فترة الشباب فترة ثورية في حياة الإنسان وتتميز بالحساسية المفرطة تجاه كثير من الأمور، وخلال تلك الفترة تثور في نفوس كثيرين عديد من الأسئلة حول المعتقدات وحول الهوية والوضع العام للمجتمع والدولة، وحول العلاقة مع الآخر المختلف عنا في أشياء كثيرة، وحول الموقع الحضاري للأمة.

وكواحد من الشباب العرب وخلال المرحلة الثانوية في نهاية الثمانينات من القرن المنصرم تولد لدي شعور بالتخلف الذي تعيشه وتعاني منه الأمتين العربية والإسلامية، وهذا الشعور كان دافعًا للتفكير والعمل من أجل تقديم شيء مفيد للمجتمع والأمة وتغيير ذلك الوضع البائس.

وطريقة التفكير خلال تلك الفترة انحصرت في المفاضلة بين دراسة العلوم التطبيقية، ودراسة العلوم الإنسانية، وأيهما أنفع وأجدى للأمة لكي تنهض.

والقصور الفكري بحكم عامل السن، وعوامل أخرى يُخيل لنا أن تخلفنا يكمن في الجانب المادي وفي العلوم التطبيقية على وجه الخصوص، وأن النهوض يبدأ من التخصص في المجالات التطبيقية والتقنية، ولذلك يتجه كثيرون لدراسة التخصصات العلمية، وعلى الصعيد الشخصي وقع اختياري على كلية العلوم وعلى تخصص الكيمياء.

والأحلام التي كانت تراودني خلال تلك الفترة تمثلت في إنشاء مصنع للمواد الكيماوية، والمساهمة في اكتشاف علاج للسرطان بالتعاون مع فريق عمل مكون من الصيادلة والأطباء في مجال البحث العلمي.

التحول من العلوم التطبيقية إلى الإنسانية

بعد قضاء عدد لا بأس به من السنوات في القراءة والبحث والنظر والاستقراء، يستقر في وعي كثيرين من دعاة التغيير والإصلاح أن تخلفنا كعرب ومسلمين لا يكمن في التخلف المادي أو التقني عن الغرب والدول المتقدمة، وإنما يكمن في التخلف الفكري الذي نعاني منه على جميع المستويات، وهذا الوعي يقودنا إلى أهمية وضرورة العلوم الإنسانية التي أهملناها كعرب ومسلمين في العقود الأخيرة لم نولها ما تستحق من أهمية.

وإدراك أهمية العلوم الإنسانية مثل: الفلسفة وعلم النفس والفنون والتاريخ وعلم الاجتماع والاقتصاد السياسي والجغرافيا السياسية يفسر تحول عدد كبير من دعاة التغيير والمصلحين من العمل في مجال التخصص العلمي التطبيقي مثل: الطب والهندسة والكيمياء، إلى العمل في مجال التنمية البشرية من خلال التدريب وتقديم الاستشارات وإلقاء المحاضرات وتنظيم الملتقيات الفكرية.

وما يعول عليه هؤلاء المتحولون هو إعداد نسبة 2% من المجتمع وهي النسبة المطلوبة لقيادة المجتمع وإدارة التغيير وصنع النهضة.

ونشاط هؤلاء المتحولين على الساحة الفكرية ملموس وبارز، وجهودهم في التنوير والتغيير بدأت تؤتي ثمارها، فقد حمل كثير من الشباب أفكار هؤلاء المتحولين، وبدأوا في عملية التغيير على الصعيد الشخصي وعلى صعيد المجتمع، وذلك من خلال ريادة الأعمال، ومن خلال الدعوة للتغيير، وتشجيع الشباب على القيام بمبادرات الهدف منها التوعية والنفع العام.

تغير نمط التفكير

مع التقدم في العمر وزيادة الوعي أدركت كغيري من الساعين للتغيير في عالمنا العربي أهمية العلوم الإنسانية في النهوض لأنها تُعنى بالنشاط الإنساني وفهم التحولات الاجتماعية، وأيقنت أن التقدم المادي لا يصنع الحضارة، وأن القيم هي التي تصنع الحضارات، والسر في بقاء الحضارة الغربية حتى الآن وعدم انهيارها على الرغم من العلل والأمراض المهلكة المنتشرة في الغرب ليس التقدم المادي الذي حققته وإنما بقاء القيم التي أخذها الغرب عن الحضارة الإسلامية، ومنها على سبيل المثال: المساواة والعدل والحفاظ على الوقت والمسؤولية والشفافية والمحاسبة والمشاركة في الحكم، وما نحتاجه اليوم لكي ننهض كعرب ومسلمين ليس امتلاك التقنيات الحديثة والتفوق المادي على الغرب وإنما إرساء القيم الإسلامية في المجتمع.

الوعي المتزايد والتغيير القادم

أصحاب الفكر والرؤية المستقبلية في العالم العربي لديهم تفاؤل بشأن المستقبل، وهؤلاء يبشرون بحدوث تغيير قادم في العالم العربي، ودليلهم على ذلك الحراك الفكري في العالم العربي، فهناك كثير من الأسئلة المطروحة والمثارة حول علاقة الفرد بالمجتمع والدولة، وحول أسباب التخلف الحضاري، وحول دور الدين في النهضة.

ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة فتحت المجال واسعًا أمام الشباب والنخبة لمناقشة الكثير من الأمور المسكوت عنها والتي اعتبرت لقرون من المسلمات، وهناك غربلة لكثير من المفاهيم التي نشأت وتربت عليها أجيال في العالم العربي، وهناك محاولة لفهم أعمق للأحداث التاريخية وللتحولات التي تمر بها المجتمعات العربية.

ومن المبشرات في عالمنا العربي الاهتمام المتزايد بالعلوم الإنسانية، والإقبال الكبير على الدورات التدريبية في مجال التنمية البشرية، وافتتاح كثير من مراكز التدريب التي تُعنى بتطوير الذات وتنمية القدرات البشرية، وهي أمور تدل على تنامي الوعي وعلى وجود رغبة حقيقية في التغيير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التخلف
عرض التعليقات
تحميل المزيد