منذ لحظات قليلة، شاهدت مقابلة تلفازية للقاتل بشار الأسد، مع قناتي السورية، والإخبارية السورية.

سأله المذيع، عن تعليقه على ادعاء أمريكا، بأنها قتلت البغدادي، وشاركتها عدة دول، منها سوريا، وروسيا، وتركيا، والعراق، والأكراد.

فأجاب بكل قوة وثقة، وبأسلوبه المنطقي والعلمي والواقعي المعتاد.

بأن سوريا لم تشارك في هذه العملية، بالرغم من شكر ترامب لسوريا؛ لأن الهدف من وضع عدة دول شاركت فيها، هو إعطائها مصداقية، ولإظهارها بمظهر عظيم وكبير، ولإعطاء الدول المشاركة فيها، رصيدًا في مكافحة الإرهاب.

وهو ليس بحاجة إلى هذا الرصيد؛ إذ إنه هو أصلًا من يكافح الإرهاب.

وينفي أي تواصل بينه، وبين الإدارة الأمريكية، كما يشكك في صحة العملية أصلًا، ويراها مشابهة لعملية بن لادن، وكلتاهما عمليتان مفبركتان وغير حقيقيتين.

ويتساءل أين بقايا جثثهم؟

ويقارن بين هذه العملية، وعملية القبض على صدام حسين، وعلى أبنائه، إذ عرضت جثثهم، سواء كانوا أحياء، أو بعد الوفاة، من البداية إلى النهاية.

وبالرغم من كراهيتي لهذا الغلام التافه، وشنآني، وبغضي الشديد له.

فإن الحق، يلزمني أن أذكر، وأبين، الصفات الإيجابية، لهذا العدو الماكر المخادع.

فهو منذ توليه الرئاسة، منذ 20 سنة إلا قليل، وهو يتكلم، سواء في الخطابات العامة، أو المقابلات الإعلامية، بطريقة فلسفية، ومنطقية، وواقعية، وعلمية، قل من يباريه، أو يبزه، أو ينافسه من زعماء العالم أجمع، إلا القذافي، كان إلى حد كبير، يقاربه في تلك الصفات.

فحينما كان يحضر مؤتمرات القمة العربية، كان هو الوحيد، الذي كان يتكلم، بهذا الأسلوب القوي الفلسفي، وخاصة وأنه كان فتى صغيرًا، أصغر من جميع حكام العرب، فكان يريد أن يظهر شطارته، وكان يشاركه في هذا الأسلوب، القذافي أيضًا، إلى حد كبير.

ولا ننسى، أنه وصف الزعماء العرب كلهم، بالأطفال في أحد المؤتمرات، وغضبوا منه غضبًا شديدًا، وأبى حسني غير المبارك، بمصالحته، بالرغم من أن عبد الله آل سعود، ذهب إليه، وصالحه، ومسح إهانته، وذهب معه في سيارة واحدة إلى بيروت، بعد مسرحية الحرب بين حزب الشيطان، والكيان الصهيوني، التي حدثت في صيف 2006.

وكذلك حينما سُئل، عن محاصرة الغوطة الشرقية، قال لهم: بكل منطق وواقعية تامة، إذا كان هناك حصار للغوطة، فكيف إذن يدخل السلاح، بكافة أنواعه؟!

ولكن السوريين، للأسف الشديد، بسبب العداوة الشديدة له، والكاتب أشد عداوة منهم، لا يتقبلون أي كلام يتفوه به العدو، ولا يفكرون به، وينبذونه جملة وتفصيلًا!

والله تعالى يعلمنا أن نشهد بالحق، بغض النظر، عن عداوة العدو بقوله:

«يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَ‍َٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ» المائدة 8.

مع لفت الانتباه، إلى أن كلامه، بالرغم مما فيه، من شيء من الحق، والواقعية، فإنه يريد به الباطل.

وهذا الكلام ليس لتعظيم، وتمجيد ذلك المجرم، الخبيث، السفاح، ولكن، لكي نعرف مقدار القوة التي يمتلكها العدو، والتي من الضروري، والواجب على الصديق، أن يبحث، ويستقصي عنها، ليحدد عددها، ومقدارها، فقد تكون قوة مالية فقط، أو قوة عتاد حربي، وأسلحة فتاكة، أو قوة عسكرية ذات قوة هائلة، أو قوة فكرية وعقائدية، أو قد تكون كلها مجتمعة معًا.

فإن الاستهانة بقوة العدو، تؤدي إلى الغرور، وإلى التكاسل، والقعود عن المواجهة، وعن القتال، كما حصل في غزوة حنين، حينما اغتر المسلمون، بقوتهم العددية الكبيرة، واستخفوا بقوة المشركين، وقالوا: «لن نُغلب اليوم من قلة»، فجاءتهم الهزيمة من حيث لا يحتسبون، كما صورها القرأن:

«وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡ‍ٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ» التوبة 25.

إن احتقار العدو، والتقليل من قيمته، ومن قوته، ووصفه بأوصاف مهينة، وأنه ضعيف، ولا يستطيع الصمود أمام قوة الصديق، وأنه سيسقط من الجولة الأولى، أو الثانية، كما وصف ثوار سوريا، المساكين، الطيبين، نظام بشار، بأنه ساقط من اليوم الأول للثورة!

وما يزالون حتى اللحظة، بالرغم من مرور تسع سنوات إلا قليل، على انطلاقتها، يرددون هذه المقولة السقيمة، الغبية، التي أوردتهم الردى، وأخرجتهم من ديارهم، أذلاء، صاغرين، ولم يعودوا يملكون شيئًا، وخسروا الأبيض والأحمر!

ويصرون على القول: إنه نظام ساقط، بالرغم من أنه استعاد عافيته، وأصبح أكثر قوة، مما كان قبل الثورة!

هذا أسلوب خداعي، ومضلل، يؤدي بعد اكتشاف الحقيقة، إلى الإحباط لدى الناس، وإلى اليأس، والقنوط، وإلى الهزيمة الروحية، والنفسية، والفكرية، وإلى التيه، والضياع، وعدم القدرة على التصرف.

إن السخرية، والاستهزاء بالعدو، مدعاة إلى الخمول، والتواكل، والقعود عن الإعداد للقوة، كما أمر رب العالمين.

«وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ» الأنفال 60.

وبالتالي تؤدي إلى الفشل، والهزيمة النكراء، والخسارة المادية، والجسدية، كما تؤدي إلى التهجير، والنزوح، والتشرد، والاعتقال، والسجن، والتعذيب، وبعدها الموت.

كما أن التهويل، والتعظيم من قوة العدو، وتصويره بصور أسطورية، خرافية، وبأنه جيش لا يُقهر، ولا يُغلب، يؤدي إلى الذعر، والخوف، والجبن، والتقهقر، ويؤدي أيضًا إلى الارتباك، والتمزق، والتشتت الفكري، والخور، والوهن، والإدبار عن مواجهة العدو، والاستسلام، والخضوع له، كما حصل أيام غزو الصليبيين، والتتار لبلاد المسلمين، إذ سرت شائعة في صفوف المسلمين، أن لديهم قوة جبارة، لا يمكن الوقوف أمامها، ولا هزيمتها، ولا حتى مقاومتها!

إذن يجب على الصديق، وعلى الثائرين ضد حكم الطغاة، المستبدين، النظر أولًا، إلى قوة العدو من جميع الجوانب، ووضع نقاط القوة التي لديه، إضافة إلى نقاط الضعف عنده، ومن ثم إعداد القوة المكافئة، والمناسبة للتغلب عليها، دون تهوين، ولا تهويل.

مع الاهتمام البالغ، والشديد جدًّا، بإعداد قوة الإيمان، التي تستطيع أن تعوض النقص، في القوة المادية، كما قال تعالى:

«قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ» البقرة 246 .

«إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ» الأنفال 65.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد