الدولة اليمنية الواحدة تشهد العديد من التحديات الجيوستراتيجية في ظل ضعف الدولة وتمزقها، وتسلح الأقليات، وتنامي قوة المليشيات، وتصاعد وتيرة الدعوات الانفصالية، وانعدام القرار السيادي اليمني، كل هذا كان بفعل تدخلات إقليمية خليجية وإيرانية في الشأن المحلي اليمني، بفعل تخوفات متوهمة وأطماع واضحة في هذه البقعة الجغرافية المطلة على البحر الأحمر وبحر العرب.

يضاف إلى ذلك، سباق الهيمنة الدولي في منطقتي البحر الأحمر والخليج العربي، بدءًا من تسيير البوارج الحربية في هذا الممر المائي، إضافة إلى القواعد العسكرية التي تبلغ بضعة عشر قاعدة عسكرية في جيبوتي وإريتريا، كل هذه الأخطار التي قلبت موازين اللعبة الجيوسياسية في منطقة القرن الأفريقي، إضافة إلى انفجار الصراع المحتمل في السودان بفعل تمويل الأقليات، وتسليح المليشيات، وسلب القرار السيادي من الدولة، إضافة إلى تنامي قوة إثيوبيا كقوة أفريقية صاعدة، كل هذه الأخطار تشكل تهديدًا كبيرًا على الأمن القومي اليمني، وتجعل موقف الدولة اليمنية الوطنية الواحدة في وضع جيوسياسي حرج للغاية، وسيجعل قرارها مرتهنًا للخارج، هذا إذا انفكت من عقدة الارتهان للقرار الخليجي والإيراني الحالية، التي تشكل المشكلة الأصعب سياسيًّا، وعسكريًّا، وثقافيًّا، واجتماعيًّا.

والحديث عن الوضع الجيوسياسي للدولة اليمنية – في ظل انتهاب القرار السيادي من كل صعلوك لا يُعرف أصله – صار أشبه بصيحة في قعر واد، غير أن هذا من مقتضيات المرحلة ولوازم التغيير وتأخير البيان عن وقت الحاجة حرام، غير أني لا أخفيك أنه أشبه بتنفيس عن كبت أوشك أن يودي بعقولنا كما أودى بأحلامنا وطموحاتنا.

ولعل القضية الأبرز في الوضع الجيوسياسي اليمني هي قضية سقطرى التي تحاول الإمارات السيطرة عليها منذ العام 2015 بقوة السلاح، أو بذريعة إنشاء قواعد عسكرية لمحاربة الحوثي، أو من خلال تقديم عرض للحكومة اليمنية باستئجار الجزيرة لما يقرب من مائة عام، أو بدعم المليشيات ومحاولة تقديم زعامات محلية موالية للإمارات، ونحوها من الأساليب التآمرية المعروفة عن أبو ظبي.

واجهت الإمارات في سبيل ذلك مقاومة عنيفة من الحكومة اليمنية، وخاصة حكومة الدكتور بن دغر المقال بضغط إماراتي، وكذلك جوبهت برفض شعبي، إلا أن ذلك لم يثنها عن عزمها، وخاصة في ظل عقدة الزعامة والعمق التاريخي المتأصلة في الذهنية السياسية الحاكمة لإمارة أبو ظبي، فما زالت تمارس عربدتها من خلال العمل الخيري، وخاصة مؤسسة خليفة، التي يرأسها الضابط في جهاز أمن الدولة الإماراتي خلفان المزروعي، وكذلك إغراء بعض ضعاف النفوس بالأموال، والقيام بحملة تجنيس لبعض الأسر في محافظة سقطرى، وشراء أراض، وتغيير طابع المدينة التراثي، والتأثير في تنوعها الحيوي من خلال صيد الطيور النادرة، ونقل النباتات النادرة إلى إمارة أبو ظبي.

واشترى المزروعي مساحات شاسعة في السواحل بالقرب من الميناء وأخرى في منطقة نوجد، جنوب الجزيرة، إضافة إلى الاستيلاء على مساحات في محمية دكسم، المحمية من البناء عليها بموجب القانون، وكذلك استأجر مصنعًا لتحضير الأسماك، التي يشتريها بمبالغ زهيدة من الصيادين المحليين قبل أن يصدرها عبر الطيران إلى الإمارات.

وبوادر الأطماع الإماراتية في هذه الجزيرة بدأت منذ أكثر من خمسة عشر سنة، سواءً حين تآمرت على ميناء عدن مع النظام السابق، أو الزيارات التي قام بها رجل الأعمال محمود آل خاجة، الذي باشر نشاطات خيرية في القرى والأرياف مستغلًا حاجة المواطنين، قبل تحوّل اهتماماته لاحقًا إلى شراء أراضٍ تجاوزت مساحتها كيلومترات عدة وبملايين الريالات، علاوة على إهداء مسؤولين في الجزيرة سيارات، لكسب ولائهم وتسهيل نشاطه.

وفي مايو (أيار) 2018، بلغ التدخل الإماراتي أوجه، مما اضطر الحكومة اليمنية أن تكسر صمتها فتوجه الدكتور أحمد بن دغر رئيس الوزراء حينها إلى سقطرى، وأعلن احتجاجه على الوجود الإماراتي. وذهبت الحكومة اليمنية لتشكو الإمارات إلى مجلس الأمن قبل أن تتدخل السعودية لاحتواء الأزمة، وقد اكتسبت هذه القضية بعدًا دوليًّا، فقد عبرت الخارجية التركية والخارجية الأمريكية عن قلقهما من هذا التطور في القضية، وأكدا دعمهما لوحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه.

ولم يهدأ للإمارات بال بعد الاتفاق اليمني السعودي الإماراتي على خروج قواتها من سقطرى، ففي 4 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 قامت بعض الجماعات المسلحة المدعومة إماراتيًّا باقتحام بعض المراكز الأمنية التابعة للسلطة المحلية في الجزيرة، وكشف موقع «سقطرى بوست» الإخباري أن عمر فاين، الضابط في الأمن السياسي السابق، والذي يحمل الجنسية الإماراتية، حاول السيطرة على مؤسسات الدولة في حديبو، عاصمة أرخبيل سقطرى، بدعم من قوات الحزام الأمني التابعة للإمارات.

تأتي هذه التطورات بعد قرار الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، بإقالة أحمد علي الرجدهي من إدارة أمن أرخبيل سقطرى؛ بسبب انحيازه وتماهيه في العمل مع الإمارات لزعزعة أمن الجزيرة، وعيّن مكانه فائز سالم موسى طاحس مديرًا عامًّا لشرطة محافظة أرخبيل سقطرى، مع ترقيته لرتبة عقيد، وقد ذكر محافظ سقطرى رمزي محروس أن الإمارات تسعى لفرض أمر واقع من خلال زرع رجالها في المناصب المهمة في المحافظة وأنها تسعى لإقامة دولة موازية.

ولكي يدرك القارئ لماذا تستميت الإمارات في محاولة الاستيلاء على الجزيرة، يتوجب عليّ تقديم نظرة شاملة مختصرة عن مقومات وإمكانات هذه الجزيرة وعوامل تفردها؛ فجزيرة سقطرى اليمنية ليست جزيرة وحيدة في المحيط بل أرخبيلًا من الجزر، وهي أكبر جزر الجمهورية اليمنية.

تقع في بحر العرب قبالة ساحل محافظة المهرة وتبعد عنها بحوالي 380 كم، ويبلغ طول الجزيرة 135 كم، وعرضها 42 كم، وتبلغ مساحتها 3650 كم2، وعاصمتها حديبو، التي كانت تتبع قديمًا لسلطنة المهرة اليمنية، ثم أصبحت جزءًا من محافظة عدن، ثم ضمت إلى محافظة حضرموت في العام 2004، وفي العام 2013م أصبحت محافظة مستقلة، وصنفت عام 2003 إحدى المحميات الطبيعية الحيوية، وأدرجت عام 2008 ضمن مواقع التراث العالمي نظرًا لتنوعها البيولوجي الحيوي الاستثنائي الفريد.

تتميز الجزيرة بتنوع الغطاء النباتي، لتنوع تضاريسها الجغرافية، وهذا يجعلها تملك ثروة هائلة من النبات الطبيعي، ووجود النباتات الطبية يجعلها وجهة سياحية متميزة؛ وقد أوضحت الدراسات العلمية أن جزيرة سقطرى تحوي 850 نوعًا من النباتات منها حوالي 280 نوعًا نباتيًّا مستوطنًا (لا يوجد في غيرها) ومن أشهر نباتاتها التي تتميز بها: شجرة دم الأخوين، وشجرة اللبان، والصبر السقطري، وشجرة أمتة، وشجرة الإسفد، وعود البخور، ومن التنوع الحيوي في الجزيرة وجود الحيوانات البرية والبحرية النادرة، فمن الحيوانات البرية الماعز السقطري وقط الزباد والغزال، ومن الحيوانات البحرية النادرة السلاحف المتنوعة نحو السلاحف الخضراء والشعب المرجانية واللؤلؤ ونحوها.

وتتميز الحياة البحرية في جزيرة سقطرى بالتنوع، حيث يوجد فيها 352 نوعًا من المرجان اللباني، و370 نوعًا من الأسماك الساحلية، و300 نوع من السراطين، و60 نوعًا من الإسفنجيات والصدفيات، وفي الجزيرة يوجد ما يزيد عن 185 نوعًا من الطيور، منها ستة أنواع متوطنة ولا توجد في غيرها من الجزر، وهي: اللوتوغنو، الشمس، الواريلر، السيتي كون، الإسبارو، اليانتيج.

وتعد الجزيرة المكان الوحيد في العالم لتكاثر طائر النواء الجرانيتي، وتتفرد الجزيرة بأنواع من الحشرات منها قشريات النهار المستوطنة وعددها 15 نوعً، وقشريات الليل التي تضم 60 نوعًا، ويوجد فيها 100 نوع من الحشرات الطائرة، 80 نوعًا منها لا توجد إلا في سقطرى.

تملك سقطرى موقعًا مناخيًّا متميزًا، وتملك موقعًا استراتيجيًّا من الناحية العسكرية والاقتصادية، فهي مشرفة على طرق النقل التجارية والنفطية، من خلال قربها من مضيق باب المندب، الممر المائي الذي يربط أهم طرق التجارة العالمية للقارات الثلاثة، ويقدر طول ساحلها بـ354 كم، فجزيرة سقطرى تعد بوابة البحر الأحمر والبوابة الجنوبية للجزيرة العربية، فهي تقع في تقاطع الممرين البحريين البحر الأحمر وخليج عدن، وكذلك تقع على مقربة من جزيرة ديغو غارسيا الاستراتيجية في المحيط الهندي التي تتخذها أمريكا قاعدة عسكرية مهمة في آسيا والشرق الأفريقي.

كانت قديمًا سوقًا عالمية لا يقل أهمية عن الأسواق العربية الشهيرة، كسوق ظفار، وسوق عكاظ، وسوق الشحر، وسوق عدن، وكانت ميناءً للرسو والنقل والتموين للسفن، فقد حظيت هذه الجزيرة باهتمام كل الدول التي كان لها أطماع في شبه الجزيرة العربية وطرق الملاحة البحرية بين آسيا وأفريقيا، فقد احتلها الفراعنة، وكان لهم بها تواصل، ويذكر أنهم من سموها بجزيرة السعادة لاحتوائها على اللبان والبخور المستخدم في المعابد، واحتلها الهنود وكان لهم بها أصنام وخرجوا منها حين دخلها الإسكندر المقدوني، واحتلها الأحباش أيضًا، واحتلها أيضًا الفرس، وكذلك البرتغاليون، وحاول ذلك الفرنسيون، واحتلها الإنجليز، فحين فكرت الحكومة البريطانية في الهند في احتلال عدن أرسلت الكابتن ستانفورد هنس في العام 1832 لمسح سواحل البحر الأحمر، ثم توجه إلى المهرة واستأذن سلطانها لمسح جزيرة سقطرى، ثم عاد بجيشه لاحتلالها، وقد كان هينز أول من مسح الجزيرة بالمقاييس الحديثة وأصدر خريطة مفصلة للجزيرة، فيها بعض التحريف في أسماء قرى ومناطق الجزيرة، وقد استمر احتلال الإنجليز لجزيرة سقطرى حتى العام 1967.

ولبيان تبعية سقطرى لليمن وتجذر هويتها اليمنية تاريخيًّا يكفي في ذلك تتبع التبعية الجغرافية لليمن طوال التاريخ، بالرغم من تعاقب فترات الاستعمار وأطماعه فيها، وقد قال الإدريسي في نزهة المشتاق: «سقطرى تتصل من جهة الشمال والغرب ببلاد اليمن بل هي محسوبة منه ومنسوبة إليه»، فقد كانت سقطرى تحت سيطرة مملكة معين (1500 – 800 ق.م) التي امتد نفوذها إلى الخليج العربي وشواطئ البحر الأبيض المتوسط، وكانت تحت سيطرة مملكة سبأ، وكانت ميناءً رئيسًا لمملكة حضرموت، وقد عُثر في سقطرى على آثار حميرية تثبت صلات سقطرى بالحضارة الحميرية، وكانت في الدولة العباسية تابعة للولاة العباسيين في اليمن وكانت في أغلب مراحلها التاريخية تابعة لسلطنة المهرة فهي يمنية ولغتها السقطرية هي فرع من اللغة اليمنية القديمة، التي هي لهجة من اللهجات العربية القديمة، مثلها في ذلك مثل اللغة المهرية.

فدعاوى الإمارات أن لقبائل سقطرى صلة بها دعوى ساقطة، بل الثابت عندنا أن كثيرًا من سكان الإمارات السبعة ترجع أصولهم إلى قبائل حضرمية وقبائل من شبوة وقبائل من المهرة، وكذلك من قبائل سقطرى، فالأصل من اليمن، وهذا ما كان يفاخر به الإماراتيون في عهد زايد، فاليمن هي الأصل وشعب الإمارات فرع لبعض قبائله وليس العكس.

زعم كثيرون قبل عيال زايد أن سقطرى تابعة لهم، فقد زعم اليونان ذلك قبلهم بل عملوا على تغييرها ديموغرافيًّا إلا أن الأمر لم يستتب لهم، فبقيت سقطرى يمنية، وختامًا كان يجدر بالإمارات أن تدرك حجمها الجغرافي وتفكر بجدية في عقدها ومعضلاتها الجغرافية والديموغرافية والتاريخية والسياسية، كما سنبين في المقال التالي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد