إشراقةٌ: “الفقيه كلّ الفقيه؛ مَن لم يُقنِّط النّاس من رحمة الله، ولم يُيئِّسهُم من رَوْحِ الله، ولمْ يُـؤَمِّنهم من مَكر الله”. علي بن أبي طالب.

قدْ لا يجد المتابعُ لأداء بعض خُطباء الجـُمـَــع غضاضة في الاعتراف بفضل نفرٍ منهم نَفَرُوا حقيقةً للتَّـعريف بالدّين وتمتين ارتباط الناس بنُظُمه وقيمه وجمالية تشريعاته وعَظَمَته، وفي إعادة لمّ شعث التباعد الحاصل بين الإيمان والسلوك، والاعتقاد والتطبيق، والانتهاء والإتيان.

وفي تقريب أحكام وتعاليم الإسلام مِن وعي وواقع المُسلمين، ومن جهة أخرى تجدُهم يكافحون ذاتيًّا في سبيل الترقي في مدارج القراءة والمعرفة ورفع منسوب الفهم لما حولهم، وتطوير مُستواهم اللغوي وأدائهم التواصلي ومهارات التبليغ وفنّ الإلقاء إلى غير ذلك ممّا يندرج في باب العِصامية التكوينية والعلمية، ممّا يخدم الدعوة وفن خطبة الجُمعة.

في حين لا يجد – نفس المتابع- حَرجًا في الاحتجاج على نَفرٍ آخرين عَطّلوا كل ما يُمكن تعطيله من أدوات الإدراك الثلاثة العِملاقة (السمع والبصر والفؤاد) والتي عليها يدور مناط التّكليف، وتأسيسًا عليها وما أدّته يكونُ الحِساب والتّساؤل، فإمّا إلى النار وإما إلى حُسن المآل {إنّ السمع والبصر والفؤاد؛ كلُّ أولائك كان عنه مسؤولا} الإسراء/ الآية 36، سؤال الاستفهام عن “ميكانيزم” التّعطيل بدل “ميكانيزم” التّفعيل!

عطّلوا ذلك تحت دعاوى – وإن كانت صحيحة على مُستوى الواقع- شيخوخة العقل والبدن، وضعف الإمكانيات المادية المُساعِـدة على اقتناء الكتب والمعارِف، وغياب التأطير والتكوينات الخاصة بالأئمة والخُطباء من لدُن وزارة الأوقاف والنظَارات.

وغياب استراتيجية وطنية لإدماج الخطباء في منظومة التكوين والتأهيل العَصري… إلى ما غيرِ ذلك من دعاوى وتبريرات، نُقدّر صِحّتها وتحقُّقها الواقعي، إلّا أنه يأفل نجم الزّعمِ أنّها “الكُلّ في الكلّ” والمسؤولة المُباشرة عمّا وصلت إليه بعض خُطب الجُمعة مِن الترهُّل والانسحاب مِن معالجة القضايا الوطنية والمُجتمعية، والإسهام في تأطير الشباب والشعب تربويًا وشرعيًا بأبعاد وسطية معتدلة منفتحة متموْقِعة في الزّمان والمكان.

ليس الغايُ من إيراد الكلام الآتي أسفله التعرّي بالاحتجاج والانتفاض على نوع من أنواع خُطباءٍ وخُطبٍ طلّقت قضايا الواقع ورهانات الناس طلاقًا ثلاثًا في بينونة كبرى، طلاق الاهتمام، طلاق الاستيعاب، طلاق المعالجة، وانحشرت في زوايا الوعظ القاسي والمواعظ القاصية الشاردة التي لا ترفعُ ولا تنفعُ ولا تزرع، وابتعدت عن التجديد والتجدّد الذاتي، وإن الخطيب الذي لا يُجدد معارفه يُشكّل خطرًا على الجـــيل، وكثيرٌ مّا هُم!

بل الهَدف الــمُــتَأمَّـل تـحـقُّـقـُه مِن ذَا المقال هو إعادة إثارة النّقاش الهادِئ حول مركزية الوظيفة الإنمائية والتربوية والتأهيلية لخُطبة الجُمعة بالمغرب، أو بالأحرى فتح باب مُشاركة بعض أفراد المجتمع في إجراء نقدٍ خلوقٍ لمتون ومقتضيات وطرائق تقديم وتنزيل بعض خُطب الجُمَعِ المقصودة بذلك.

فخِلافًا لما أقَـــــــرَّتْـــهُ السُّنَّة الفِعلية والقولية للرسول الخاتم عليه الصلاة والسّلام في تَوجيه الكلام والوصايا والأوامر للأمّة ولأهل الذّمة في قَـوالب مِن الشَّفقة والعطْف والفهم واللين والرحمة والتّواضع أمام الخلق والخالق؛ تُـطالِعُـنَا بعض الخُطب المنبرية في جمعة الخير السابقة عن مُستهلِّ السنة الجديدة، بمواعظ مِن خشَب، يُـلْـقـيهَا وُعَّاظ من خشب، تَـــيَــــبَّـــسَت الألفاظ وأقحلت الجمل وتخشَّبَتْ التوجيهات التربوية والفهمُ الظاهر والباطن لمقاصد الدين في أفواههم. فلِـمَ كل هذه الجفوة والقسوة يا وعَّاظ، يا أئمة؟

في حيّنا المتواضع، المُختلِفة مشارب أهله ومُستوياتهم التعلُّمِية وفهُومهم الدينية وأنماط اهتماماتهم.

كما هو عليه واقع حال أحياءٍ أخرى، اهتَبل بعض الخُطباء -كما عايَـنَّا ورِويَ لنا- قُـرْبَ انْـصِرَام السَّنَة الحَالِـيَة ودُخُول السنة الميلادية الجديدة ليُلَبّوا نداء الضمير في الدّفاع عن شَخصية الأمّة المعنوية ضدّ السّلب والنّهب المعنوي والمادّي الذي تمارسه في حقّها حضارة الغرب المادية الأُحَادِية الهابطة حِسًّا ومعنى، فاستعانوا على ذلك بأن شًحذوا (مع استعدادٍ نفسي وذهني قَــــبْـلِـي) أدواتِ النقد والتشكيك والهجُـوم بألْسِنةٍ حِدادٍ أشِحَّـةٍ على اللطف ولين الجانب ونبرات الرأفة والرحموتية، والأمر بالمعروف والنّهي عن المُنْكر على نهجِ ما أوصَى به صاحب “الإحياء” رحمه الله.

نعم؛ اهتبلوها فرصة – لا لتفهيم النّاس جوانب الخطأ وترشيدهم لصواب القول والعَمل- بل لشن الهُجوم، وذلك في اتجاهين:

الاتجاه الأوّل:

تنطلِقُ رصاصات الاستنكار والاستهجان والشّجْب في الاتجاه الأول صوب جُلساء المسجِد، الذين تتجسّدُ فيهم لدى الخطيب صورة (الأمة – الشَّعب المغربي) انطلاقًا لا تَـأْلُ معهُ جُهْدًا في تبنِّي هجوم حادٍّ ومستفزٍّ لا يُـبقي لقيم الرحمة والتعليم والتنبيه بلطفٍ، مكانًا ولا قيمةً ولا أثرًا.

حيث يَــعْــتَــبِــرُ الخطيب أنّ أمر الاستتباع الحضاري لأمة النصارى واليهود (المغضوب عليهم، والضّالين) بتعبير ربّ العالمين، في عاداتهم وعوائد أحوالهم وأعيادهم؛ وكأنَّه اختيارُ تقليد واتباع بمحض اﻹرادة الحرة للأمة، وكأنه اتّباعٌ – لو افترضنا صحّة حُدوثه- لم تُمْــلِه عناصر وحوادِث خارِجية، وكأنّه وُلوغٌ في الاتباع بدون مقدمات اسْــــتـِـتْـــبَاع ساهمت فيها قرونٌ مِن القرصنة الغربية والاستعمار، تمَّمَـتْـها أعوام من التحديث والعصْرنة والتفوق التقنوي والجوقة اﻹعلامية واستراتيجية اﻹلهاء وبرابجندا التسويق للحداثة والعولمة و(لزَمن) الغرب القائم اليوم على قيادة العالم، والفارض لقيمه وعاداته الغازية لكل ما هو حي وجامد!

اعتَـــبَــرَ الواعظ – الذي لا يبدو عليه أثر فهم الواقع بتعبير مسرور المراكشي – أن جُموع المُحلَولِقين بخطبته (منافقون!)، لأن بِــهِم مَـسًّا مِن عَلمانية خفية وجُزئية عندما يفرقون بين اﻹيمان بمضامين سورة الفاتحة والانحراف عن أوامِرها والانسلاخ عنْ فهمها والعمل بها عندما يتعلق الأمر بتتبُّع سَنن المغضوب عليهم والضّالّين.

وعلى رأس ذلك؛ “الابتهاج بحلول سَنتهم الميلادية”. يعتقِدُ الإمام أنّ الجالسين أمامه صنف واحد، اتّفقت نواياهم وتلاقت على الاتباع للآخر؛ هكذا بِــفِـعْلٍ وتصميمٍ إرادَيٍّ لهُمْ يدٌ فيه، ظانًّا أنّهم شاركوا أو يُشارِكون في جَـرِّ قطار الأمّة نحو تقليد حياة الآخر (الاحتفال برأس السنة الميلادية في هذه الحالة) دون أن تكون ثَــمَّ مُسبِّباتٌ وإملاءاتٌ ضَغَطَت بقوّة في ذلكم الاتجاه.

يتابع الخطيب زحْـفه على المُنصِتين بنصوصٍ وسطورٍ عجْلَى تستهدِف تسفيه (وليس تنبيه) ما هم عليه من اتّباعٍ للمغضوب عليهم في كلّ قــالٍ وحالٍ، دون أن يُكلِّف نفسه عناء الاطّلاعِ مِن عَـلٍ على خارطة العالم المتموِّجة وموضع المُسلِمين فيها، ودون أن يتحقَّق مِن مَنْسوب وعي النَّاس وفهمهم لما يدور حولهم، لما يُحاك لهم، ودونما قيامه بعملية تفيءِ الحاضرين حتّى يختار من الأقاويل والتفاسير والشُّروح ما يُناسِب تنوُّعهم ويُراعي قُدراتهم الذِّهنية وخرائطهم الإدراكية، جرْيًا على سنّة رسول الله في ذلك.

إنّ لا أحد يُكابِر في الزّعِم أن تتبّعُ سُنن المغضوب عليهم غير حادثٌ في حياةِ بعض مُسلمي هذا الوطن، ولا يُنازِع أحدٌ في أن مثل هذه المسألة تستدْعِي تحمُّل الوعّاظ والخطباء والعُلماء لمسؤولياتهم في التوّجيه والتنبيه والتّحذير والتّبشير، لكن أن تتحوّل خطبة الجمُعة إلى منصّة إصدار الأحكام بالجُملة على النّاس، على كلّ الحاضرين من رجال وأطفال ونساء ومحاكَمتِهم بلُغةٍ لا تخلو مِن الهجوم الفجّ، فذاك سَفَهٌ وتَــفَـهٌ يُقْلِق كلَّ فَــهِــيمٍ وذي بقية مِن ضمير.

ليس القصد إسكات مثل هؤلاء الخُطباء من الخوض في ذلك؛ كما أنّ القصد ليس هُو خَـلْقُ تبريراتٍ لنُبِقِي وضع الأمّة المُستَتْبِعة لقيمِ ومواسمِ وعاداتِ الغرب المنافِق قائمةً ذراعًا بذراعٍ فيما نهانا الله عن وَلايتهم واتّباعهم فيه، فنصوص القرآن واضحة وأحاديث الرسول مُوضِّحة وشارِحة.

وكفى بالخطيب العزيز أن ينتَصِبَ معلِّمًا للنّاس أحكام دينهم في التعامل مع الآخر، مبيِّنًا لهم حُدود ما نهى ومساحات ما أمر، مُبِرِزًا لهم في وعيٍ غيرِ شقِيٍّ واقع الحال المُعاصر الذي تقارَبت فيه النِّـحَلُ والمِــلَلُ، وغطّى ظلام حضارة إحداها على الآخر، وغَشِيها مِن رَذاذِ مسلكياته وأفاعيله وأباطيله وأحواله وقيمه ما غَشِـــيَــها، وأضلَّ معها بيوتًا من بيوت المُسلمين، وأحيانًا مِن غير أن يكون لهؤلاء حولٌ فيما أتَـواْ ولا قوّة!

تَـرى في أعين الحاضرين اندهاشًا من العتاب الصَّارم وصواريخ النقد التي يفجِّرها الواعظ من فوق رؤوسهم، وتسْتَقْر من أوجُهِهِم عُيوناً تدور في محاجرها بحثًا عن بصيصِ فهمٍ للخيط الضَّائع بين ما يقول اﻹمام وما هو قائم عليه واقع الحال! يدورُ بخُلدِكَ أنّ أحدَهم يُـفكِّر في أخذ نقطة نظام توضيحية يُفرمل بها السَّيل الهادر مِن العتب والغضب والتزمجر اللاَّمحدود الذي يُــبْدِيه الواعظ المخْلاف لقيم وسيرة سيّد الوعاظ والدعاة عليه السلام.

وفي ذات الاتجاه؛ يَـحْرِصُ درسُ الخطيب على تكرار اللَّـومِ على الذَّات، ذات الأمة، ويعتبرها المسؤولة الأولى والأخيرة (مع استحضاره أحيانًا للطاقة الشريرة متمثلة في الشَّيطان) عن انهيار معاني الشَّهامة والنخْوة والرجولة فيها؛ حتى غدت تتبع النصارى واليهود والذين أشركوا في كل صغير وكبير وقبيلٍ ودبير، وتشتري الذُّل وتستسْقِي الظّمأ مِن على أبوابهم بإرضائهم والتطبيع معهم والفرح بأفراحهم وانتظار السنة الجديدة بشوق يضاهي شوقهم؛ أو يزيد!

قد يكون الواعظ على قدْرٍ مِن الصِّحّة فيمَا يتلوهُ مِن بيانات التنذير والتحذير وتشريح واقع الاستتباع؛ ولكنَّه مخطئ بدرجات مئوية في الطريقة التي يقدم بها فهمه للنصوص وتأويله للأحاديث وعودَته للماضي واستيعابه للتغيرات المجتمعية والسياسية والدينية حتى. مخطئ كذلكَ في انتهاج أسلوب الانقضاض على الناس وتسفيه أفهامِهم، وجعْلِهم في سلّةٍ واحدة، والزج بهم في خانة الاتهام، ثم رميهم برصاص التوبيخ وشِرْعَةِ التَّخويف وسُوء المصير؛ فإذا الجميع – أو هكذا يُــخَيَّلُ للمرء- أمام حالة إعدام سيكولوجي لا يُـرْضي الله ولا رسوله ولا أئِمَّة المسلمين وعامتهم!

ينقضي الشوط الأول من الهجوم ذي المنحى الخاص (الذاتي) بأدعية تطلب من العلي القدير أن يعيد الأمة إلى جادة الصواب، وأن يعينها على الامتثال لشرع الله، وأن تتوقف عن الزيغ واقتفاء أثر الذين ضلُّوا مِن قبل، وأضَلوا كثيرًا، وضلوا عن سواء السبيل. فادعوه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم؛ آمين!

الاتجاه الثاني:

في المحور الثاني من خُطبة حشْدِ الغضب تُجاه ظاهرة احتفال بعض المُسلمين برأس السنة الجديدة جَرْيًا على ما اسْــتَـــــنَّــــــتْــهُ النّصارى والضّالين، زعْمًا منهم بإيمانٍ ظاهِرٍ برسالة المسيح ووجوده، يُكذِّبُها واقعهم المنحرف عن نهجه وطريقته ودعوته وعمّا جاء به.

يـَمْهَدُ الواعِظُ لنفسِه بشنّ الهجوم في اتّجاه الآخر الذي كان – وما زال- عدوَّنا الذي لن يرضى عنّا ولو اتّبعنا مِلّته واقتفينا أثره وركِبنا رَكبَه، (ينطلقُ) على إيقاع العودة إلى الماضي النّبيل واستدعاء إرث التحذيرات النبوية الشريفة ونُصوص القرآن المُقدَّسة التي ما فتِأت تـُذكِّر بالأباطيل والانحرافات التي طالت منظومة الاعتقاد والسلوك والتّطبيق لدى بعض المغضوب عليهم والضّالّين، وبالتّالي تُحذّر الأمّة من مَغبّة اتّباع الهوى (الأجنبي) وموالاة الفَجَرة وتفضيل مَودَّتِهم على مودّة المؤمنين والمُسلمين.

طيّب؛ ذلك مّما يُحمَدُ إيراده ويَـــحْــسُن التّذكير بمضامينه، لكن دونما التّصلُّب هناك؛ والبقاء في القرن الأوّل مع يهود خيبر وبني القيْنُقاع ونصارى العرب ومسيحيّي نجْران ومَن والاهم مِن الأتْـباع.

إن القضية شيءٌ آخر، غيرُ الوُقُوف بالنّاس على عتبات التاريخ الكبير الذي أنْجَزت فيه الأمّة شروط استقلالها ومُفاصَلَتها عن طابع الديانات الأخرى وعوائد مُعتَنقيهاز

وانطلَقت برسالة “الهيمنة والتّصديق” تُدخِل النّاس في دين الله أفواجًا، وتعرِض منهجية القرآن التواصلية والعالمية في دعوة النصارى واليهود والذين أشركوا إلى عبادة ربّ العباد، ومِن ضيق العَلمانية إلى سَعة الإسلام الائتمانية، ومِن جور المُتسلّطين إلى رحابَة العادِلين الراشدين، ومن محدودية الدنيا إلى خُلُودية الآخرة.

ولكن قضى الله، بأن أتى على أمّة الشهود حينٌ من الدّهْر انقلب عليها ظَهرُ المِجنّ، وانغلق تاريخها الواسع الكَبير وأضحى واقُعها صغيرًا ضيّقًا حرِجًا أشبهُ بالأزِقّة المُغْلَقة التي لا ينفذُ منها حدَثٌ ولا يمرُّ بها أحدٌ! استتبع ذلك هجوُمٌ صليبيٌّ حاقِدٌ مُستَخِفٌّ بعقيدة الأمّة وقرآنها وسُنّة نبيّها وتاريخها الزاهر وإسهامِها الوافر، فاهْتَــبَل الباغي غَــيْــبَـــتَهَا من مسرح الأحداث ونَقَضَ شَيْبَتها وحاوَل هدَّ كيانها، فقَفَز إلى السّطح، وانْساح شَرقًا وغَرْبًا في أفق الهيمنة، عن طريق الميركانتيلية تارة، وبالاستعمار العسكري أخرى، وبالحِماية كَرّة، وبالانتداب والوصاية أخرى، وبالقُروض والسياسة والثقافة والإعلام والتكنولوجيا كذلك، إلى أن ملأ الدنيا وشَغَل النّاس – والمُسلمون بعضُ النّاس-ضَعُفَت لدى بعضهم المناعة ضدّ الاختراق والاستتباع والاقتداء، فأضحى حالُهم على ما يُرى، فاستَفزَّ خُطباء يَعلمون ظاهِرًا من الحياة الدّنيا وهُم عمّا يجري حقيقة فيها لغافلون!

انتقاد الآخر وتسفيهه، والغيرة على الدين والهوية الحضارية للمجتمع أمْرٌ، ومعرِفة تَطلُّبات الواقع والمرحلة أمرٌ آخر، وعليه؛ فإنّ ما قد يُعابُ على مثل هؤلاء الخُطباء هو ما ذكرناه في مُفتَــتَحِ مقالنا هذا فيما يتعلَّق بضعف الاطّلاع والقراءة والانفتاح على مُنتَج الحضارة الإنسانية، والبحث في مُستَجّدات الأديان السماوية وتقسيمات أتباعِها، ومُسايرة نوع الخِطاب المطلوب في التعامُل مع (المغضوب عليهم والضالين) من ساكنة القرن الجديد.

نعم؛ يُعاب عليهم الخطأ في القصد، والنّقص في التّصوُّر، والعَجزُ في الطّريقة، طريقة لا يُمكِن أن تخدُم أهداف الخُطبة والدعوة بحالٍ، حيث لا يُمكننا بتاتُا أن ننتصر أو ننتشر “بالغَضب، وطُول العَتَب، وبقواميس الإدانة وحَشْـرُ أتباع الأديان الأخرى في صعيدٍ واحد، وتغليب شِرعة التّعنيف على شِرْعة التّخفيف”؛ فذلكَ في تقديرنا لنْ يُعَلِّم جاهِلاً ولن يُحفِّز قارِئًا ولن يُقيم جُسور التلاقي والحوار بيننا وبين الآخر في السياق المُعاصِر.

المطلوب تفهيم الآخر مِن خلال خُطبَة الجُمُعة وبشكل هادئ بأنّ مَدَارَ ما هو عليه خاطئ، اعتقادًا وعَقلاً وواقِعًا، ومِن ثمَّ التّسرُّب اللطيف إلى عوالِم عقله ونفْسِيته لإقناعهِ بتهافُت نموذج المَسيحية أو اليهودية التي هو وآلُهُ عليها الآن، وبِصِحِّية تعاليم الإسلام الكريم وصِدقية كتاب الله العَظيم الداعي لهم ولنا على الاجتماع على كلِمةٍ سواء، وعلى دُستور جامع يتمثّل في الدّخول في “السِّلم كافة” سِلم القول والعمل، سلم الأديان والأوطان، سِلم العُمران والإنْسان، سِلم الحاضر والقادم، سِلمٌ يخدُم رسالة الإسلام باعتبارها رسالةً للعالمين (بما فيهم المغضوب عليه والضالين الذين يُقيمون احتفالات رأس السنة الميلادية يا سيدي الخطيب)، وباعتبارها “لُــبّ” بعث الرسول والخَتمِ به عليه السلام.

فَبِلَا سَفهٍ ولا تَفَهٍ رحمكم الله، فالقضية شيء آخر، القضية مُــثُلٌ وقيمٌ ورِفقٌ وجلبٌ لمصالحَ ودرءٌ لمفاسِدَ، وتقريب وتغليب، وتخفيفٌ وتشريفٌ، وتحقيقٌ لموعود الله في أرضٍ مِلْـؤُها الصّلاح والاستقامة والفلاح، والعدل والدّين والإصلاح!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد