التخلُّف بكل أشكاله وألوانه لا يليق بِنَا، ولا بالعقول المُتَقَدِّمَة في مجتمعاتنا، فكيف للفطرة الإنسانية السليمة المتزنة، القبول والرِّضى بالبقاء رَهِينَة، فِي سُجُونِ العَقْلِيَّات المُتَخَلِّفَة! لهذا يَنْبَغِي لنا جميعًا مَعْرفَة قيمة التقدم، مع الحب المتصل والدائم لأجواء البِناء والازدهار، وحُسن الانتماء إليه، بالسعي إلى امتلاك سبل المعرفة الواقعيَّة المُدَلَّل عليها. لأنه في غيابها لن ينجح أي مخطط ولن تتقدم أي أمة، ما لم يتم التطبيق الدقيق والمسؤول لمعايير الحكمة والعدالة. فالحكمة هي أن نضع الشيء في موضعه، والعدالة أن نلتزم جميعًا بإعطاء كل ذي حق حقه.

أولاً وقبل كل شيء؛ نَبذ التخلف والخِلاف قرار واختيار، لا هروب واضطرار، تُبنى أسسه بالعلم وتُشيَّد أركانه بالمعاني والتَّصَرُّفات، لا بالمظاهر والدعاية والتفاهات، قِيمه تظهر على سلوك العالم والمتعلم على حدٍّ سواء، لأ مُجرَّد ادِّعَاء، أعمق من شعور عابر أو شِعار، أغلى من كل شيء، مظاهره الحَقَّة بناء دؤوب وسَعْيٌ أكيد وارتقاء بالعِلْم وإحسان وإتقان وإخلاص في العمَل، بهوية وشخصية مجتمعية واحدة، لا هوية ذاتية. ومراقبة طبعا لله سبحانه وتعالى في كل شيء، بالانتماء لا بالالتواء.

لقد ساعدت العديد من العقول المتنورة عبر التاريخ، كثيرًا مِن المجتمعات، على النهوض مِن جديد، ومواجهة حالات جد معقدة من البؤس والتشرذم، فقط بالإيمان القوي والتحدي الدؤوب المنتظم، جُلّها انتهت بتحقيق نتائج مبهرة ورائعة تفوق الخيال، حتى في غياب التكنولوجيات الحديثة. لأن المشكل الحقيقي، والسبب المباشر في تأخر الأمم وتخلفها، لا علاقة له أصلاً بمستوى التقدم التكنولوجي فيها، وإنما مَردّه إلى الجهل وأبو جهل، زيادة على الخوف الهستيري لهذه المجتمعات من الفشل، مع الاقتناع الطوعي المَرضي بالدُّونية، المنبثقة أساسًا مِن الفكر الرجعي الزائف الذي لا يستطيع الانسجام مع الحاضر دون الانسلاخ من الماضي، ولا باستطاعته الدفاع بفخر كبير واعتزاز راسخ عن المكتسبات والقيم والمعتقدات، بمرونة تامة وعبقرية خالصة والعمل على تصحيحها بدون كَلَل.

هذه كلها عوامل ستدفع الإنسان غير المتعلم، العادي والتائه، دفعًا إلى الالتحاق الفوري وغير المشروط، بقطار التغير والتنمية، عبر آليات آنية متجددة من تلقاء نفسها، قادرة على إنتاج مكاسب مادية ومعنوية، مباشرة وغير مباشرة، حاضِنَة ومُحفَّزة على الاستمرارية بطواعية بقاطرة التطور المحلية، مع الالتزام الفعلي ببنود خارطة الطريق، كخيار استراتيجي لإثبات النجاعة والفعالية.

إن عملية الإصلاح حركة فكرية فلسفية نسبيَّة وواقعيَّة، قبل أن تكون مجرد موارد مالية أو بشرية، حَرَكَتُهَا دائمًا مهددة بالسكتة القلبيَّة، النابعة من تَفَشِّي الإحباط واليأس والأنانية، التي غالبًا ما ينكسر فيها الطموح، وينتهي مطافها بجوار الرغبة، فيرحل الشغف، ويموت الأمل، مخلفًا وراءه واقعًا هزيلًا، ومستقبلًا غامضًا، يزداد تعقدًا يومًا بعد يوم، بسبب الاستسلام المشبوه، والتعايش المفضوح مع ثقافة استبداد العقول، وتَخَلُّف العقليَّات، دون استثناء النخبة بجميع أشكالها وألوانها، التي من المفروض أن تكون قوية بفكرها في جميع الميادين، ضاربة بقدْوَتها كل مناحي الحياة، حسنة بأفكارها، رحيمة وسخيَّة مع أبنائها، راسخة في محيطها، متماسكة في مشاريعها على جميع المستويات.

لهذا نقول مُوقِنِين، ونعتقد جازمين، بأن المشاكل الحقيقية لهذه المجتمعات، توجد في العقليات البشرية المتخلفة؛ التي بَيَّنَتْ جل الدراسات الجدِيَّة على أنها غير قادرة؛ أو إن صح التعبير ليست مؤهلة، ولا معبأة بما يكفي من مشاعر الحب والوطنية والانتماء والرغبة الملحة في تحقيق الريادة والسبق، بعيدًا عن ماديات ومغريات الحياة، قريبًا جدًا من الالتزام والمتابعة، وأوْلوِيَّة تحقيق الذات. بمعنى أدق؛ هناك فروق شاسعة بين المعرفة الدقيقة للواقع المعاش، والإدراك التام لجسامة المسؤولية، وعَظامة التحدي، وبين الإحساس المستمر بالدونية، والضعف، وعدم القدرة على المواجهة؛ وهذا ما لا يجب أن نسمح بحدوثه، حتى في قرارة أنفسنا، ولا تجسيدًا في واقعنا المعاش، لأنه يجسد مدى احترامنا لإنسانيتنا، ويطلعنا على مستوى تقديرنا لعقولنا، كما أنه تعبير واضح وصريح على مرونتنا الداخليَّة والخارجيَّة، ومقياس حقيقي لمستوى الوعي، والتسامح، الراسخ والمتجدر في ثقافة أجدادنا، ومكوِّن أساسي في أمتنا، التي أضحت غريبة وبعيدة جدًا، عن ما كانت عليه في سابق عهدها.

ولهذا فإنه في حالة ما إذا كنا حقًّا نريد النهوض من جديد كأفراد أولاً، واكتساب تجارب وخبرات رائدة، لتحقيق التقدم، والازدهار، والسعادة، والتوازن، ولو بنِسب متواضعة، فإن القلق، والاكتئاب، والإحباط والانغلاق، ليسوا بتاتًا في صالحنا، ولا هم بالصحبة الصالحة التي نحتاجها في طريقنا وسفرنا هذا عبر محطات الحياة. لأن الفرد هو أساس المجتمع، وبناء هذا الأخير لن يتحقق في غياب الرقابة الذاتية الفردية والأسرية عند مباشرة التأسيس الفعلي الواقعي للوعي الجماعي، والعقليات المجتمعية.

أما الآن ما سنكتشفه معًا هو كيفية استخلاص سلسلة من الاحتمالات الممتازة المنبثقة من الحقيقة، كإمكانية لتحويل هذه الموارد البشرية، إلى إدراك فكري وعلمي، مفاده أن نغمات أو أصوات أولئك الأشخاص المشككين والموبخين، أو عقلية هؤلاء المحطمين، الذين نمتلك في الحقيقة جميعًا نصيبًا وافرًا من سلوكهم. نعم؛ حتى وإن كنَّا على يقين أننا لا نعرف من هم؟ ولا الأضرار التي يمكن أن تسببها لنا تلك المشاعر الغامضة؟ لكننا على الأقل متأكدين مِن أننا لا نستحق هذه المعانات! ولَسنا على قيد الحياة من أجل إنتاج التخلف وإضعاف المجتمع؛ إذ لا ينبغي لنا إفناء هذا العمر في مخلفات التعاسة، كالإدمان الخبيث على الغبن والتغابن والتخلف، واحتراف السلبية، والسبق إلى ظلم النفس قبل الغير.

هذا لا ينفي حال الأمة، ولا يعني كذلك أننا ندعي المثالية، وحتى نتفادى التعميم نؤكد بكل شجاعة ومسؤولية أن الأغلبية العظمى لديها محطات صعبة جدًا موثقة في مسار حياتها، قد تقاسي في بعضها أو معظمها الأمرين، بمعنى أدق جميعنا مررنا بتجاريب قاسية تَحَدَّيْنا فيها أنفسنا والواقع. وأوقات أخرى جَرَّبنا فيها قدرتنا على التحمل. لكن قد لا يكون لكل هذا الكلام معنى يذكر، بمجرد التفكير الرديء في تقبل أطوار الهزيمة، خصوصا مِنَّا نحن، أو ممارسة استراتيجيات التضيق البشعة على أفكارنا، لخنق التميز والإبداع فينا، والسماح لأفعالنا بالتشويش المفتعل على عقولنا، حتى في أيسر لحظات وجودنا. لإرضاء غيرنا، أو الجوانب المظلمة فينا. التي يجب تشخيصها وعلاجها بالذهاب إليها أولاً ومقارعتها، فمنذ طفولتنا ونظرًا لكوننا كنا صغارًا، تكونت شخصيتنا تبعًا للثقافة السائدة، الجميع فيه يعمل على فرض رؤيته الخاصة في غياب القياس بمقياس الخطأ والصواب، بسبب الأنانية الخالصة، دون الأخد بعين الإعتبار أن هناك فرق شاسع بين الإخبار بالشيء مرة أو مرتين أو ثلاث مرات وبين الإعلام والإبلاغ والإخطار والإشعار والإطلاع والإعلان والإنباء به مرات عديدة ومتواصلة. إلى درجة أنه أصبح شرط عقلي وبرمجة متكاملة تجري في العقل مجرى الدم، تؤثر تأثيرا مباشرا على كيفية رؤية الحقيقة.

لإعادة الهيكلة داخل قواعد هذا العقل المشروط يستوجب علينا تطوير نظام عملي يُمْكِنُنَا استخدامه أولاً، ثم التمكين له ضد برمجتنا السابقة ثانيًا، بِغَضْ النظر عن ما رأيناه وتعلمناه سابقًا، فبموجبه يمكننا إيجاد مساحة من الفرص المعطلة، نستطيع فيما بعد تدريجيًا تحويلها إلى إنجازات حقيقية وواقعية. لأننا جميعًا نعيش لحظة أو لحظات من حياتنا، تسمح لنا بتجديد أفكارنا، والانطلاق بها إلى الأمام، كما أنها غالبًا ما تدعم التغير في الاتجاه الصحيحد، خصوصًا إذا استطعنا استخلاص الدروس من السيرة النبوية الشريفة.

فمن أوائل الأعمال التي قام بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مباشرة عند وصوله إلى المدينة المنورة، أنه صالح بين الأوس والخزرج، وآخي بين المهاجرين والأنصار، لأن المتناحرين لا يبنون دولة، لذلك يجب أن تكون الأولوية القصوى للوحدة الإنسانية والتآخي والتسامح والتعايش واحترام الآخر. إذ لا يمكن أن تكون ناجحًا إلاَّ عندما تنظر للخلف بعين الصفح الجميل، وللأمام بعين الأمل المتجدد، وللأعلى بعين الشكر والامتنان غير المنقطع، مع التمتع بقدر كاف جدًّا من المرونة والالتزام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد