تحمل طبقات الأرض حكاية عمر البشرية الممتد لآلاف السنين، بعضها نكتشف أسراره بالمصادفة أو عبر عمليات التنقيب، والبعض الآخر نعلم به من خلال عمليات التدوين التي عمل عليها جيل وراء جيل حتى وصل إلينا اليوم.

والحقيقة أنه ليست طبقات الأرض وحدها من تروي لنا الحكاية وكم من البشر مروا من هنا. فبعض المباني التاريخية تقوم بنفس الدور لتبين لنا كم الاختلاف الذي طرأ على الإنسان من عصر إلى عصر. ومن ضمن هذه المباني التاريخية الجامع الأموي في دمشق. فمن منا يتصور أن لهذا المبنى تاريخًا يعود إلى ما قبل الإسلام والمسيحية؟

في صيف عام 2019 وقف البروفسور آلين فؤاد المتخصص في الفن والعمارة الإسلامية ليروي لنا تاريخ الجامع الأموي الممتد لأكثر من ألفي سنة، وكانت تلك المحاضرة ضمن مجموعة من المحاضرات التي تتناول تاريخ وحضارة سوريا، وما بها من آثار متميزة، حاضر فيها مجموعة من الأساتذة المتميزين في قاعة المحاضرات في متحف الفن الإسلامي بالدوحة.

من معبد إلى كنيسة

رجع بنا البروفيسور فؤاد للقرن الأول الميلادي عندما شُيّد معبدًا للإله چوبيتر، أحد آلهة الرومان القديمة، حينما كانت الإمبراطورية الرومانية مكتسحة أغلب الأراضي المطلة على البحر المتوسط.

كان المعبد في هيئته المعمارية يشبه كثيرًا معبد جوبيتر في بعلبك اللبنانية، والذي ما زال موجودًا إلى اليوم. وقد ظل المعبد قائمًا لمدة أربعة قرون حتى القرن الرابع الميلادي، حينما تحول الإمبراطور الروماني قسطنطين للديانة المسيحية وبدأت الدولة بعدها بالتدريج تحارب مظاهر العبادة الوثنية عن طريق غلق دور العبادة الوثنية وإتلاف الكتب التي تتضمن الفكر الوثني والتضييق على الذين يدينون بالديانة الوثنية، حتى جاء الإمبراطور ثيودوس وحول المعبد إلى كنيسة القديس يوحنا المعمدان.

من كنيسة إلى جامع

ظل المبنى كنيسة لمدة ثلاثة قرون، حتى بعد دخول المسلمين الشام سنة 634م ولم يمس طيلة حكم الخلفاء الراشدين. وفي خلافة معاوية بن أبي سفيان، طلب شراء الكنيسة لكي يحولها إلى جامع، حيث كان مقر حكمه في قصر الخضراء المقابل للكنيسة، فرفض المسيحيون حينها، وخَصص فقط غُرفة صغيرة في الجزء الجنوبي الشرقي للكنيسة كمصلى للمسلمين.

وبعد تولي عبد الملك بن مروان الحكم ليصبح خامس خليفة في ظل الدولة الأموية، عرض مرة أخرى شراء الكنيسة، ولكن المسيحيين رفضوا، إلى أن كانت خلافة الوليد بن عبد الملك سنة 705م الذي قرر تحويل الكنيسة إلى جامع، بالرغم من العرائض التي قدمها بعض المسيحيين وقتها ضد عملية التحويل، ولكنه حاول تعويضهم بإرجاع بعض الأملاك المصادرة منهم.

الجامع الأموي

لقد استغرق تحويل الكنيسة إلى جامع حوالي تسع سنوات، عمل فيها عمال مسيحيون من جنسيات مختلفة كالأقباط واليونانيين وغيرهم. وقد تم عمل النقوش والرسومات بالموزييك ورسومات أشجار مستوحاة من بعض تصميمات الكنائس المعاصرة لتلك الفترة مثل كنيسة سان ڤيتالي بإيطاليا أو القصر الكبير بالقسطنطينية (إسطنبول)، وقال البعض: بل هي مستوحاة من الأشجار في غوطة دمشق.

والمُتأمِل في حركة التحويل من معبد إلى كنيسة، ثم إلى جامع يدرك كيف كانت للسلطات الحاكمة دور كبير فى التأثير على معتقدات الناس وتوجهاتهم من خلال أدواتها المختلفة.

وإن كانت السلطة في الماضي قد قادت عمليات تحويل دور العبادة والتأثير في توجهات الناس، فالسلطة اليوم حتى في النظم الديمقراطية ماز تلعب نفس الدور في عملية التأثير على آراء الناس وتوجهاتهم بما تملكه من أدوات أكثر فيكفي منظومة القوانين والتشريعات والإعلام وغيرها من الأدوات التي قد تستخدم بشكل سلبي أو إيجابي حسب توجه كل سلطة، وإن كان الاختلاف اليوم في تعدد المنابر بحيث تحول كل منبر منهم إلى سلطة قائمة بذاتها لها القدرة على التأثير على الأفكار والتوجهات.

/
رسومات الأشجار تشبه أشجار غوطة دمشق

رسومات الأشجار تشبه أشجار غوطة دمشق

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد