صيحة غير مألوفة

الممثل الكوميدي الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يكتسح الانتخابات الرئاسية بنسبة 73%، بعد أن قدم مسلسلًا تلفزيونيًّا خادمًا الشعب لمدة ثلاث سنوات، لعب فيه دور المنقذ الطاهر، في المقابل نجد بعض الأحزاب تمكث عشرات السنوات، وتصرف ملايين الدولارات للوصول لكرسي الرئاسة وتفشل في النهاية، وفي وطننا العربي نجد البعض الآخر يستولي على ذلك الكرسي بالقوة، عن طريق الانقلابات العسكرية الدموية، مفارقة واضحة تستدعي تأمل ذلك النجاح الباهر، حدث لربما يقلب طبيعة العلاقة بين علم الإعلام وعلم السياسة رأسًا على عقب، ويستدعي الكثير من الأسئلة، فمنذ ظهور مصطلح #السلطة_الرابعة إشارة لوسائل الإعلام الجماهيري الحديثة، استخدم السياسيون هذه السلطة في معاركهم الانتخابية بهدف جذب الناخبين، واستخدموها أيضًا لدعم السلطات الثلاثة المتبقية (تشريعية- تنفيذية- قضائية)، ولكن الغريب في التجربة الأوكرانية أن السلطة الرابعة هذه المرة، ومن خلال جزء بسيط منها هو السينما، تحولت من أداة يستخدمها السياسيون لجذب الناخبين، إلى فاعل ومؤثر، بل صانع لسياسة، إذن ما السر؟

تساؤلات

هل فعلًا وصل الأوكرانيون إلى هذا الحد من الرقي السياسي؟ أم أنه انحطاط وتخلف سياسي ضرب الوعي الجمعي للأوكرانيين، وأنهم ليسوا سوى أسرى لشاشة التلفاز؟ التي في الغالب ما تنقل للمشاهد جزءًا من الحقيقة وليس الحقيقة كلها، أم أن #فولوديمير كشف السر الذي يجهله الكثيرون، وهو أن السياسي الناجح هو الممثل البارع؟ وفي حال نجاحه في إدارة الدولة هل سنشهد نماذج جديدة لممثلين جدد تلقي بهم الشاشة لكرسي الحكم؟ ولمن يحسب نجاحه؟ له شخصيًّا أم لكاتب النص والمخرج؟

المقاربة الأوكرانية العربية ونتائجها

في البداية جميعنا نتفق على أن الثابت في السياسة متحرك، ولكن دعونا نقارب هذه التجربة بالواقع السينمائي والسياسي، والعلاقة بينهما في عالمنا العربي، علنا نعثر على بعض الأجوبة عن تلك التساؤلات؛ فالأشياء تعرف بأضدادها، فعندما ننظر نظرة متفحصة إلى هذه العلاقة نجدها، وللأسف الشديد، علاقة مشوهة، غير متناسقة إطلاقًا؛ فنجد السينما تنقسم إلى قسمين، القسم الأول: يخضع لرقابة مشددة، لذلك نجده يمجد النظام الحاكم، ويصنع من الديكتاتور أسطورة خالدة، أما القسم الثاني: لا يخضع لرقابة، ولا يمت للواقع السياسي بصلة، ويكاد يكون مفصولًا عنه أصلًا، ولا يدعم المصلحة الوطنية ولا القومية، ولا حتى الدينية، وفي هذه الحالة يكتب الكاتب السينمائي بدون حسيب ولا رقيب، دون أن يخالط الناس، ويعرف حاجاتهم الحقيقية، وللأسف نجده إما يحرض ضد دولة القانون، وظهر هذا واضحًا في كثير من الأفلام والمسلسلات العربية الجديدة، دون الإشارة لأحد، وإما يهدد الأمن والسلم الاجتماعي والأسري، ويهدم الموروث الثقافي العربي المحافظ، إذ يصنع من اللص والبلطجي قدوة ونموذجًا لإنسان صالح، ويظهر العاهرات بمظهر الضحية دون الإشارة أيضًا لأحد. هذا المرض الذي فتك بالكثير من المخرجين والكتاب العرب أشار إليه المفكر السعودي «علي الهويريني» في لقاء مع إحدى القنوات الخليجية، عندما سئل عن سبب اعتزاله السينما، وهو أول مخرج سينمائي خليجي، فكانت الإجابة الشافية؛ إذ إنه وضح القواعد الأربعة الرئيسية للكتابة السينمائية التي لم يعد يلتزم بها أحد من الكتاب والمخرجين العرب، وهي (الأمن، الموروث، المرجعية، المال) هذه القواعد الأربعة تختلف من مجتمع لآخر؛ فلكل مجتمع ظواهره الإنسانية الخاصة التي تضبط سلوكه وتميزه عن الآخر، الأوكرانيون قدموا للعالم نموذجًا رائعًا «صرخة_جديدة» في عالم السياسة، والأيام كفيلة بالحكم على نجاح هذا النموذج أو فشله، وكفيلة أيضًا بمعرفة إن كان الشعب الأوكراني شعبًا واعيًا سياسيًّا، أم أن كل ما جرى هو مسرحية هزلية بطلها ممثل كوميدي استطاع سلب عقول الأوكرانيين.

الاستنتاج وكشف السر

بعد هذه المقاربة البسيطة للحالتين، العربية والأوكرانية، قد نفسر بعض جوانب سر النجاح البارع الذي حظي به فولوديمير، وهو أن الإعلام الأوكراني بالعموم لم يجر لصالح نظام حاكم، ولم ينفصل عن الواقع، بل حافظ على استقلاله؛ لذا فهو يستحق لقب السلطة_الرابعة، بينما في حالة إعلامنا العربي، كما أسلفنا، إعلام منقسم مشرذم ضائع؛ لذا لا يمكن لنا كعرب أن نقول إن في نظمنا السياسية سلطة رابعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد