيش من إعادة الأوضاع في مصر إلى ما كانت عليه قبيل الثورة، بدون الدخول في مواجهة شاملة ضد الشعب، وبدون تحريك حفيظة «المعارضة الديمقراطية»، وبتحييد شبه تام لحركة الإخوان. أمام هذا الوضع أعتقد أنه لم تكن للرئيس محمد مرسي أية قدرة أو إمكانية على المناورة، لتجنب المصير الذي حدده له العسكر من اللحظة التي أخرج فيها من سجن وادي النطرون ليوضع في البايب لاين (خط الأنابيب) الموصل إلى سجن برج العرب.

حاليًا يستثمر الجيش المصري في هذه العمليات الانقلابية الثلاث ليقنع الشعب المصري أن ما قام به جنَّبَ مصر والمصريين وضعًا أسوأ من الأوضاع التي تسود في ليبيا واليمن وسوريا ما بعد الثورة، وهذا ما يضمن له ولو مؤقتًا استقرارًا نسبيًا رغم الحالة المزرية التي تعيشها مصر.

بالنسبة لوضع الرئيس عبد الفتاح السيسي، فهو لا يختلف عن أوضاع سابقيه، فالجيش كان دائمًا يوظف رؤساء الدولة لقيادة مصر وفق شروطه وأجندته، وعندما يشعر العسكر أن الرئيس الموظف بدأ يفكر في تغيير قواعد اللعبة التي حددها الجيش، فإنه يبدأ مباشرة بتطبيق خطة مناسبة، يستغل ويوظف فيها الظروف المحيطة بالزمان والمكان لتنحية الرئيس، فنجد أنه أزاح محمد نجيب بانقلاب أبيض، وأزاح عبد الناصر بالاستنزاف في الحروب العربية الصهيونية، حيث لم يعطَ له لا الوقت ولا الإمكانيات لتعديل الأمور، بالرغم من أنه كان الرئيس المصري الوحيد الذي امتلك كل القدرات والكفاءات التي كانت تسمح له بإجراء تغييرات جذرية على علاقة الجيش بالدولة وبالسياسة، كما أزاح السادات بالاغتيال في عملية إرهابية محبوكة بشكل جيد، وأزاح مبارك بتسيير الثورة الشعبية في الاتجاه الذي يخدم الجيش أكثر.

الوضع في تركيا كان مخالفًا تمامًا، فتطور الأحداث منذ وصول السيد مصطفى كمال أتاتورك إلى السلطة، كان يسير في اتجاه تحجيم دور الجيش في الحياة السياسية، إضافة إلى تبني الحركة الصوفية بمختلف أطيافها، وبالخصوص حركة النور؛ إستراتيجية طويلة الأمد للتغلغل داخل مختلف دواليب السلطة، فالإسلاميون الأتراك، كما يحلو للبعض تسميتهم، كانوا دائمًا علمانيين على سنة الله ورسوله، وكانوا دائمًا أوفياء لمبادئ حركتهم، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأساليب الديمقراطية، فقد عملوا على تقوية الديمقراطية في البلد، وبفضل هذا السلوك تمكنوا شيئًا فشيئًا من تحييد الجيش عن المجال السياسي. عندما تمت محاولة الانقلاب الأخيرة، كان السيد أردوغان يتحكم في كل مؤسسات الدولة، لأنه تمكن من خلال نضالات الإسلاميين بمختلف توجهاتهم من السيطرة على أهم المؤسسات الأمنية والمدنية، ولهذا فإمكانيات المناورة كانت قوية بالنسبة له، وكان هزم الانقلابيين مسألة وقت ليس إلا.

من هنا تبدو المقارنة بين الحالتين المصرية والتركية غير متكافئة وغير مجدية؛ لأننا أمام وضعين لا يتشابهان إلا في فعل الانقلاب، ما عدا ذلك فكل الأمور مختلفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد