منذ أيام قلية كُنت أُشاهد فيلم the pianist، وهو فيلم مأخوذ عن سيرة ذاتية لعازف بيانو «بولندي يهودي» يدعى «فالديك سبيلمان»، ويوثق الفيلم معاناة يهود بولندا تحت الحكم النازي في «جيتو وارسو».

دفعني الفيلم إلى مشاهدة المزيد من المواد الوثائقية المتعلقة بجيتو وارسو والإبادة النازية «ليهود بولندا»، وأنا أُشاهد تلك المشاهد غير الإنسانية تذكرت مقولة «إدوارد سعيد»: «فرادة موقفنا هي أننا ضحايا للضحايا».

صحيح كل مصيبة إنسانية تكون مختلفة عن الأخرى، ولا أريد أن أبحث عن نوع من التكافؤ، لكن بالتأكيد هناك تشابه كبير بين الحكم النازي الألماني والاحتلال الصهيوني لفلسطين.

لكن شتان الفارق بين ضحايا «العم سام» -ولا أقصد هنا بالعم سام المواطن الأمريكى أو أمريكا بشكل عام، ولكن أقصد الحفنة القليلة جدًا من محترفي السياسة وكبار رجال المال والإعلام، الذين يدعمون إسرائيل بكل ما أوتوا من قوة-، والضحايا العرب «الفلسطينيين»، فالغرب الآن يقدس الهولوكوست أكثر من المسيحية، فعندما يتم إنتاج فيلم يسخر من المسيحية فلا أحد يحرك ساكنًا، ولكن عندما يقوم باحث بالتشكيك في أعداد الضحايا اليهود المعترف بها، يعاقب بحجة أنه يعادي السامية!.

ما السامية؟

ترجع النسبة في كلمة «ساميين» إلى سام الابن الأكبر لنوح، والمصطلح يطلق على مجموعة من الشعوب عاشت في رقعة كبيرة من الأرض «تضم شبه الجزيرة العربية والشام وبلاد الرافدين» وتحدثت بمجموعة من اللغات المتقاربة، هي اللغات السامية، وتشمل التسمية شعوبًا مثل الآشوريين والبابلين والآراميين والكنعانيين والفينيقيين والعموريين والمؤابين والآدوميين والعمونيين والعبرانيين، كما تشمل جزءًا كبيرًا من سكان أثيوبيا فيما بعد، وفي الوقت الحاضر، يمثلهم العرب من الناحية الأساسية.

وينتمي العبرانيون -أي اليهود القدامى- إلى الشعوب السامية وليس مجموع اليهود بشكل عام، ذلك أن أعدادًا كبيرة من الأفراد والقبائل غير السامية مثل الخزر قد تهوِّدت، ويعد العرب أكثر الجماعات السامية قربًا مما يمكن تسميته «الخطاب الحضاري السامي الأصلي» كما أن اللغة العربية أقرب اللغات الحية إلى السامية الأصلية،  ومع هذا ينصرف مصطلح «معاداة السامية» إلى اليهود دون سواهم!

لذلك تثير دهشتي تلك الادعاءات التي تروج لها الصهيونية باستمرارية ووحدانية الشعب اليهودي! فتلك الادعاءات لا تنطبق مع قلة عددهم -الجماعات اليهودية- وتشتيتهم فوق الكرة الأرضية، ورغم ذلك يدّعي أبسط يهودي أنه يمتلك أصلاً ينتمي لجنس قديم -سواء كان قد ولد في بولونيا أو في إسبانيا- فيقول: لقد كان أجدادي يقطنون حقول سوريا وصحروات مصر.

ولا أعرف من أين يأتي هذا اليقين في الوقت الذي تجد أقوى الأمم غير واثقة من أصلها، وهنا أستعير جملة «محمود درويش»: «لا الشرق شرقًا تمامًا ولا الغرب غربًا تمامًا»، وذلك أقرب للمنطق وفقًا للاندماج والتعددية بين البشر، وعلى الرغم من كل المغالطات المنطقية عن استمرارية ووحدانية اليهود، نجد «مصطلح معاداة السامية» من أهم المصطلحات التي أحرزت شيوعًا في لغات العالم.

ونقطة الانطلاق بالنسبة إلى كل من الصهيونية والنازية «في موقفهما من اليهود» هي افتراض وجود شعب يهودي له شخصية مستقلة وتاريخ مستقل؛ فيفترضوا وجود وحدة تاريخية بل عضوية بين يهود الصين في القرن الرابع عشر، ويهود الولايات المتحدة في القرن العشرين!

فإن المسألة اليهودية في تصور كل من بلفور وهتلر ناجمة عن وجود هذا الكيان اليهودي العضوي المستقل داخل الحضارة الغربية يدمرها وتدمره؛ لذلك لا بد التخلص منه إما عن طريق إرساله إلى فلسطين أو عن طريق إلقائه في أفران الغاز،  وهكذا أصبح المجال الدلالي لمصطلح «معاداة السامية» يشير إلى أي شيء ابتداءً من محاولة إبادة اليهود، وانتهاءً بالوقوف ضد إسرائيل بسبب سياساتها القمعية ضد العرب، مرورًا بإنكار الإبادة.

ضحايا الضحايا

بعد الحرب العالمية وتحديدًا عام 1952، العام الذي تم فيه التوقيع على اتفاقية لوكسمبورج بين ألمانيا الاتحادية وإسرائيل، دفعت ألمانيا المليارات لإسرائيل -تعويضًا عن الهولوكوست- باعتبار إسرائيل هي المسئولة عن اليهود في العالم أجمع.

ولا أدري إذا كانت ألمانيا تدفع حتى الآن أم لا، لكن ما أعرفه جيدًا في الوقت الذي يتم فيه تعويض الضحايا لا يتم تعويض ضحايهم سوى بلسان معقود، ما أعرفه أيضًا أن أوروبا قد قلبت شفتيها امتعاضًا من اللاجئين «السوريين»، فوقع الاتحاد الأوروبي اتفاقية مع تركيا مقابل «كام مليار» لحل مشكلة اللاجئين، كنوع من المقايضة، بالبلدي يعني «بيبيعوا ويشتروا فينا»، والغريب أن الأطرف الموقعة على الاتفاقية تساهم بشكل أو بآخر في تصعيد الأحداث.

من الواضح أن العالم يعاني بنسبة كبيرة من فوبيا شرق أوسطية، والشرق أوسطيون أيضًا يعانون بنفس النسبة من أنفسهم، بفضل الديكتاتوريات الغبية والمعارضة التي تنافسها في الغباء، وبالتالي أدى السيرك الآدمي الذي نشاهده يوميًا إلى جعل القضية الفلسطينية من الكلاسيكيات التي يتم ذكرها على استحياء.

أعتقد من الغباء انتظار تقدير أو مساعدة من الغرب تجاه العرب عامة أو القضية الفلسطينية بشكل خاص؛ لأن الشرق بالنسبة للغرب -حتى من قبل قيام «ما يسمى دولة إسرائيل»- هو الشرق الغامض، أرض الأحلام والخيال والرغبة، وهذا الشرق خلقه الغرب بواسطة الفنانين، المفكرين، المغامرين والحالمين.

ويعبر ذلك عن واقع خافه الغرب أو أرادوا الاستيلاء عليه؛ لذلك يقدم العرب عادة بصورة «الآخر» كمنحرف جانح غير جدير بالثقة وأقل إنسانية، وأحد وظائف هذه التصورات هي لتبرير استخدام القوة الغربية من أجل التحكم بالمشرق وامتلاك مقدراته.

وفي فيلم «شبح الغرب» من إعداد وتقديم إدوارد سعيد، يعلق على رؤية الغرب للعرب عامةً والفلسطينيين خاصةً فيقول: «مثلما قام الرسامون المستشرقون بتصويرنا بطريقة رومانسية وغريبة، قام الصهاينة بتصوير الأرض كصحراء قاحلة أعادوا إحياءها».

1

ويرصد الفيلم أيضًا مجموعة من السياح اليهود «من أوروبا وأمريكا وشمال أفريقيا» جاءوا إلى لبنان بعد استيلاء الإسرائيليون عليها عام 1982. وهؤلاء السياح ممن دعموا الاجتياح الإسرائيلى من خلال تبرعاتهم، ليقول لنا أحدهم كما موضح بالصورة: «قدمت إلى هنا من فلادلفيا وأعتقد أن على الفلسطينيين أن يجدوا لهم ملجأ في أحد البلدان العربية التي ستؤمن لهم مكانًا ومساعدة».

رجل من فلادلفيا قرر من تلقاء نفسه وبكل بساطة أن على الفلسطينيين أن يعيشوا في منفى أبدي، فيدّعي في هذه الأرض حقًا أكثر من الأشخاص الذين ولدوا عليها.

الجرسون الخاص

في محاولة مني لإيجاد قصة تترجم الصراع الهزلي والتباين في تعويض الضحايا وضحاياهم، وجدت قصة «النادل الخصوصي لعمي»، وهي قصة قصيرة من تأليف «فولفجانج بورشرت» والمفارقة أنه ألماني الجنسية.

الشخصية الرئيسية في القصة، هو «عم الطفل»، والطفل هو الذي يتولى سرد القصة، أُصيب «عم الطفل» في الحرب إصابات مختلفة كان من نتيجتها فقد إحدى ساقيه وقطع جزء من لسانه.

والشخصية الثانية، هو الجرسون صغير الحجم ويعاني أيضًا من عيب في النطق، فمرجع عيب النطق لديه قصر لسانه، ولكن السبب في ذلك عيب خلقي وُلد به دون تدخل بشرى.

وما يلي هو بعض ما جاء في القصة من وصف للجرسون وعم الطفل، اللذان ينتميان إلى العيب نفسه.

الجرسون: ضئيل، مغموم، منهك، مذهول، مضطرب، عديم اللون، خائف، مضطَهد، ذلك الجرسون الضئيل، جرسون بحق وحقيقِ: غضبان في أدب لا يتغير، عديم الهوية، بلا وجه، له رقم من الأرقام، ممسوح من كثرة الغسيل، لكنه رغم ذلك متسخ قليلًا.

جرسون ضئيل له أصابع مدخني السجائر، خنوع، طواشي، أملس، ممشط الشعر جيدًا، حليق الذقن، أصفر الوجه من الغضب، سرواله مفرغ من الخلف وجيوبه منفوخة على الجانبين، كعوب حذائه ملتوية، ياقة قميصه عليها عرق مزمن، ذلك الجرسون الضئيل.

وماذا عن عمي؟ عمي! عريض، قمحي اللون مبرطم، ذو حنجرة عميقة الصوت، مرتفع الصوت، ضاحك، مليء بالحيوية، عملاق هادئ، واثق من نفسه، شبعان، صفيق، ذلك عمي!

الجرسون الضئيل وعمي الضخم مختلفان اختلاف عربة الكارو عن منطاد زبلان، لكنهما لهما لسان قصير. كلاهما عنده العيب نفسه كلاهما ذو «ش» مبللة باللعاب، ولكن الجرسون مطرود تدوسه الأقدام بسبب قدره المتعلق بلسانه، عنيد، مهزوز، خائب الأمل، وحيد حاد الطبع.

وضئيل، أصبح ضئيلًا تمامًا، كل يوم يتهكم عليه آلاف المرات، عند كل منضدة يتغامزون عليه ويضحكون منه، يتصعبون عليه ويصرخون في وجهه، ألف مرة كل يوم في الحانة ذات الحديقة عند كل منضدة، وقد انكمش في نفسه مقدار سنتيمتر واحد، خجول، ألف مرة كل يوم عند كل طلبية على كل منضدة، وعند كل «اتفضل شعادتك» أقل حجمًا، أقل حجمًا بشكل مستمر، ولسانه خرقة من اللحم ضخمة عديمة الشكل، كتلة عضلات حمراء عاجزة ممسوخة، ذلك اللسان ضغط عليه إلى أسفل وجعل منه قزمًا: إنه الجرسون الضئيل الصغير!

وعمي! له لسان أقصر من اللازم، ولكن كما لو لم يكن هذا لديه، عمي، هو نفسه يضحك  بأعلى صوت عندما يُضحك منه، عمي برجل واحدة، عملاق، زلف اللسان، لكنه مثل الإله أبوللو بكل سنتيمتر من جسده وبكل ذرة من روحه سائق سيارات للسيدات وسائق للرجال، وسائق في السباق، يهمس بالنكات القبيحة، يغرر بالنساء، عابد للسيدات والكونياك، ذو لسان قصير يتطاير ويفيض باللعاب، عمي، المنتصر السكير الذي يقرقع بطرفه الصناعي، ذو الضحكة العريضة، له لسان أقصر من اللازم، ولكن كما لو لم يكن لديه ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العم سام
عرض التعليقات
تحميل المزيد