في أحدث تحرُّك تطبيعي إماراتي، أوقفت الإمارات إصدار تأشيرات لمواطني 13 دولة، معظمها من الدول العربية، وهي سوريا، ولبنان، والعراق، وتونس، والجزائر، وليبيا، واليمن، والصومال، إضافة إلى دول إسلامية مثل إيران، وتركيا، وأفغانستان، وكينيا، وباكستان، وفقًا لوثيقة أصدرها مجمع أعمال حكومي. في المقابل، أعفت الإمارات الإسرائيليين من تأشيرات السفر في قرار صدر في مطلع الشهر الحالي.

وكَثُرت التكهنات حول السبب وراء هذا التحرك، خصوصًا تجاه الدول العربية والمسلمة، ولكن القضية ليست صعبة للغاية. إذ إنَّ الأهداف يمكن ربطها بالأحداث التي جرت على الساحة الخليجية- الإسرائيلية في الأسابيع القليلة الماضية.

ولإعطاء دليل واقعي على هدف الإمارات من هذا الحظر، يجب الرجوع إلى تقارير حديثة للغاية، تحدثت عن تفكيك الإمارات لشبكة مؤلفة من 15 شخصًا من جنسياتٍ مختلفة، كانوا يخططون للهجوم على المصالح الإسرائيلية في الإمارات. وما يؤكد هذا الربط بين الحوادث الأمنية في الإمارات وعملية حظر دخول مواطني 13 دولة عربية ومسلمة، هو ما أوردته وكالة «رويترز» للأنباء من «أن الإمارات أوقفت مؤقتًا إصدار تأشيرات دخول لمواطني عدة دول لاعتبارات أمنية».

وفي السياق ذاته، تأتي عملية الحظر هذه، بعد تهديدات جدية من داعش ضد دول التطبيع. حيث أطلقت داعش تهديدات ضد دول التطبيع بتاريخ 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، تعهدت باستهداف الدول المطبعة. وبالفعل فقد تحركت في السعودية، حيث تبنَّى تنظيم «داعش»، (في 12 نوفمبر)، الاعتداء الذي استهدف احتفالًًا في مقبرة «الخواجات» لغير المسلمين بمدينة جدة السعودية، والذي أدَّى لإصابة اثنين أحدهما يوناني.

إنّ خطوة الإمارات في التطبيع مع إسرائيل، دون الأخذ بعين الاعتبار البعد التاريخي والديني للقضية الفلسطينية في نفوس مواطنيها ومقيميها، تعد خطوة عجولة ومتسرعة للغاية. إذ إن اقتصاد الإمارات قام على أكتاف المهاجرين العرب والمسلمين، وبالتالي التحرك نحو التطبيع مع دولة عدو مثل «إسرائيل»، سوف يوفر المناخ لظهور جماعات وأفراد متشددين للتحرك ضد المصالح الإسرائيلية. هذه البيئة الخصبة لم يجر توفيرها بالنسبة للمتشددين فحسب، بل هي موفرة للمعتدلين كذلك، فالحملة التي أطلقتها الإمارات في مواقع التواصل الاجتماعي عقب التطبيع مع إسرائيل، ساهمت بقمع حرية الرأي لدى فئات واسعة رفضت التطبيع.

والتهديد الذي مورس ضد هذه الفئات بإبطال إقامتهم على سبيل المثال، جعل هذه الفئات تشعر بالانزواء وعدم المشاركة بصنع القرار السياسي. وتويتر مليء بمثل هذه التعليقات والتهديدات لعل أشهرها ما قاله الإماراتي جمال بن خريطان، وهو ناشط ومشجع رياضي معروف، في فيديو من داخل سيارته؛ إذ قال بلهجة تهديد: «يا غريب كن أديبًا». ويتابع خريطان: «ترى هذي مو قطيرة (قطر) تتكلم بكيفك وتكتب على كيفك، إنت في دولة الإمارات عاجبك الوضع أهلًا وسهلًا، مب عاجبك الوضع، الجهات المختصة بتشوف شغلها معك».

ومن الأسباب التي نعتقد بأنّ الساحة الخليجية اليوم أصبحت مؤهلة لظهور التطرف (لا سمح الله)، هي ما يلي:

• البُعد التاريخي، حيث كان لبلدان الخليج دور مهم بدعم الجماعات المتشددة أيام الحرب الأفغانية، وعلى إثر ذلك ظهر ما يسمى بالمجاهدين العرب والذين كانوا يتلقون دعمهم من التبرعات العلنية القادمة من دول الخليج وخاصة السعودية والإمارات؛ وذلك بناء على طلب أمريكي لمواجهة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي.

• صحيح أنَّ القاعدة وداعش تلقت ضربات قاسية في العراق وسوريا، إلا أن نفوذهم لم يختف أبدًا. وبالطبع تستغل هذه الجماعات الخطاب الغاضب اليوم، المتمثل بالخطاب المعادي لإسرائيل. حيث اتجهت الدول الخليجية نحو التطبيع وظهرت فئات غاضبة رافضة لهذا التطبيع، إلا أن الحكومات تقمع هذه الفئات، مما يشكل بيئة خصبة لظهور القاعدة وداعش، بعد الهدوء النسبي الذي شهدته الساحة الخليجية على مرِّ السنوات الماضية.

• تتمتع منطقة الخليج ببعد اقتصادي استراتيجي، يتأثر العالم أجمع بتأثرها، حيث يخرج من هذه المنطقة أكثر من ثلث واردات النفط إلى العالم أجمع، وهزّ هذه الدول يبعث برسالة بأنّ التنظيمات المتشددة لم تمت بعد.

• بحسب رئيس «مركز ساس» للأبحاث ودراسة السياسات، عدنان هاشم، إنّ إعلان التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي «يدعم وجهة نظر الجماعات المتطرفة تجاه الأنظمة الخليجية ويزيد شعبيتها والمتعاطفين مع تلك الجماعات». ويؤكد أن القمع وحظر أي مظهر من مظاهر التنفيس الشعبي بالتنديد والإدانة لقرار السلطات التطبيع – وأخطر ذلك في الإمارات وبدرجة أقل في البحرين- «واحد من الأسباب التي قد تدفع المجتمع للتساهل مع تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب على وجه الخصوص، ومنطلق من منطلقات التجنيد الجديد في صفوف التنظيم، إذا ما فرضنا أن تنظيم الدولة لم يعد يحظى بشعبيه كبيرة حتى في أوساط الجهاديين، بعد انهيار دولته في العراق».

وبعد أن اتضح أنّ هناك ربطًا مهمًّا للغاية بين إعلان حظر دخول مواطني 13 دولة عربية- مسلمة، وبين التطبيع الإسرائيلي- الإماراتي وتداعياته الأمنية، يبقى السؤال الأهم وهو، هل الحظر هو الحل الصحيح لهذه التهديدات الأمنية؟

نختم مقالنا هذا بالقول بأنّ الحظر لا يعد خطوة على الاتجاه الصحيح، وذلك لأن الحل يجب أن يتضمن اعترافًا إماراتيًّا بأنهم أخطأوا وتسرعوا عندما هرولوا بعملية التطبيع مع إسرائيل. إسرائيل التي يعدها الشعب المسلم (حتى في الإمارات نفسها) عدوًّا أزليًّا اغتصب الأرض وانتهك العرض والدم. وما عملية الحظر هذه إلا تصرف عنصري ضد الدول العربية- المسلمة، لا يفعل شيئًا سوى تأجيج الشعور بالغضب خصوصًا بأن الإمارات تعفي الإسرائيليين من التأشيرة للدخول إلى أراضيها، بينما تمنع العرب والمسلمين من دخول أراضيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد