عادت لذاكرتي بعد رُؤيتي للقصف الأمريكي على سوريا أيام العدوان الأمريكي على بغداد والحجج الواهية التي اتخذها جورج بوش لبدءِ القصف ثم الاجتياح، طبعًا هنا أنا لا أُقارن النظام السوري بالنظام العراقي آنذاك.

بعد 15 سنة من احتلال بغداد لم تتغير آليةُ الكذب الأمريكية ولم يتوسع خيالُ الإدارة الأمريكية والشماعات هي نفس الشماعات، كيماوي، أسلحة دمار شامل، حرب على الإرهاب، حرب على أعداء الإنسانية!

تُصور الإدارة الأمريكية للعالم دائمًا أنها تدخلت لأسباب إنسانية بحتة، وكأننا لم نلاحظ حرب الأقطاب واستراتيجية التحالفات وأن ما أثار حفيظة الأمريكان للمبادرة بالقصف قبل أي قرار دولي هي القمة الثلاثية لقطب العالم الجديد روسيا وتركيا وإيران ومن خلفهم الصين في الخفاء!

أيديولوجيا البلطجة

لبرهة أشعر أن أصحاب القرار في الإدارة الأمريكية وإدارات دول القطب الجديد يخفون تحت بدلاتهم الرسمية الفاخرة أوشامًا هابطة أو آثار سكاكين على أذرعهم كتجار المخدرات أو بائعي الأسلحة الشخصية الرخيصة أو القوادين والمهربين! تصرفاتهم السياسية خلفها دافع بلطجي! وكأنهم يتنافسون على زاويةِ شارع في أحد الأحياء الشعبية يبيعون فيها بضاعتهم الرخيصة ويسوقون لمومساتهم!

قطبُ جديد

منذ تفكك الاتحاد السوفيتي في 26 من ديسمبر (كانون الأول) 1991 بعد صراع طويل مع المرض الذي كان سببه الحرب الباردة الطويلة التي بدأت بعد الحرب العالمية الثانية من جهة والقتال مع الانفصالين في جمهوريات الاتحاد السوفيتي مترامية الأطراف والتي كانت بدعمٍ كبير من المخابرات الأمريكية من جهةٍ أخرى!

وبعد إنزال العلم الأحمر عن مبنى الكريملين للمرة الأخيرة، أصبح الكوكب بقطبٍ واحد هو قطب العم سام سرعان ما بدأ العم سام باستخدام شتى الذرائع لنشر قواعده في كل دول المنطقة ضاربًا بعرض الحائط كل المواثيق الدولية.
وبدأ بخطة طويلة للسيطرة على الذهب الأسود (النفط) في منطقة الشرق الأوسط والسيطرة على المعابر البحرية التجارية وإنشاء سوق سلاح ومنتجات تكنولوجية ومنتجات دماغية! فمن العدوان على الصومال والتدخل بأمور اليمن الداخلية لغرض السيطرة على معبر السفن في المحيط الهندي المتوجهة إلى البحر الأحمر وقناة السويس وإخضاع آل سعود سياسيًا بفتح قواعد أمريكية في أرض الحرمين بعد أزمة غزو الكويت، تذرعًا بحماية المنشأة النفطية وحصار العراق والعدوان عليه تذرعًا بأسلحة دمار الشامل ليفاجئ المجتمع الدولي بتذويب هذا السبب وإظهار السبب الأغرب وهو: أن الأمريكان لم يعجبهم الديكتاتور وحرروا أهل العراق! ناهيك عن ضغوطهم على مصر والسودان ودول حوض المتوسط وتطويع دول الخليج التي ليست لها طاقة لرفض أي قرار أمريكي خوفًا وخضوعًا لهذا الوحش الذي لن يهمه أن يبدأ فورًا بإطلاق الصواريخ لمجرد محاولة أحد دول الخليج مجابهة أي تدخل سياسي أو رفض أي قرار لتصبح دولنا المتخلفة علميًا المتهالكة من آثار السيطرة العثمانية والانتدابات الأوروبية التي تزامنت مع الحروب العالمية الأولى والثانية لعبة وطفلًا لو قل أدبه واعترض يُصفع بالوجه مباشرةً وبدون إنذار.

 

 

القِسطاس الدولي

يا أيها المجتمع الدولي أين كنت طوال السنين؟
أين أنت عن أطفال يموتون جياعًا ويفترشون الأزبال في مخيمات سوريا والعراق؟
حرب الأقطاب أهم من أطفال أفريقيا الذين لا يجدون ما يأكلون بعد تجريد المجتمع الدولي لدولهم من ثرواتها البشرية والطبيعية؟
يجتمع مجلس الأمن ويجلب ممثلي الدول من جميع الأنحاء ليناقش التدخل العسكري في سوريا، وخلال سويعات تنطلق الصواريخ الأمريكية الفرنسية لتدك معاقل النظام السوري الذي كان بمأمن طوال السنين الماضية بكل جرائمه وأعماله وكيماوية ومليشياته!

عالم منطقه أعور، نعم أعور
يغض الطرف عن جرائم بدأت منذ أيام اندلاع الثورة السورية الأولى التي كانت سلمية لولا تدخل أذناب العم سام من الداعمين المحليين، لكن عندما يظهر قطبٌ آخر في العالم بشكل جلي يسارع المجتمع لعقد قمة طارئة وخلال سويعات تنطلق الصواريخ لتدك معاقل نظام بشار تأديبًا لروسيا وشركائها لن يخاطر أي محلل بتوقع الأفعال الأمريكية القادمة، لأن الإدارة الأمريكية المتمثلة بــترامب مثل سِكير يركب سيارة رياضية فاخرة.

رفعت الأقلام وجفت الصحف! 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد