أليس عَجيبًا أن تَرى مَن كَفَروا بآيات الله قد أقروا بأن النَّفس البَشريَّة في طَبيعتها الإيمان بتلك الآيات؛ أعني أنَّهم وإن جَحَدوا بأفواههم، فإن أقوالهم وأفعالهم اللَّا إراديَّة أنكرت عَليهم ذَلِك. وإلَّا كَيف لنا أن نُفسِّر مَن كَفَر بحَياة بَعد المَمات، ثُم تَجده حَريصًا أن يذكُره التَّاريخ بما أراد هو أن يَبدو. لقد انتَقَل مِن عالَم الوُجود إلى عالَم غير مَوجود حَسب ادِّعائه، ولَكِنه حَريص أشد الحِرص على إظهار مَحاسِنه وإخفاء مَساوئه في ذَلِك العَدَم المَزعوم.

لمَّا حَضرت وَفاة أبي طالِب أتاه رَسول الله صَلَّى الله عليه وسَلَّم، فقال: “يا عَمَّاه قُل لا إله إلَّا الله، أشهد لك بها يَوم القيامة”، فقال: لولا أن تُعيِّرني قُريش يَقولون: ما حَمله عليه إلَّا جَزع المَوت، لأقررت بها عَينك، ولا أقولها إلَّا لأقر بها عَينك، فأنزل الله عَز وجَل: {إنَّك لا تَهدي مَن أحببت ولَكِن الله يَهدي مَن يَشاء وهو أعلم بالمُهتدين}. فلماذا يَهتم أبو طالِب بما تَقوله قُريش بَعد وَفاته، ويَنصرِف عن “إرضاء” ابن أخيه، الَّذي طالَما أحبه ودافع عنه وتَحمَّل في سَبيل ذَلك الأذى؟!

وليَسأل أحدهم نَفسه: ماذا لو أن “الأسرار” الَّتي أُخفيها في صَدري والَّتي لا أحد يَعلمها سِواي ولا أبتَغي لأحد غَيري أن يَعرِفها.. ماذا لو أن هذه الأسرار الدَّفينة قد كُشِفت لعالَم الوُجود بَعد أن أنتَقل مِنه إلى عالَم اللَّا وُجود؟

هل تَقبل؟ الإجابة قَطعًا لا؛ لا أقبل.. لا أُريد أن يَرى أحد غَيري هذه الأُمور المَعيوبة.

ولماذا نَحرِص على تَخليد ذِكرانا بَعد المَوت بالوَلَد أو العَمَل؟ هل سَيَجلب ذَلِك السَّعادة لنا في قُبورنا؟!

أليس في أمثال هذه الوَقائِع اعترافٌ بأن النَّفس البَشريَّة تؤمن بأن ثَمَّة إحساسًا ما؛ مَشاعِر ما تُصاحِبها بعد المَمات؟

ولو أن أحدهم قال: بل هو إحساس مُصاحِب للنَّفس في عالَم الوُجود غير مؤثِّر فيما يَليه لكان هذا اِفْتِراءً مَبتورًا؛ فكيف يتولَّد إحساس بدون مؤثِّر؟

ولو أن أحدهم قال: المؤثِّر هو الأديان القائِمة على تلك الخُرافة.. خُرافة ما بَعد المَوت. فكَيف إذًا نَشأ هَذا المؤثِّر؟ وهل يؤثِّر على مَن أنكر الأديان جُملةً وتَفصيلًا؟

لَيس هَذا فحَسب؛ بل إن النُّفوس البَشريَّة تأبى أو لا تَعرِف أن تَحيا حَياة السَّيِّد الَّذي لا يَخضع لخالِق ذي فَضل أو إله ذي أمر؛ حَتَّى المَلاحِدة والمُتكبِّرين مِنهم. فتَراهم إمَّا سالِكين مَذهَبًا مِن المَذاهِب أو خاضِعين لصِنف مِن الفَلسَفات، تُحرِّكهم القَوانين تارة، والعادات والمَوروثات تارة أُخرى، والشَّهوات في كَثير مِن الأحيان.. فخُضوع النَّفس البَشريَّة أمر حَتمي، والاِخْتِلاف يَكون فَقَط في المَخضوع له.

والعَجَب أن الخَلق يَخضع له تَعالى في أُمور كَثيرة يَعجز عن الفِكاك مِنها، كالخُضوع في العِلم {ومَا أُوتيتُمْ مِنْ العِلْمِ إِلّا قَلِيلًا}، والقَضاء {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}. وبعبارة مُوجَزة عن خُضوع الخَلق لله في شَتَّى المَناحي، وإفراد الله بصِفة الكَمال، بل وتَنزيهه عن وَجه المُقارنة: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}.

فلو أن المُسمَّيات تَشابهت لكي يُدرك المُخاطَب بأن الله هو السَّميع أو البَصير أو غير ذلك مِن الأسْماء والصِّفات، فإن أسْماء الله وصِفاته غير خاضِعة لعُقول البَشَر المَحدودة الَّتي تَعجز في بَعض الأحيان عن إحصاء الأشياء وعدَّها، فتَراهم يَقولون كحَبَّات الرَّمل أو كقَطرات ماء البَحر.. فهُم عاجِزون عن الإحصاء مُدرِكون لعِظم الكَم. والمَعنى كَما هو في نونيَّة ابن القَيِّم:

لَسنا نُشبِّه وَصْفَه بصِفاتنا إنَّ المُشبِّهَ عابدُ الأوثان .. كَلَّا ولا نُخْليه مِن أوصافه إن المُعطِّلَ عابدُ البُهتان

مَن مثَّل اللهَ العَظيمَ بخَلقه فهو النَّسيبُ لمُشركٍ نَصراني .. أو عَطَّل الرَّحْمَنَ مِن أوصافِه فهو الكَفورُ وليسَ ذا إيمان

فالخُضوع ليس خُضوعًا لتَفاوُت القُدرات، بل لانعدام قُدرة المَخلوق مُقارنة بقُدرات الخالِق؛ بل اعتماد المَخلوق في قُدراته المَحدودة على الخالِق {وإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ}.

وهذا الخُضوع يَستوجب إيمان الخاضِع للقاهِر المُهيمن، ليَتَّقي غَضَبه وعِقابه، ويَنال كَرَمه وإحسانه.

راجع الأدِلَّة السَّابِقة:

  1. دَليل الفِطْرَة
  2. دَليل الحُدوث
  3. دَليل التَّكْوين
  4. دَليل الكَمال
  5. دَليل الخَير والشَّر
  6. دَليل العَدالة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد