منذ إنشائها سنة 1971 عرفت الإمارات العربية المتحدة بحيادها في العديد من القضايا العربية، وبدورها التنموي التضامني مع أشقائها العرب، خصوصًا بعد اكتشاف النفط في عهد زايد بن سلطان، حتى وإن اتخذت هذه المشاريع الاقتصادية طابع «الخيرية» في بعض منها.

لكن بعد وفاة الشيخ زايد، تغيرت سياسة الإمارات على المستوى الخارجي وإزدادت حدتها «اللا تضامنية» مع إستيلاء محمد بن زايد على دواليب الحكم، عقب إزاحة أخيه الشيخ خليفة «الوريث الشرعي» بداع «المرض» وعجزه عن إدارة شؤون البلد، وهو ما بات يعرف في علم السياسة الحديث بـ«الانقلاب الطبي».

سياسة محمد بن زايد ترتكز على التدخل في الشؤون السياسية الداخلية للبلدان العربية، عبر دعم فصيل ضد الآخر، وخوض الحروب بالوكالة على أكثر من صعيد تارة إقليمية في سوريا، اليمن، ليبيا، وحصار قطر. وتارة دولية ذات بعد اقتصادي سياسي، تحت غطاء ما يسمى «حرب الموانئ» مع الصين وتركيا وإيران.

لكن ما الذي دفع الإمارات إلى منطقة الساحل والصحراء؟

حكم محمد بن زايد المطلق في الإمارات، في غياب برلمان يمثل الشعب أو معارضة سياسية قوية قادرة على مواجهته، حتى من طرف أقوى العائلات الحاكمة التي يمثلها «آل مكتوم»، مكنه من تنفيذ برنامحه السياسي «المتهور» وقاد معه الإمارات إلى آتون حرب عسكرية بالنيابة عن الغرب، في ظاهرها تبدو «باردة»، ولكن مياه موانئها باطنيًا «ساخنة»، وقد وضعت «البطريق» الإماراتي في مواجهة «التنين» الصيني، أحد أكبر القوى الاقتصادية والعسكرية على وجه الأرض، كان أبرز نتائجها التخلي عن أهم موانئ القرن الأفريقي في جيبوتي لصالح الصين.

خسارة هذا الميناء الإستراتيجي، في القرن الأفريقي، دفعت بن زايد إلى الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة، بضوء أخضر غربي، من أجل السيطرة بالقوة على جزيرة سقطرى وميناء عدن باليمن، لكن الضربة الصاروخية الإيرانية الأخيرة بطائرات مسيرة عن بعد، كانت بمثابة الإنذار «الكارت الأصفر» الذي أوقف طموح بن زايد التوسعي، في وضع اليد على موانئ اليمن بصفة مطلقة، وهنا أيضًا وجد بن زايد نفسه في مواجهة الفارس الإيراني.

وبما أنه في السياسة، كما في الاقتصاد، عادة ما توجد خطة بديلة أو «Plan B»، فقد صارعت الإمارات إلى البحث عن بديل في أفريقيا الشمالية وبالضبط في منطقة الساحل والصحراء، وهي المنطقة المعروفة برمالها السياسية المتحركة وغير المستقرة أمنيًا، بحكم تواجد الجماعات الإسلامية المتطرفة، كتلك التابعة لتنظيم «القاعدة» أو الجماعات المسلحة المتمردة على أنظمة الحكم في بلدانها (مالي، تشاد، والنيجر)، إضافة إلى عصابات تجارة المخدرات.

وإذا ما افترضنا جدلًا أن الأمر مرتبط بحرب الموانئ (التي ذكرنا سلفًا)، فمنطقة الصحراء والساحل لا توجد بها موانئ إستراتيجية، وتقع في مجال جغرافي صحراوي شاسع، يربط حدود دول أفريقية كبرى، على مستوى المساحة، كالجزائر، مالي، النيجر، تشاد، وليبيا وجميعها تعاني ظاهرة الإرهاب والجماعات المسلحة. إلا أن مخطط الإمارات إنشاء قاعدة عسكرية في ظل هذا الوضع المتذبذب، شمال موريتانيا تمليه عدة عوامل جيوسياسية واقتصادية.

اقتصاديًا

منطقة الساحل والصحراء تحتوي على موارد طبيعية كبيرة يبقى أبرزها حوض تاودني الغني بالغاز والنفط، ومع تنامي رفض التواجد العسكري الأجنبي، خصوصا الفرنسي منه، في القارة الأفريقية، وفي إطار تعزيز السيطرة على مصادر المواد الخام الأفريقية، فإن التواجد الإماراتي العسكري الجديد لا يخرج عن إطار التنسيق مع الغرب، خاصة مع فرنسا (لأن دول المنطقة هي مستعمرات فرنسية سابقة)، لحماية وتأمين تدفق اليورانيوم من حقول النيجر والسيطرة على  حوض تاودني، الذي يمتد من موريتانيا إلى مالي، بالإضافة إلى مناجم الذهب في كلا البلدين ومعهم ليبيا والصحراء الغربية.

وهنا وجب التذكير أن صحيفة «الجارديان» البريطانية سبق وأن كشفت عملية تهريب لكميات كبيرة من ذهب الصحراء الغربية، نحو الإمارات، مغلفة بالنحاس، وهو الذهب الذي يعمل الجيش المغربي على استخراجه بصفة غير قانونية من مناطق يسيطر عليها في أقصى جنوب شرق الصحراء الغربية.

وبالتالي، فإن إنشاء قاعدة عسكرية، في بؤرة يعتبرها العالم غير مستقرة وقابلة للاشتعال في أي لحظة، مرتبط بحماية المصالح الاقتصادية السالفة الذكر بالدرجة الأولى، وله أهداف سياسية أخرى في المقام الثاني.

سياسيًا

بما أن دولًا غربية عظمى عجزت عن تأمين تواجدها بالمنطقة دون مساعدة الأنظمة الحاكمة المتواطئة كحالة تشاد، والنيجر، ومالي، فإن تواجد قاعدة عسكرية إمارتية، بمنطقة الساحل والصحراء، مرتبط بإستراتيجية مدروسة لإشعال فتيل حرب ربما كانت مؤجلة في الشمال الأفريقي، وهي الحرب التي كانت ستقودها الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2017، تحت لافتة «مكافحة الإرهاب»، بعد مقتل ثمانية من كبار ضباط إستخباراتها، في صحراء النيجر، على أيدي جماعة إسلامية تابعة لتنظيم «القاعدة».

اليوم، وبعد أن تسربت أخبار القاعدة العسكرية الإماراتية، بالرغم من النفي الموريتاني، إلا أن الربط بين ما حدث في النيجر ومشروع إطالة أمد الصراع الليبي فرض على الغرب البحث عن طرف إقليمي آخر ليقوم بالمهمة، حتى وإن كان هذا الطرف عربيًا. لأن مجرد الربط بين الساحة الليبية والساحة النيجرية، والتشادية، والمالية، سيجعل الأمر مفتوحًا على العديد من الاحتمالات أقلها تحويل شمال موريتانيا إلى قاعدة عمليات أو منطلق لعمليات عسكرية جوية وبرية.

وبالتالي إقحام دول الجوار في الحرب، كما حدث في سوريا حيث انخرطت تركيا والعراق، إضافة إلى إيران ولبنان. وانخراط المغرب والأردن، إضافة إلى السودان في العدوان على اليمن تحت غطاء «التحالف العربي» الذي تقوده السعودية والإمارات، بالرغم من البعد الجغرافي.

ومع أن دول الشمال الأفريقي، تعرف نوعا من «الاستقرار السياسي النسبي»، بل منها من شق طريقه نحو نظام حكم ديمقراطي قد يلبي مطالب الشعوب، وإن كان على المستوى البعيد كحالة تونس والجزائر، إلا أن الساحة الليبية لا زالت تعيش تبعات الصراع على السلطة، منذ موجة «الربيع العربي»، هذا الصراع الذي قد يجتاز حدودها البرية نحو ست دول أفريقية ضمن منطقة الساحل والصحراء، وبالتالي فالتواجد العسكري الإماراتي الجديد في شمال أفريقيا، قد لا يخرج عن إطار سياسة توسيع جغرافية الصراع عبر دعم الفصائل المتناحرة في ليبيا وإطالة أمده وتوفير الدعم المادي واللوجيستي الجوي لقوات الجنرال حفتر، بإنشاء مطار آمن تنطلق منه الطائرات العسكرية لقصف طرابلس، وهو السيناريو الذي يعيد إلى الأذهان قصف اليمن عبر المقاتلات العسكرية الإماراتية التي تنطلق من ميناء عصب بأريتريا بعد أن حولته الإمارات إلى شبه قاعدة عسكرية.

مخطط توسيع جغرافية الصراع لتصل دول «الاستقرار النسبي»، قد يشكل تهديدا للأمن القومي الجزائري؛ لأن حقول الغاز تتواجد في عمق صحراء الجزائر على الحدود مع ليبيا، وهو ما عبرت عنه الجزائر أكثر من مرة برفضها التدخل الأجنبي في الأزمة الليبية، وزادت حدة مخاوفها مع التقارب المغربي الموريتاني على المستوى الاستخباراتي بعد زيارة وفد أمني موريتاني رفيع المستوى، للعاصمة المغربية الرباط، وهو التنسيق الأمني الذي قد يبدو ظاهريًا مرتبطًا بالعلاقات الثنائية بين البلدين، ولكنه باطنيًا مرتبط بالأساس بمنطقة الساحل والصحراء برمتها، وبالدرجة الأولى بمستقبل مشروع القاعدة العسكرية الإماراتية المزمع إنشاؤها في المنطقة، وتدارس سبل تأمينها من هجمات الجماعات المتطرفة، التابعة لتنظيم «القاعدة»، والسعي لاحتواء الجماعات المسلحة المتمردة في شمال مالي، والنيجر، وتشاد، على أنظمة الحكم، لدعمها ماديًا وعسكريًا، وترويضها وفق مخطط مدروس، كما حدث مع الجنرال حفتر، من أجل تأجيج الوضع الداخلي في هذه البلدان الأفريقية.

هذا السيناريو المرتقب قد ينذر بـ«خريف أفريقي» يعصف بمنطقة الساحل والصحراء، تقوده الإمارات بالوكالة عبر تغذية «الإرهاب»، بالمال والعتاد، وبذلك تكون قد أنجزت ما عجز عنه قصر الإيليزيه طيلة عقود من الزمن.

وبالرغم من نفي السلطات الموريتانية لأمر القاعدة الإماراتية، إلا أنه يبقى من شبه المؤكد أنه حيث ما حل «برنارد ليفي العربي»، محمد بن زايد، اشتعلت الحرب وحل الخراب والدمار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد