تأسس اتحاد المغرب العربي (UMA) في إطار موجة التكتلات الإقليمية التي يعرفها العالم لمواجهة تحديات العولمة والتغيرات الجيوسياسية التي تضرب المنضومة الدولية طولًا وعرضًا، ارتبطت بلدان UMA بحكم خضوعها للاستعمار الغربي بالأسواق الأوروبية (UE، AELE) وتأثرت بالتغيرات الماكرو-اقتصادية التي تعرفها أوروبا بشكل عام، كما ارتبطت بالقوى الاقتصادية العالمية خاصة بأمريكا (ALENA) واليابان، مع انفتاحها على القوى الناشئة بآسيا (ASEAN)، ونتيجة لهذه الارتباطات أصبح الاتحاد يشكل هامشًا مندمجًا تابعًا لاقتصاديات الدول المتقدمة، غير أن هذا الاتحاد بات يعيش وضعية إعاقة ثمثلت في السياسية الميثة لدوله  وكذلك غياب المبادلات التجارية، علمًا بأن هذه الأخيرة يمكن أن تشكل حلًا واقعيًا وفعالًا تحسين العلاقة بين دول شمال أفريقيا من خلال التجارة الخارجية المرتكزة أساسا على قواعد المنشأ، حيث باتت هذه الأخيرة تكتسي أهمية بالغة، خاصة في السنوات الأخيرة؛ إذ صبحت أحد مرتكزات النظام التجاري الدولي الأساسية، ويرجع السبب في ذلك إلى تعقد وتشابك العلاقات التجارية بشكل كبير جدًا، خصوصًا في الاتفاقيات الدولية، ستساهم قواعد المنشأ عمومًا على الاندماج التجاري والاقتصادي بين دول شمال أفريقيا في حال التوصل لصيغة مشتركة، سنحاول إذًا ملامسة بعض الإشكالات:

  •  ما هي الوضعية الراهنة لاتحاد المغاربي؟ 
  • باعتبارها آلية التجارة الدولية، كيف يمكن لقواعد المنشأ أن تشجع على الاندماج الاقليمي بين دول الاتحاد المغاربي؟

أولًا: الوضعية الراهنة للاتحاد المغاربي

  • صراع الريادة Leadership

  هناك من حكم على اتحاد المغرب العربي UMA أنه ولد ميتًا؛ وذلك بالنظر إلى المشاكل السياسية الكبيرة العالقة بين دوله والتي شكلت عائقًا أمام الاندماج الكلي، وتحقيق أهداف الاتحاد المرسومة سلفًا، فاختلاف الأنظمة السياسية والنزاعات الحدودية الموروثة عن الاستعمار بين دول الاتحاد، ورغبة كل دولة في الريادة والزعامة على الصعيد الإقليمي، كانت من بين العوامل المؤثرة سلبًا على سير الاتحاد نحو أهدافه المنشودة.

  • إشكالية الصحراء المغربية Sahara marocain

تعتبر إشكالية الصحراء المغربية أكبر عقبة تواجه تفعيل مشروع اتحاد المغرب العربي منذ تاريخ إعلانه، فالجزائر بسبب تماطلها في هدا الملف ودعمها للكيان الوهمي لم تترك أي خيار آخر نحو المضي قدمًا في درب الإصلاحات، فالمؤشرات التاريخية تقر على مغربية الصحراء، لكن الجزائر تقف حجر عثرة بسبب دعمها للكيان الوهمي ما ينعكس سلبًا على المفاوضات داخل الاتحاد المغاربي.

  •   شراكة دول الاتحاد مع الغرب 

  أغلب دول الاتحاد مرتبطة بشكل وثيق مع الغرب المتمثل في الاتحاد الأوروبي، فكل من المغرب، الجزائر، وتونس، لها علاقة تجارية مع أوروبا، خصوصًا عقد الشراكة بين أوروبا، ودول شمال أفريقيا.

  •  الدبلوماسية الاقتصادية الهشة Diplomatie Economique

  يهتم مجلس وزراء الخارجية بالتنسيق في مجال العلاقات بين دول اتحاد المغرب العربي، ومحاولة تقريب وجهات النظر المتباينة جراء النزاعات الجهوية أو الأزمات العربية. غير أن التعاون الدبلوماسي المغاربي يكتفي بالبيانات المعلنة بعد كل قمة لرؤساء الدول، وتكرار الخطاب المألوف لدى الدبلوماسية العربية، ولا يخرج بأي موقف مشترك بخصوص النزاعات الجهوية الدبلوماسية المغاربية فقيرة جدة، ولا تحظى بأهمية بالغة.

  •   التجارة الخارجية Flux commerciaux

 العلاقات التجارية بين دول الاتحاد ضعيفة جدًا، بل ليس هنالك أي تبادل تجاري بين الدول. ذلك أن التجارة بين الدول المغاربية تشكل أدنى معدلاتها عالميًا مقارنة بالمجموعات الاقتصادية الأخرى؛ إذ لا تتجاوز.

UMA: 3%

 %ASEAN: 22

  UE: 60%

ALENA: 20%   

 ثانيًا: دور قواعد المنشأ في إحياء منظومة الاتحاد المغاربي

تعتبر قواعد المنشأ في التجارة العالمية من الركائز الأساسية والبالغة الأهمية في الأعمال الجمركية، خاصة عند الحديث عن التكتلات الاقتصادية، حيث أصبحت أحد أهم مرتكزات النظام التجاري الدولي، كما أنها تلعب دورًا حيويًا في الاندماج الاقتصادي من خلال:

  •  تراكم المنشأ  – Accumulation of Origin

عندما تحكم قواعد المنشأ التجارة بين بلدين أو طرفين، فإنها تكون ضمن إطار ما يعرف بتراكم المنشأ الثنائي، ولكن عندما تحكم قواعد المنشأ التجارة المتبادلة بين أكثر من طرفين، فإنها تكون ضمن إطار ما يعرف بتراكم المنشأ القطري، أي المتعدد الأطراف.

إن تراكم صادرات أي من الدول الأعضاء يمكن من الحصول على المعاملة التفضيلية بموجب الاتفاقية عند استخدامها لمكونات إنتاج أو مدخلات من أي من الدول الأطراف الأخرى عند تصنيع السلعة النهائية، واحتساب تلك المكونات على أنها مكونات محلية وليست أجنبية، دون الالتزام بشرط التشغيل الكافي، يعني تراكم المنشأ أن المنتجات التي يكون منشؤها أية دولة في منطقة تجارة حرة، يمكن أن يدخل عليها عمليات تصنيع أكثر أو يمكن إضافتها لمنتجات يكون منشؤها دول أخرى في نفس المنطقة.

  • تحقيق تكامل الإنتاج

بين الدول العربية هو من أهم الأهداف التي يجب أن تسعى لتحقيقها دول الاتحاد المغاربي، وهو هدف لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال اعتماد قواعد منشأ تفضيلية تتيح للدول أعضاء المنطقة تحقيق منتج عربي، (صنع في شمال أفريقيا) بمشاركة عناصر إنتاج من عدة دول عربية وبخطوات تصنيعية متدرجة، وفي هذا الإطار وجب على دول الاتحاد المغاربي أخد العبرة من تكتلات الـ(ASEAN، ALENA)

  •   الصيغة نهائية

تحدد بموجبها القواعد المتفق عليها للمنتجات ذات المنشأ العربي، إن لم يحدث الاتفاق على صيغة نهائية ستتعزز مخاوف دول الاتحاد المغاربي من منافسة السلع غير العربية ودفع بها إلى طلب الاستثناءات.

  • الحركية التجارية 

تلعب قواعد المنشأ دورًا حيويًا في الحركية التجارية للبضائع حيت تساهم في الاندماج الاقتصادي والتجاري بين البلدان المنضوية تحت المعاهدات والاتفاقيات، وذلك كونها تشجع استعمال البضائع القادمة دول الاتحاد، تكامل اقتصادي: كما هو معروف في أبجديات التجارة الدولية، لا يمكن لأي اقتصاد أن يحقق اكتفاءه الذاتي، وبذلك فدول المغرب محتاجة لبعضها البعض من ناحية تبادل السلع، وبالتالي فقواعد المنشأ موجهة لتنمية التجارة البينية.

  •  تبسيط وتسهيل قواعد المنشأ

يجب أن تكون بين دول (UMA) لتطبيقها على عدد من المناطق التنموية والصناعية، وذلك ما سيترتب عنه توسيع آفاق الاستثمار وفرص تدفق الصادرات إلى أوروبا (قاعدة التراكم).

  • اللجنة الجمركية المشتركة

يجب إنشاء اللجنة الجمركية المشتركة لدول الاتحاد المغاربي بحضور رؤساء إدارات وسلطات الجمارك بالدول الأعضاء الاتفاقية (الجزائر، تونس، المغرب، ليبيا، موريتانيا)، وذلك لمناقشة وبحث موضوعات قواعد المنشأ والتعاون الجمركي بين سلطات الجمارك في الدول الخمس تحقيقًا لأهداف المرسومة.

من خلال ما سبق التطرق اليه في السطور يظهر جليًا الدور الكبير الذي يمكن أن تقوم بها قواعد المنشأ كحل من أجل إحياء منظومة الاقتصادي المغاربي، فقواعد المنشأ تساهم في تدفق المبادلات التجارية بين الدول الأعضاء من خلال قاعدة التراكم، فالتأثير المركزي لقواعد المنشأ يتجلى في تحسين وتيرة الاستثمارات بين الدول المغاربية عن طرق قواعد المنشأ التفضيلية، إن حدث التفاهم اقتصاديًا فربما قد ينعكس ذلك على الجانب السياسي والجيوسياسي، إذًا فالمرحلة المقبلة تتطلب الجلوس لطاولة المفاوضات بين الدول لإيجاد صيغة نهائية مشتركة لقواعد المنشأ اقتصاديًا للمضي قدمًا نحو ركوب الدول الكبرى والتكتلات الاقتصادية العظيمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد