تلك الفضيلة الغائبة بيننا قولًا وفعلًا، فرض العين المنسي.

 

وما بين الفهم الصحيح مع تنزيهها عن قالب مفهوم الرضا، والتطبيق العملي المُقر بأهميتها تضيع وتهدم معها علاقات كثيرة كان من الممكن أن تكمل سيرها نحو النضوج والاحتواء والتفهم لنصل إلى حياة ذات جودة عالية في صورة علاقات صحية يمكنها قبولنا بدون شروط، وتفهمنا وأن تصبح الملاذ الآمن لأرواحنا، ومرسى الأمان الذي نحط عليه رحالنا في رحلة سعينا في الحياة، لا أن تصبح صراعًا قائمًا نُثبت فيه جدارتنا واستحقاقنا وحقنا الكامل في القبول لذاتنا لا لما نفعله أو نملكه.

 

قيل في تعريف القبول غير المشروط هو القدرة على محبة الآخر وتقبله حتى وإن لم يفعل ما يبرر هذا القبول وهو يُفضي إلى قمة الشعور بالأمان، فيعني الأمر كما أنني أحب الصفات الإيجابية في شخص وأُُقدرها، أن أتقبل أيضًا عيوبه وسلبياته كما هي، بمعنى أن لا أحبه وأبقى قريبًا وهو في أفضل حالاته ثم أنبذه لو اختلف الأمر، وخالف توقعاتي ورغباتي، يعني قبوله بنقاط ضعفه قبل قوته، قبوله كما هو دون محاولات التغيير المجحفة لعميق شخصه لكي يوافق ما أريد وما أرجوه، ولا يعني الأمر أني أقبلك وأحبك ما دمت رائعًا وجميلًا ومرحًا، ثم أتنحى جانبًا، بل ربما عاديتك وصرت عبئًا مضافًا وقتما تصبح متعبًا وحزينًا.

 

بداية المسير

 

بالعودة إلي الوراء قليلًا، إلى مرحلة الطفولة تحديدًا سنرى أن الأمر بدأ هناك، فنتعلم منذ الصغر أن قبولنا مشروط بما نبذله وما نقدمه من قبيل عبارات (أدرس كي أحبك) أو (إذا فعلت كذا سيحدث كذا – مما هو حق أصيل لنا) كالحب والاحتواء.

فيصبح القبول مشروطًا بكوني متفوقًا ناجحًا أو مهذبًا، ومن ثَم أدرك يُغرس في قرارة نفسي أنه يجب على أن أدفع ثمن أن يتم قبولي.

 

وفي كل مرة نخالف التوقع نسقط ضحايا لعدم شعورنا بالأمان والنقص والدونية والعجز والإهانة ندخل في دائرة تأنيب الذات وكرهها، ونشعر وكأن هذا الشيء المبذول (قربان القبول) أهم وأقيم من حقيقتنا وكينونتنا نفسها، ثم لا نلبث أن نعاملها تاليًا بمنطق القبول المشروط لها، فأنا راضٍ عن نفسي وأقبلها ما دامت توافق توقعات ومعايير الآخرين حتي وإن أقررنا في داخلنا بفسادها.

 

ثم نكبر ويترسخ في ذهننا أن قبولنا مقرون بما نقدمه ؛ فيتعين علينا عند دخول أية علاقة مهما يكن تصنيفها أن نقدم قرابين قبولنا لدى الآخر وفقاً لرؤيته ومنظومته الخاصة، واقعين في فخ تسول القبول والاستحقاق الكامن فينا.

 

وبتصور الأمر مع اختلاف معايير القبول لدى الأشخاص من فرد لأخر فيتعين علي إن أردت أن يتم قبولي أن أبذل أو أُقدم الكثير من القرابين، ومنها ما قد يخالف منظومتي القيمية والأخلاقية فقط لأصبح مقبولًا.

ثم يُفاجأ الشخص المتسول للقبول والاستحقاق بالغربة؛ فهو لم يعد يعرف هل ما يفعله هو منبعه ورغبته الخاصة أم هي الضريبة المدفوعة لجواز قبوله واستحقاقه.

 

ثم يأتي التساؤل الذي يفرض نفسه، قبل المطالبة بحق قبولنا بدون شروط. هل نحن نقبل أنفسنا قبولًا غير مشروط فنري مميزاتنا ونُنزلها منزلها، ونأتي عيوبنا ونقبلها كما هي؟!  فمن السهل أن أُحبني وأقبلني إن كنت جميلًا وقويًا وناجحًا، لكن ماذا لو أصبحت كسيرًا.. ضعيفًا.. أو فاشلًا؟! هل سأقبلني كما أنا أم سيأخذ الأمر منحنى اللوم والتأنيب وكراهية الذات وتحقيرها والإجهاز عليها؟!

هل سأقبل ضعفي وفشلي وأتصالح معهما ومع كونهما جزء من طبيعتي البشرية، هل سأتقبل احتياجاتي كما هي أم سأنبذها؟!

 

وعند هذه النقطة تحديدًا علينا التأكيد علي أن روحنا تلك هي من روح الله وهي مُكرمة في ذاتها وتستحق التقدير والإكرام، وأنّا نستحق القبول لذاتنا وأن تسول قبولنا لهو عين الإجحاف والذل لها.

وعلينا ألا نجعل رسائل الرفض لنا أو خبرات قبولنا المشروط قبلًا أن يحدنا عن قبول أنفسنا، مع التاكيد على أنها – رسائل الرفض – تخص صاحبها ولا تُعبر عن كينونتنا – التي وحدنا من يعرفها حق المعرفة.

ومع فهم حقيقة جوهر الانسان وأن مفهوم الكمال المطلق لم يُكتب لبشر مِنّا وأنّا نخطئ ونصيب، وأن عيوبنا لا تُناقض استحقاقنا، وعند تقبلها كما هي – حينها فقط – يُمكننا أن نتغير للأفضل، وسيتحول الجهد المبذول في كبت ومُدارة هذه الصفات المنبوذة والتي يُعزو رفضنا لها إلى طاقة عظيمة عند توظيفها في الإصلاح يصبح العائد أفضل وأبعث على الرضا وقبول أنفسنا.

 

فرصة جديدة للقبول (لنا وللآخرين)

 

التيقن والإقرار في ذواتنا بحق القبول غير المشروط.

عدم المبالغة في رفض سلوك ما وتوجيه اللوم باستمرار لأن هذا يخلق حالة من الرفض والشعور بعدم القبول.

التمييز بين قبول الشخص – ما له وما عليه – والرضا عن فعل ما، والتاكيد على أن قبول الشخص لا يعني بالضرورة قبول الفعل والتسليم بصحته.

دائرة القبول: خلق مناخ القبول غير المشروط مع شركائنا في العلاقات يخلق بدوره شعورًا أكبر بالأمان ويمد أواصر المحبة والمشاركة ومعرفة الآخر والمواجدة والتفاهم، وبالتالي خلق مساحة أكبر من القبول والأمان.

المصارحة الناضجة – دون توبيخ – وخلق مناخ صحي آمن للتعبير عن مشاعرنا بموضوعية ووضوح مع التأكيد على معنى القبول غير المشروط؛ فأنا أقبلك كما أنت، وهذا يعني أنه بيننا قدر من التقبل والرضا مع تفعيل معاني التقدير والاحترام والتفاهم والاحتواء. الحصول على علاقة شافية، وفيها يتم قبولنا بدون شروط ونداوي إساءات قبولنا المشروط سابقًا، قد تكون هذه العلاقة مع صديق أو شريك الحياة أو معالج نفسي.

 

وختامًا: اللّه هو منبع القبول، فكان معلمي يقول: عندما أخطئ أعود سريعًا إلى ربي أدعوه وأساله أن يغفر لي لأني أعرف أن اللّه سيقبلني كما أنا؛ فهو يقبلني وأنا أطيعه، وسيقبلني وإن عصيته، معه أنا لا أعتمد على أعمالي كي يقبلني، بل أستمد يقيني وشعوري بالأمان والقبول منه سبحانه.

 

فالله يقبلنا قبولًا غير مشروط.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد