في حلقة من حلقات البرنامج المُدبْلج للعربية «حكايتنا» للممثل الأمريكي الشهير مورجان فريمان، قام فريمان باستضافة دارل ديفيز، وهو عازف على البيانو من ولاية ماريلاند. قال ديفيز أنه كان في صغره هو وطفل آخر الطفلين الأسودين الوحيدين في الصف الدراسي، ثم يستطرد يحكي عن تجربته الأولى التي مورست فيها العنصرية ضده بسبب لونه؛ عند انضمامه لمسير احتفالي بجولة الخيال بول ريفير مع فريق الكشافة الصغار؛ تعرض هو فقط لوابل من الزجاجات وعبوات الصودا والحجارة من مجموعة مُتَفرجين.

يحكي ديفيز عن تجربته المجنونة فيما بعد، عندما أراد مقابلة أحد أعضاء منظمة كو كلوكس كلان (بالإنجليزية Ku Klux Klan)، وهي جماعة عنف ذات توجه قومي، تتخذ من الصليب المحروق شعارًا لها، وهي تؤمن بالتفوق العرقي للبيض على السود، بالإضافة إلى معادتها للسامية والكاثوليكية. كان هدفه أن يكسر تلك الحواجز العنصرية بينه وبين أناس وضعوا حواجز عِدَّة تمنعهم من فهم الآخر. يقول ديفيز «عندما يقوم أحد المنتسبين إلى هذه المنظمة بنزع تلك الملابس – وهو رداء وقناع أبيضين يميزان المنضم إلى تلك الجماعة – فإنهم يقومون بنزع أفكارهم، وعندما يعطون هذا الرداء لعدوهم وهو رجل أسود، يكون الأمر قد تم».

يذهب مورجان إلى ولاية ممفيس لمقابلة أحد الأشخاص المنشقين عن منظمة كلان يدعى سكات شيفير، وهو رجل نشأ في أسرة مفككة لأب عنيف مدمن على الشراب. لذلك، يعتقد أنه استمر مع المنظمة لمدة 20 سنة من أجل أن يعوض شعور التَّشرذم العائلي الذي عاشه في صغره، وليضفي على حياته ذلك الشعور المفقود بالغائية والعيش من أجل هدف ما.

يُشير شيفير إلى صراعه الداخلي الذي لازمه طوال فترة انضمامه للمنظمة، فقد رَبَّته امرأة سوداء في صغره، وهو الآن بسبب أفكاره كان يتجنب التعامل معها.

ذاب الجليد بينه وبين الآخر في مِحْنة ألقت به في مركز معالجة الإدمان، حيث اضطر هناك للتعامل مع أصناف كثيرة من البشر، جعلته يفكر جدِّيًا في جدوى ما كان يفعله من قبل.

بعدما تأسست الولايات المتحدة عقب الانتهاء من الثورة على بريطانيا العظمى عام 1783، بقي هناك سؤالان لم يُجَب عنهما بعد، أحدهما يتعلق بشكل الدولة الجديدة، هل ستحكم كل ولاية نفسها؟، أم ستخضع كل الأقاليم لحكومة اتحادية؟ والسؤال الثاني كان يتعلق بالمُسْتعبَدين، هل سيكونون أحرارًا؟، أم ستبقى أمريكا الدولة الأكبر من حيث امتلاك الأرِقَّاء في العالم؟

قامت الحرب الأهلية الأمريكية بسبب الاختلافات الجوهرية بين ولايات الشمال ذات التوجه الصناعي، والجزء الجنوبي الذي كان لا يزال يعتمد على الزراعة في اقتصاده؛ هذا ساهم في وجود 4 ملايين عبد تحت إمرة أصحاب الأراضي.

عندما تم انتخاب إبراهام لينكولن عام 1860 باعتباره أول رئيس جمهوري؛ تعهد بتحرير العبيد. عندها، قامت سبع ولايات في العمق الجنوبي بتكوين دولة كونفدرالية مستقلة جديدة، هذا الانفصال لم تعترف به الولايات الشمالية ولا الرئيس لينكولن، لتشتعل في تلك الأثناء الحرب التي أودت بحياة 625 ألف أمريكي.

بعد مدة من اندلاع الاشتباكات بين الشمال والجنوب، أعلنت أربع ولايات جنوبية جديدة الاستقلال؛ لتتخذ من ولاية فيرجينيا عاصمة لها، ومن ديفيز رئيسًا، ومن جونسون الملقب بالحائط الحجري قائدًا لجيوشها.

بسبب القوة السكانية والصناعية للشماليين، ذلك بالإضافة إلى امتلاكهم أسطولًا حربيًّا وتجاريًّا عظيمًا؛ استطاع لينكولن الفوز بالحرب عام 1865.

قبل ذلك، في العام 1811، وُلِدت هاريت بيتشر ستو في ليتشفيلد بولاية كونيتيكت بالشمال الأمريكي لأب من أشهر الناس قداسة في القرن التاسع عشر، وشقيقة لواعظ أكثر عاطفة من أبيه، وتزوجت من واعظ لتُنجب منه وعَّاظًا آخريين، يظهر من هذا كله أنها عاشت حياتها في وسط ديني بحت.

تلقت هاريت قسطًا من التعليم في جامعة هارتفورد أفضل مما جرت العادة أن تناله النساء في عصرها، ذلك إلى جانب ولعها بالقراءة منذ صغرها، لكن كان في المجمل حوالي ثلثي تعليمها دينيًّا بطبيعة الحال.

انتقل أبوها لايمان بيتشر مع أسرته من ليتشفيلد إلى أبروشية في بوسطن، عندما كانت هاريت في الرابعة عشر من عمرها. وبعد ذلك ببضع سنين، انتقلت الأسرة للعيش في سنسناتي؛ عندما استُدعي والدها ليكون رئيسًا للمُجمَّع اللاهوتي في لين، هنالك بقيت هاريت إلى سنة 1850 تقوم بالتَّعليم في مدرسة، وهناك أيضًا تزوجت من كالفين، الذي كان عضوًا في كلية المجمع اللاهوتي آنذاك، فأنجبت ستة من أطفالها السبعة، وبين حين وآخر كانت ترسم وتكتب القصص للنشر في المجلات.

سنسناتي هي إحدى أكبر مدن ولاية أوهايو الأمريكية في وسط شرقي الولايات المتحدة، بحيث تقع في جنوبها ولاية كنتاكي التي كانت جزءًا من ولاية فرجينيا، وعندما بدأت في تلك السنوات تَحوُّل كنتاكي لمركز يحتوي حركة ثائرة ضد الرِّق؛ بدأ الرافضون لإلغاء الرق في الإساءة للزنوج كلهم حتى الأحرار منهم، مما دفع العديد من العبيد إلى الهرب شمالًا ناحية كندا باستخدام السكك الحديدية. عندها، تحولت سنسناتي الواقعة في الطريق بين كنتاكي وكندا إلى مأوى لعبيد هاربين.

كان المجمع اللاهوتي الذي يعمل به لايمان – والد هاريت – ذا توجه مُنَاوئ للرق، كذا فقد أوى بيت لايمان العديد من الهاربين في عدة مناسبات؛ مما أدى إلى وصول الكثير من الحكايات عن قسوة سيدي العبيد وعن العائلات التي فُكِّكَت وعن أهوال مطاردة الهاربين إلى آذان هاريت مباشرة.

في العام 1833، زارت هاريت مدينة مايزفيل بكنتاكي مع بعض أصدقائها، لتشاهد – للمرة الأولى – عددًا من المزارع بها عدد كبير من البيوت الريفية وعنابر العبيد. هذه الرحلة كانت زُخرًا لها عندما كتبت «كوخ العم توم»، حيث تعرفت هناك عن قرب على أنظمة عمل العبيد، كما ألهمها شخص قابلته يدعى سيمون لجري بشخصية سيد العبيد المتوحش في روايتها.

لم تكن هاريت في السنوات التي قضتها في سنسناتي من محبذي إلغاء الرق المتحمسين، حتى عادت إلى نيو إنجلاند عام 1850، التي كانت حينها ثائرة على قانون «العبيد الهاربين» الذي كان يسمح لأصحاب العبيد في الجنوب مطاردة العبيد الهاربين داخل الولايات الحرة – الشمالية – مع إلزام موظفي هذه الولايات في مساعدتهم على استعادة مملوكيهم. وزيادة على ذلك، فإن الزنوج الذين نَعَموا بالحرية بشكل قانوني منذ زمن طويل، جُمِعوا وأعيدوا إلى أصحابهم السابقين؛ مما أدى في الغالب إلى انفصالهم عن عائلاتهم.

تَسلَّمت هاريت خطابًا من زوجة أخيها ترجوها فيه أن تكتب شيئًا يجعل الأمة بأسرها تستشعر فظاعة الرق؛ فردت عليها هاريت قائلة «بمساعدة الرب، سأكتب شيئًا إن أحياني الله». وفي تلك الأثناء أيضًا، كان إخوة لها ثائرين في حركات مناهضة للرق، هذا كله دفعها نحو كتابة عملها الأشهر على الإطلاق في عام 1852.

تحكي رواية كوخ العم توم (بالإنجليزية Uncle Tom’s Cabin) عن عَبْد يدعى توم، صَوَّرته هاريت كشخصية ذات ملامح وجه تدل على الرصانة والحس المرهف، ومظهره العام يدل على احترام الذات والتشبع بالثقة.

اضطُر السيد شلبي لبيع عبيده – لكي يسدد ديونه – إلى نخَّاس في نيو أورليانز. ونتيجة لذلك، فقد فُرِّق بين توم وزوجته وأولاده.

أثناء عبوره نهر الميسيسبي نحو نيو أورليانز؛ أنقذ توم حياة فتاة صغيرة تدعى إيفا من الغرق، وكشكر لتوم على صنيعه؛ اشتراه أبو إيفا من النخاس، لينعم توم بعامين سعيدين في منزل سانت كلير.

تمر الأيام وتموت إيفا؛ ليعتزم عندها السيد كلير منح الحرية لتوم، لكن لسوء الحظ، يُقتل كلير بينما كان يُفرِّق بين متخاصمين، لتبيع من بعده زوجته توم إلى مُزَارِع متوحش سِكِّير اسمه سيمون لجري – الرجل الذي قابلته هاريت من قبل – الذي سرعان ما بدأ يمقت توم ويَسُوطه كثيرًا.

حدث بعد ذلك أن اعتزمت اثنتان من الإماء الهرب من المزرعة والاختباء، لِيَتَّهم لجري توم بمساعدتهما على الهروب ومعرفة أين تختبئان، وعندما رفض توم الإفضاء بأية معلومات؛ ظل لجري يضربه بالسوط إلى أن فقد وعيه.

بعد ذلك بيومين، جاء جورج شلبي – ابن سيد توم السابق – ليشتريه ويستعيده ولكن بعد فوات الأوان، إذ مات توم مُتأثرًا بجراحه، فما كان من جورج إلا أن ضرب لجري وطرحه أرضًا، ثم عاد إلى موطنه وأعتق جميع العبيد باسم العم توم.

في العام الأول من نشر كوخ العم توم تم بيع حوالي 300 ألف نسخة داخل الولايات المتحدة وحدها، بينما بيع ما يقرب من المليون ونصف المليون نسخة في بريطانيا العظمى ومستعمراتها، ثم اتسع الأمر ليُترجم الكتاب إلى 22 لغة على الأقل، ذلك في الوقت الذي حُوِّلت فيه الرواية إلى واحدة من أشهر المسرحيات التي مُثِّلت على المسارح الأمريكية، هذا بالرغم من أن «أسلوب الكتابة عادي واللغة في أغلب الأحوال مبتذلة وغير أنيقة وتنقلب أحيانًا إلى العامية والدعاية المتكلفة» بحسب ما أشار المؤرخ جيمس فورد رودز، ولكنه كان «مثل إشعال حريق ضخم عمل على تألق السماء كلها بطوفان العواطف الجارف الذي اكتسح كل شيء أمامه، حتى بدا أن العالم كله قلَّما كان يفكر أو يتحدث عن شيء سواه» كما قال حفيد السيدة ستو.

وبالمجمل، فإن ما أحرزه هذا الكتاب من شهرة لم يحرزه أي كتاب آخر في تاريخ النشر، فيما عدا كتاب التوراة الذي ضرب الرقم القياسي في المبيعات.

كان الأثر المباشر للرواية استحالة التصديق على قانون «العبيد الهاربين» مُجتمعيًّا خارج ولايات الجنوب. كذا، فقد مهد كتاب هاريت الطريق نحو الحرب الأهلية الأمريكية، فقد ذُكِر أنه عندما كان رئيس أمريكا إبراهام لنكولن يصافح هاريت أثناء زيارتها للبيت الأبيض في ذروة الأحداث عام 1862 أن قال لها «إذًا أنت السيدة الصغيرة التي كتبت هذا الكتاب المُسبب لهذه الحرب العظيمة!». وبغض النظر عن صحة هذه الواقعة، فلا شك من أن تطور الأحداث منذ نشر الرواية يشير إلى ذلك التأثير الكبير لها في تحريض وجمع مشاعر الشماليين من المجتمع الأمريكي للثورة على الوضع الراهن، كما يقول المؤرخ كيرك مونرو عن السيدة ستو «إنها لا تقف فقط في مقدمة الصف الأمامي بين نساء العالم، بل وفي تشكيل مصير الشعب الأمريكي في فترة حرجة من تاريخهم كان نفوذها أقوى من نفوذ أي شخص آخر».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد