تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة محاولتها لإثبات نفسها كمحور أساسي مع دول التحالف، حيث يواصل جيشها التقدم على كل جبهات القتال في اليمن، في الوقت الذي تواصل الدولة والجمعيات الخيرة محاولتها المستمرة في تقديم مساعدات إنسانية للمدنيين المتضررين في اليمن، غير أن كل هذه الإنسانية والرحمة ودعم ما يطلق عليه بالشرعية يظل محل شكوك عدد المحللين السياسيين، خاصة عندما بدأ يتعلق بالتوسع الإماراتي على طول الموانئ اليمينة، ما يخلق عنوانًا جديدًاا لهذه المساهمات الإنسانية والمساعدات العسكرية.

سيطرت الإمارات على موانئ اليمن وقيامها بتسييرها وإدارتها ليس وليد اليوم ففي سنة 2008 وقعت الإمارات مع الرئيس السابق لليمن علي عبد الله صالح اتفاقية تقوم بموجبها مجموعة موانئ دبي العالمية بتسير موانئ عدن وبعض الموانئ الأخرى لمدة 100 عام، هذه الاتفاقية التي لم تستمر طويلًا عقب وصول وزير نقل جديد لليمن عقب اندلاع ثورة بالبلاد وخلع علي عبد الله صالح حيث أشار إلى ضرورة تغيير بنود الاتفاقية أو إلغائها نهائيًا كونها مجحفة في حق اليمن من الناحية الاقتصادية؛ ليقرر بذلك مجلس إدارة مؤسسات خليج عدن إلغاء الاتفاقية بحجة أن الإمارات كانت تبطئ من إيقاع ووتيرة العمل بهذا الميناء لتتفوق موانئها عليه كون ميناء عدن أحد أخطر منافسي موانئ الإمارات، غير أن الإمارات لم تسمح بتضييع هذا الميناء لتعود لتسيره من جديد تحت مسمى الشرعية بعد التدخل العسكري لها رفقت دول التحالف في اليمن بداعي دعم الشرعية ما خول لهما السيطرة على إدارة كل موانئ جنوب اليمن من ميناء المكلا لغاية ميناء عدن، ناهيك عن سيطرتها على الموانئ الغربية للبلاد، ليبقى أمامها اليوم ميناء واحد فقط، وهو ميناء الحديدة، بعد أن سيطرت منذ أيام على ميناء المخا، توسع الإمارات كان مدروسًا، على الرغم من أن بعض المحللين الإماراتيين أشاروا إلى أن بلادهم تقوم بمساعدات إنسانية، ودعم الشرعية، ولا يتجاوز وجدوها في اليمن ردع التوسع الإيراني في المنطقة والبحث للوصول إلى سبل السلام التي من شأنها تهدئة الأوضاع التي آلت إليها شبه الجزيرة العربية والوصول إلى مرحلة ينعم فيها الجميع بالأمن والأمان.

غير أن الواقع أثبت عكس ذلك تمامًا؛ فالإمارات تلعب على عدة حبال؛ فتوسعها في موانئ اليمن كان هدفًا سطر منذ أكثر من عقد من الزمن، بل جاء قبله توسع في موانئ جيبوتي أحد دول القرن الأفريقي ففي سنة 2005 تمكنت من أن تتولى جمارك دبي إدارة وتطوير الأنظمة والإجراءات الإدارية والمالية بموانئ دولة جيبوتي، إضافة إلى توفير جمارك دبي نظامًا متطورًا لتقنية المعلومات ناهيك عن القيام برامج تدريبية لمختلف الفئات التابعة للجمارك الجيبوتية، هذه الامتيازات جاءت عقب توقيع اتفاقية بين كل من مؤسسة الموانئ والجمارك و المنطقة الحرة في دبي ووزارة المالية الجيبوتية بعقد يمتد لمدة 21 سنة، غير أنه لم يدم طويلًا بعد اتهام حكومة جيبوتي لدبي بتقديم رشاوي لرئيس هيئة الميناء المنطقة الحرة في جيبوتي، لينتج عن هذا التهام قرار أحادي الجانب من الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر بفسخ هذا العقد في أنه وفي سنة 2016 رفضت المحكمة الدولية بلندن اتهام حكومة جيبوتي لموانئ دبي وألزمتها بنفقات الدعوى.

التوسع الإماراتي في بحار القرن الأفريقي وموانئه وصل به لتوقيع اتفاقية مع جمهورية أرض الصومال وهي دولة ليس لها تواجد أصلًا على الخريطة حيث أعلنت نفسها في سنة 1991 كدولة مستقلة منقسمة على جمهورية الصومال، ولم يتم الاعتراف بها دوليًا لغاية الساعة، وقد جاء بموجب هذه الاتفاقية سيطرت الإمارات العربية المتحدة على ميناء بربة الذي يتميز بمكانة استراتيجية واقتصادية هائلة، خاصة وأنه حلقة الربط بقناة السويس، والمحيط الهندي ناهيك على كونه أقرب ميناء لدولة إثيوبيا التي لا تمتلك ضمن حدودها أي منفذ بحري، لتكون بذلك صفقة ناجحة لمؤسسات موانئ دبي لفرض نفوذها وسيطرتها على الملاحة البحرية في المنطقة، لتواصل امتدادها بعد توقيعها اتفاقية تدوم لـ30 سنة مع دولة إريتريا تستخدم بموجبها موانئ ومطارات البلاد المطلة على البحر الأحمر بصيغة تأجيرية إضافة إلى 30% من دخل الموانئ تقدم إلى إريتريا.

الإمارات ومع كل هذه الموانئ استطاعت أن تفرض نفسها أيضًا وتدعم موقفها في التحكم في الملاحة البحرية في المنطقة بعد أن كونت علاقات وطيدة مع جمهورية مصر العربية التي تتحكم في قناة السويس عصب الملاحة البحرية في منطقة البحر الأحمر والمحور الأساسي لنجاح التخطيط الإماراتي، هذه العلاقات الثنائية بين البلدين والتي تطورت بشكل واضح بعد وصول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للحكم، خاصة وأن الإمارات متمثلة في مؤسسة شركة موانئ دبي العالمية عانت في فترة حكم الرئيس السابق محمد مرسي بعد اتهام هذه المؤسسة بالفساد المشروع في موانئ العين السخنة التي كانت تتحكم بهال وهذا بتخصيص أراض مصرية لشركات أجنبي ومخالفة القانون، الأمر ذاته الذي أعلن عنه ممدوح حمزة استشاري مشروع ميناء العين السخنة سنة 2011 لوسائل إعلام مصرية وأجنبية طالبا خلال مؤتمر صحافي قام بعقده بضرورة استرداد الميناء وملاحقة الشركة المسيرة له (شركة موانئ دبي) قانونيًا كونها تسببت بخسائر مالية فادحة لمصر.

وعلى الرغم من معارضة عدة وجوه سياسية ودبلوماسية للبلدان التي تتحكم في تسيير موانئها شركة موانئ دبي العالمية غير أنها استطاعت فرض سيطرتها على أزيد من 70 ميناء على مستوى العالم من الصين إلى غاية موانئ أمريكا اللاتينية مرورا بكل من أوروبا وإفريقيا لتتحكم أيضًا في تسير وإدارة أكبر ميناء أفريقي وهو ميناء الجزائر؛ ما مكنها من فرض نفسها كرقم صعب المراس في الملاحة البحرية العالمية لتكون بذلك أحد أقوى الدول المتحكمة في هذا المجال على المستوى العالمي؛ ما يخلق لها مكانة أممية جد مهمة، غير أن طموح دولة الإمارات العربية المتحدة عادة ما يستدم بطموح دول أخرى على غرار تركيا التي تحاول أن تقلل من التواجد و السيطرة الإماراتية على موانئ أفريقيا، حيث استطاع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في شهر ديسمبر (كانون الأول) من السنة الفارطة أن يوقع اتفاقية يتحكم بوجبها بسواكن الواقعة في منطقة البحر الأحمر والتابعة لدولة السودان، حيث استفاد من السيطرة على مينائها الذي يستخدم غالبًا في نقل المسافرين والبضائع؛ ليحد بذلك من التغلغل الإماراتي في المنطقة، ويلعب هو الآخر على وتر حساس، غير أن الواضح للعيان أن شركة موانئ دبي استطاعت أن تتفوق على الجميع بعد رسمها لخطة واضحة جعلت منها رقمًا صعبًا على المستوى العالمي.

وعلى صعيد آخر فإن التوسع المدروس في السيطرة على الموانئ يجعلنا نتأكد من كون الإمارات لا تسعى لأي من شعاراتها التي ترفعها بحجة المساعدات الإنسانية، بل لمصالح اقتصادية بحتة، خاصة وأنها استغلت سنة 2015 مطارات إريتريا ومينائها في تنفيذ هجمات على اليمن باستغلاله من قبل قواتها البرية والبحرية ناهيك عن قوات المملكة العربية السعودية الجوية والبحرية كذلك، وهذا يتجاوز مسعاها الاقتصادي ليصل بها إلى مساع أكبر وطموحات أكثر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الموقع الرسمي لمؤسسة موائ دبي -ميناء الجزائر-
وكالة أنباء الإمارات
عرض التعليقات
تحميل المزيد