زواج القاصر من الموضوعات التي باتت تؤرق المجتمع الأردني بعد تعديلات قانون الزواج عام 2019، فالقاصر هو مصطلح قانوني يستخدم للدلالة على الطفل الذي لم يبلغ سن الثامنة عشرة من عمره والسنة في القانون هي السنة الميلادية، إلا أنه في حالة الزواج، فبحسب تعديل البرلمان الأردني في قانون الأحوال الشخصية من العام الآنف الذكر فإنه يسمح بزواج الفتيات في سن السادسة عشرة إذا كان الزواج «ضرورة» تقتضيها المصلحة بشرط موافقة قاضي القضاة وتوفر الرضا والقبول.

أما شرعًا فقد تباينت الآراء حسب دور الإفتاء في الدول الإسلامية، في الأردن يجوز للقاضي وبموافقة قاضي القضاة وبعد التحقق من الرضا والقبول زواج من بلغ سن السادس عشر شمسية إذا كان في زواجه ضرورة تقتضيها المصلحة، كما يمنع في المادة 11 من إجراء عقد على امرأة إذا كان خاطبها يكبرها بعشرين عاما إلا بعد التحقق من رضاها واختيارها.

من هنا تعلو الأصوات الرافضة لزواج القصر بأنه انتهاك لحقوق الطفولة، فحسب ما ذكرت جمعية «تضامن النساء» الأردنية: يتم زواج القاصرات دون الخمسة عشر عاما وتتم دون توثيق لمخالفتها القانون وأحيانًا بتزوير السن الحقيقية للفتاة.

ويتأرجح زواج القاصرات بين مؤيد له ومعارض، فالمؤيد يتذرع بأن السن الحقيقية للزواج يبدأ من بلوغ الفتاة بغض النظر عن عمرها، في المجتمعات الغربية فإن الفتاة تبدأ بالمواعدة مع الجنس الآخر في سن مماثل لسن زواج القاصرات، فما الضير إذا كان لدى الفتاة الرغبة في الزواج بتزويجها فذلك يدرء عن أبنائنا السعار الجنسي وأبناء الأطفال الموجودين في المجتمعات الغربية مجهولي النسب، حيث إن الزواج ينظم هذه العلاقات ويضمن للأبناء حياة حقيقية تقوم عائلاتهم بمسؤولياتها تجاههم بدلًا من إلقائهم في دور الرعاية أو تنشئتهم مع أمهات وحيدات، فقد سجلت بريطانيا عام2021 أصغر أم، والتي أنجبت طفلها في عمر الثانية عشرة، حيث لم يكن والدا الطفلة على علم بحملها، وأودعت الطفلة وابنها في دار رعاية لمتابعتهما.

معارضو زواج القاصر يستندون إلى عدم أهلية الفتاة إلى أخذ قرار الزواج وتحمل مسؤوليته، وعادة يكون قرارها بالتأثير من وليها، فتبقى تحت سلطة عائلتها ثم تنتقل بعد الزواج لسلطة الزوج وعائلته. على صعيد آخر معظم العائلات التي تزوج بناتها القصر يكون سببه الوضع الاقتصادي السيئ لهم فتصبح الفتاة سلعة يتاجر بها رغمًا عنها وهذا لا بد من إدراجه ضمن خانة الاتجار بالبشر.

ماذا لو أن الفتاة راغبة في الزواج وتم تنشئتها لتقوم بمسؤوليات الزوجة في عمر صغير؟

لماذا نمنعها ولكن على من يتزوج قاصر الوعي بأنها قد تتغير متطلباتها وقناعاتها في عمر ما، وإذا اشترطت على الزوج إتمام تعليمها والتحاقها لاحقًا بوظيفة فعليه استيعاب التطور في شخصيتها، وعلى الأسرة التي تؤيد زواج القاصر الوعي بأن هذا الزواج قد لا يكون موفقًا وينجم عنه أطفال آخرون يحتاجون وأمهم إلى تربية ومعيل، بالمحصلة تكون الفتاة في هذا العمر بحاجة إلى استيعاب الزوج ومساندة عائلتها حتى تصل إلى النضج المطلوب.

(ع.ب) تزوجت في عمر الخامسة عشرة لحاجة عائلتها لتحسين وضعهم الاقتصادي من خلال زوجها، لتجد نفسها ضحية هجر وعنف زوجي واستغلال عائلي، ومعها ثلاثة أطفال مما اضطرها للقبول بهذا الوضع إلى أن يكبر الأولاد.

(ه.ج) تزوجت في السادسة عشرة برغبة منها وبعد إنهائها تعليمها والتحاقها بالوظيفة وجدت نفسها مع زوج ما يزال يعاملها معاملة القاصر فانفصلت عنه بعد إنجابها طفلين تتحمل مسؤوليتهما بالكامل.

(س.ه) اسرتها كانت داعمة لها وزوجها واع ومتفهم، وبعد 20 عامًا لاتزال تحمد الله على زواجها في عمر السادسة عشرة فهي ترى أنه وفر لها راحة من عناء مكابدة الحياة وحدها والمرور بتجارب عاطفية قد تكون صعبة.

المشكلات تبدأ دائمًا عندما يكون الوعي غائبًا والهدف هو انتهاز الفرص المادية فلا القاصر مهيأ نفسيًّا ولا جسديًّا، وتجده يفرح لموضوع الزواج كفرحه بلعبة ينتهي مع أول مشكلة تواجه هذا الزواج، وهنا لمن يلجأ هذا القاصر فلا سند ولا معيل، وللأسف أن حماية الأسرة غير مخولة بالتدخل إذا لم يكن هناك شكوى، إذا حدث واشتكى القاصر تتدخل العائلات لتنحي دور المؤسسة وتنتهي معظم المشكلات على وعود بالتغيير والتحسن ولكن للأسف لا يحدث شيء، وقد يكون القاصر وصل إلى عمر تجاوز السن القانونية عمرًا ولكن بلا خبرة وحنكة، أضف إلى كونه اكتسب تجربة سيئة ترافقه إلى أن يتجرأ ويأخذ قرارًا.

يبقى زواج القاصر مرهونًا بإيجابياته وسلبياته يفصل بينها الوعي والتجربة، وهو خيار شخصي للعائلة والقاصر وما يقال عن الأنثى يقال عن الذكر، ولكن عند الفتيات في مجتمعنا هو أشيع لبلوغ الفتاة في عمر أصغر من الشاب عادة، فكثير من الشباب الذين تزوجوا في عمر صغير يتغير ويأتي عليه مرحلة يندم على هذه الخطوة وربما ينسحب منها، وعي العائلة وأهدافها هو من يحدد صحة هذا القرار من خطأه فالعائلة التي تؤيد الزواج المبكر تنشئ أبناءها وتعدهم لذلك، والعائلة التي ترفضه تضع دائمًا معايير وأهداف لأبنائها عليهم تحقيقها قبل الوصول إلى سن النضج وأخذ قرار الزواج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد