ليس مجرد فكرة هلامية، كما يتبادر، ولا هو توصيف لما يضمه التجلي الإجماعي الذي تشهده مفاصل حكومية كثيرة إجرائيًّا في أغلب الحالات، وليس أبدًا مجرد إجماع رئاسي عادي، ولا هو رؤية فريق رئاسي طال عليه الأمد؟ وليس أيضًا ذاك الإجماع السياسي الذي أسسته فتوحات العهدات الأربعة، وما تخللها، وما تلاها.

لأن الخضم المساري الطويل لها عرف نزولًا للبعض طوعًا أو كرهًا، كما أنه ليس مطلقًا شيئًا من الإجماع الآخر، ذاك المصلحي المتعارف عليه عبر العصور والعلوم السياسية بسطوة شخصيات نافذة، على منافع مهما تنوعت أشكالها أو مسمياتها، ليس هذا المقصود أبدًا؟

«الإجماع البوتفليقي» شيء آخر تمامًا، إنه فكرة جوهرية يصعب ضبطها إجرائيًّا، قد أخذت مكانها الطليعي بعد سلسلة من التطورات الأمنية والاقتصادية والشخصية المرتبطة رأسًا بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة منذ الغداة.

مما أعطى ما يمكن تعريفه «بالإجماع البوتفليقي» تلك الإرادة، من مسار تسييري وكأنه عصب سكن الجسد الحكومي فتراه يثير لا إراديًّا، وبالاقتراب قليلًا من منطق الحكم البوتفليقي بعهداته، ومشاريعه، ورؤاه للجزائر الجديدة، تلمحه واضحًا لا تخطئه العين، أو بالابتعاد قليلًا عن متاهات البهتان التأويلي السياسي لبعض المعارضة، تلمحه أيضًا لا تخطئه العين، درسًا من التاريخ القريب رفعته مآلات الجديدة.

على كل حال، إنه إجماع تنظيري، فكري، طلع بعد الفراغ الذي تلا الانقلاب على الجبهات الثلاثة، واستمر إلى العهدة الأولى، ربما كان الجهد إعادة إحياء مفاهيم كثيرة لعل مفهوم «الرئيس» الأكثر حضورًا، وفكرة الوطنية، والحكومة، والمشروع الإجماعي، الذي بدأ مشروعًا كبيرًا، واستمر بإنجازاته المكللة «بالمصالحة الوطنية» أعظم التجليات، واشتد أكثر بمصطلح جديد تمامًا طلع منذ العهدة الثانية، مصطلح: أحزاب الموالاة.

وكي لا نذهب بعيدًا في فهم «الفكرة، من الإجماع البوتفليقي»، والتي أضحت متحكمة لا إراديًّا في أشياء كثرة، علينا أن نفهم أولًا، أن حزبين كبيرين هما «الآفلان والأرندي»، الأول يكاد يمثل النسبة الأعظم من المتحزبين الجزائريين، والثاني يكاد يكون الأقوى تنظيميًّا وتمثيليًّا، ويأتيان ركيزتين أساسيتين لهذه الفكرة الإجماعية؟

وهما كافيان لاستمرارها، على مقاسات من بعض الديمقراطية واشتراطاتها، وتأتي أحزاب الموالاة كما الطيف الزاخرة ألوانه للزخم السياسي، من الإسلام السياسي، والتقدميين ملمحًا مهمًّا. رفقة اغلب الأحزاب الجديدة، والتي في الحقيقة استطاعت أن ترفع اصواتًا كانت صامتة من الأجيال الجديدة، وبعض قوى الحياد، فيما تأتي الجمعيات الجزائرية بشتى المشارب، والأيديولوجية متضمنة تحت «الجمعية الوطنية للجمعيات المساندة برنامج الرئيس عبد العزيز بوتفليقة» وهي أكثر بكثير من جمعية عادية، وأقل قليلًا فقط من حزب.

كلها رافعات «الإجماع البوتفليقي» والذي تحت هذه القوى مجتمعة معًا، إجماع سيحدد جوهر الرئاسيات القريبة، والتي لن تخرج من هذا الاجتماع البوتفليقي المعني بالغد الجزائري الممن؟

ما هو؟ ما طبيعته تقريبًا؟

إنه أكثر من قواعد، وآليات حزبية، ومنظمات وجمعيات، بتفاوت في المشارب والمرجعيات، وإنه أوسع بكثير من منصة من الأسماء التي تشكل ربما «قيادة».

تنظيرًا، إنه يملك من الأبعاد الوطنية ما يملكه المفهوم الوطني الجزائري الجريح، ويتحلى بقدرة عالية على التفاهم والاستيعاب، وعلى المراجعات، والتأصيل التاريخي والمستقبلي، مما مكنه أن يعكس أنوارًا من الجزائر التاريخية والحديثة، وأنوارًا من الجزائر الجديدة التي تطرق الأبواب.

أبعاده الوطنية، هي مقاسات المفهوم الوطني الأول، بيان أول نوفمبر وما تلاه. وفي الخضم يقف على لبنة «العصر البومديني» منذ التصحيح الثوري، أو الانقلاب البومديني كما يسميه معارضوه، ثم إن ما تلا من تجليات الأزمنة الجريحة الأخيرة تشكل أيقونة الجهد الإجماعي البوتفليقي لاج لأن لا يتعود؟

ربما «الإجماع البوتفليقي» والبومدينية بمقاسات عصر الألفية الجديدة، وتحديات الاقتصادي والسياسي التي اختلفت تمامًا عما كان سائدًا.

إجماع صلب، متماسك، متضامن أكثر مما يظن، سيما عند تعامله اليومي والقضايا الحرجة، الرئاسيات المقبلة، القضايا المتشابكة كالإثنيات والهوية والإسلام السياسي، والقضايا المفاجئة كالمظاهر الاحتجاجية، أو الجوع النقابي والتظاهر، ومحاربة الإرهاب الإسلاموي، ولا أقول الإسلامي.

إن «الإجماع البوتفليقي» متعددة مشاربه، ومختلفة مصادره الثقافية والسياسية والتاريخية والمؤسساتية، فيه من قوى الحداثة ما يكفيه، ومن القوى الشبابية ما يغنيه، ومن القوى التاريخية ما يصونه، ومن القوى الوطنية ما يحول دونه والانجراف القاتل؟ كل هذه القوى انصهرت عبر الزمن البوتفليقي فيما أسميناه: الإجماع البوتفليقي.

أضحى بعدها كتلة صامدة، كتلة صادمة ومقاومة، بتعداد من المثقفين والسياسيين والاقتصاديين والعسكري مهولًا، كلهم مع الاختيارات الوطنية لهذا الإجماع.

قد يلتبس على هذا الإجماع أحيانًا بعض الأخطاء لكنها سريعًا، يحتويها زمام المبادرة لتعود ضمن دروب التجديف الأولى.

لقد صار منهجًا سياسيًّا في الجزائر إجماع العهدات الأربعة التاريخية.

قد يقال: إن هذا الإجماع الذي تقدمه المقالة، ليس وطنيًّا أبدًا؛ لأن نهش منظومة الفساد تمكن من القلب، وإن الرشوة أضحت ثقافة، والمحسوبية وجراح أعمق تأكل الجسد الجزائري، وإنه كلام له من الجدارة ما له، وفي جميع الأوقات، لكن ألم يفتح الإجماع البوتفليقي منظومة للارتقاء بالنزهاء من الأجيال الشابة المؤهلة، على أقل تقدير، تنديدًا وتشهيرًا بالفسدة والمفسدين.

ألم يسمع الإجماع البوتفليقي عبارات النقد اللاذع، وبلغت في أحيان كثيرة أسقفًا كانت لا تطال؟ ألم يتحرر المجتمع قليلًا من قيود التعبير، والتظاهر، وحرية التصويت والمقاطعة وإن بفسح ضئيلة تنتظر الأكثر، لكنها فسح أكثر وضوحًا في الإجماع البوتفليقي، مقارنة بأزمنة ما تلا الانقلاب على الجبهات الثلاثة.

وأخيرًا، قد تتشعب وجهات النظر بما لا يمكن الاتفاق، لكن الجزائر الآن يتجلى فيه «الإجماع البوتفليقي» جيدًا وبوضوح لمن يتبصر، وعلى ما يبدو أنه فكرة محتملة الاستمرار إلى عقود قادمة من الألفية الجديدة، ولو بدون الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الأفلان، والأرندي، حزبان حاكمان في الجزائر.
العصر البومديني: نبسة إلى الرئيس هواري بومدين 1965- 1978.
عرض التعليقات
تحميل المزيد