بعد قيام ثورة 25 يناير بشهور، يجلس القائد الكبير أمام آلالف المجندين يلقي عليهم خطبته الرتيبة. يتحدث عن الأوضاع الراهنة بعد الثورة وعن الشارع الملتهب بفعل المظاهرات المخربة للبلاد. يتحدث تفصيلا عن شباب الثورة الذي لا يملك سوى الحماس القاتل والاندفاع المُضِر بصحة الوطن، ولا ينسى أن ينعت أغلبهم بالخيانة والعمالة. يتحدث عن الحركات الشبابية التي تدربت على يد منظمات أجنبية لإسقاط الدولة. وعن رجالات السياسة الذين لا يجيدون سوى رفع الشعارات الجوفاء، ولا يرغبون سوى في الظهور على شاشات وصفحات الجرائد دون فائدة أو وظيفة محددة. وعن الإعلاميين مشعلي الحرائق الراقصين على جثة الوطن ممسكين بسلاحهم – المذياع القاتل. وعن جماعات الإسلام السياسي تجار الدين أصحاب اللحى والنوايا حالكة السواد. بالإضافة إلى دكاترة الجامعة محترفي التنظير، الفاشلين في أي تطبيق عملي لنظرياتهم على أرض الواقع. وعن وعن وعن…

بالطبع لا يفوت الفرصة لتحية رجال القوات المسلحة الذين أنقذوا الوطن من الضياع على مرّ السنين، بداية من الظباط الأحرار وحتى يومنا هذا وقيادات المجلس العسكري الذي انحاز إلى مطالب الشعب الثائر وحمى الثورة. لم ينس بالطبع أن يذكرهم بفضل القوات المسلحة في بناء الطرق والكباري والأنفاق وخلافه من أعمال ومشاريع تساهم بقدر كبير في تقدم ركب الاقتصاد القومي المصري.

ينهي حديثه بعد أن يشير إلى حادثة تعرية فتاة التحرير – الشيطانة – التي أغوت العساكر ليقوموا بتعريتها أمام شاشات العالم أجمع. على حد قوله، الفتاة تعمدت ارتداء عباءتها – على اللحم – حتى تحكم خطتها وتكسب تعاطف الجميع.

أعتقد أنه يتابع توفيق عكاشة ويتأثر به كثيرا.

انتهت الخطبة لتبدأ تعليقات وأسئلة المجندين، يصعد جنديان تباعًا.

الأول يرى أن الحكم العسكري سبب تخلف الوطن عن الدول المتقدمة منذ 60 عامًا وأكثر. وأنه قد حان الوقت ليحكمنا حاكم مدني. يعلو صوت التصفيق بين صفوف المجندين فجأة، يقاطعهم القائد بقوله: مش عشان مختلفين مع زميلكم تقاطعوه!

يليه المجند الثاني برأي على النقيض تمامًا. يرى أن الشعب المصري غير مؤهل حاليًا للحكم المدني وممارسة الديمقراطية، وأن المجلس العسكري يجب أن يبقى في سدة الحكم لأطول فترة ممكنة حتى تستقر الأمور. ويهدأ الشارع. ينهي كلمته بجملة أبت أن تنمحي من الذاكرة قائلًا: إحنا مبنعرفش نمشي غير بالعصاية.

تتولد بسمة على وجه القائد من رحم الحديث السابق، يقوم ظابط آخر برتبة كبيرة ليسلم على الجندي بحرارة في رد فعل يخرج عن ما نعرفه من قوانين عسكرية أو عرف المجتمع العسكري على الأقل.

يأخذ نفسًا عميقًا، يمسك بالميكرفون ليردد قائلًا: لازم تبقوا مثقفين زي زميلكم وعلى وعي ودراية باللي بيحصل حولكم يا سلام لو تبقوا كلكم زيه!

CUT

يتكرر هذا المشهد يوميًا داخل وحدات القوات المسلحة باختلاف الزمان والمكان وأسماء الأبطال. قد تختلف الأحداث بين المشهد والآخر لكن الهدف واحد معلن ومحدد. يجب أن يدرك جميع المجندين تلك الحقيقة المطلقة (لا أحد يصلح للحكم سوى الجيش). بعد إنقضاء المشهد الفائت، تبدأ بعض الحلقات النقاشية بين المجندين وبعضهم البعض.

أحدهم يدعم وجهة نظر القائد ويتمنى أن تستقر البلاد في أسرع وقت.
آخر يلعن الثورة وكل من شارك فيها لأنها كانت السبب الرئيسي في دخوله الجيش وعدم تمكنه من السفر لعمه الذي يعمل بالسعودية.
وآخر يسخر قائلًا: أمال مين اللي حاكمنا من 60 سنة وجايبنا الأرض؟ خالتي؟

أتابعهم في صمت والأفكار تدور في عقلي كالساقية، وسؤال واحد يبحث عن إجابة، لماذا يخافون الثورة إلى هذا الحد؟!

***

دفتر الأوامر دا قرآن الجيش، دبة النملة هتلاقيها متقيدة فيه

دفتر الأوامر تُسجل فيه كل صغيرة وكبيرة تخص الوحدة العسكرية التي يقع فيها. أي فرد يخرج من الوحدة لأي غرض مهما كان تافهًا، يُدَوَنه بكامل تفاصيله.

– عدد الأفراد الخارجين.
– أرقام أسلحتهم وأنواعها وعدد خزائن الذخيرة.

-الغرض من الخروج.
-موعد الرجوع إذ كان محدد مسبقًا.
إلخ إلخ إلخ

أي شخص خدم في القوات المسلحة يعلم كل ما سبق وأكثر.

عندما اكتشفت لأول مرة كل المعلومات السابقة تذكرت قوات الصاعقة والمظلات وهي تفض ميدان التحرير في أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء، وتطلق النيران على المتظاهرين، بل وترمي أحدهم في القمامة بعد أن وافته المنية. وأحداث كثيرة على سبيل الذكر وليس الحصر منها موقعة العباسية 1 والعباسية 2 وماسبيرو والعديد من وقائع الثورة والشهداء الذين لم تجف دمائهم حتى الآن.

 

للمرة الثانية يدور في داخلي سؤال يُلِح عليَّ دون أن يجد إجابة واضحة، إذا كان كل شيء مُدَوَن في الدفاتر وأدلة البحث متوفرة لماذا لم يحاسب الجاني؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد