شهدت الحضارة الإنسانية تحولات تاريخية كبيرة، ونجحت في إقامة المؤسسات القضائية الدولية، وفي إرساء قواعدَ المسؤولية الدولية الجنائية لتضع حدًّا لطغيان الأفراد في ارتكاب الجرائم بحقِّ الإنسانية.

وبهذا يكون المجتمع الدولي قد قطع في السنوات القليلة الماضية خطواتٍ حاسمة وسريعة في مجال المسؤولية الدولية الجنائية، خاصة بعد اعتراف القانون الدولي المعاصر بالفرد وعده موضوعًا من مواضيع القانون الدولي العام، واهتم بالحقوق والالتزامات التي رتَّبها عليه القانون الدولي.

ويجدر الإشارة إلى أركان وشروط المسؤولية الجنائية، والتي شأنها شأن مصادر القانون الدولي، ووجوب فَهْمَهَا بمعنى مزدوج.

أولًا: بمعنى ذلك الأساس الذي يؤثر تأثيرًا حاسمًا في القانون الجنائي الدولي.

وثانيًا: بمعنى أسلوب التعامل في شكل الأركان والشروط التي تظهر في هذا الأسلوب أو من خلاله أيضًا.

وفي الحالة الأولى يجب أن نفهم أركان وشروط القانون الجنائي الدولي، والأسباب المادية، بما في ذلك نِضَال الدول وتعاونها ومصلحتها المشتركة وتعلقها المتبادل في الكفاح ضد الجرائم الدولية.

أمَّا الحالة الثانية، فينبغي أن نفهم أركانه وشروطه في القانون الجنائي الدولي بالمعنى القانوني، ونعني هنا الشكل الذي يتجلى من خلاله هذا الغرض أو ذاك، أي ذلك الشكل الذي تتخذه قاعدة من قواعد القانون الجنائي الدولي.

وحين يأتي الحديث عن أركان وشروط القانون الجنائي الدولي بالمعنى القانوني، يجب ألّا يغيب عن بالنا أنّ المادة رقْم (38) من نظام المحكمة الدولية الأساسي، والذي يشكل جزءًا لا يتجزأ من ميثاق الأمم المتحدة، تُحَدِّد المصادر التي يتوجب على المحكمة أن تسعى إليها انطلاقًا منها خلافات مُحالة عليها على قاعدة القانون الدولي على النحو التالي:

1- الاتفاقيات الدولية سواء أكانت عامة أو خاصة.

2- العُرف الدولي بصفته إثباتًا للممارسة العامة المُعترَف بها بصفة القاعدة القانونية.

3- المبادئ العامة للقانون.

4- أحكام المحاكم ومقرراتها ووثائقها.

إنّ القانون الجنائي الدولي يوفر وسائلَ لتنفيذ فرض العقوبات على المستوى الدولي، فيما يتعلق بالانتهاكات الجسيمة للقانون العرفي، والانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي لحقوق الانسان، والقانون الدولي الإنساني الذي ينظر إليها بوصفها التزامًا فرديًّا.

كما لُوحظ، أنَّ المحكمة الجنائية الدولية تحاكم الأشخاص المتهمين بارتكاب مثل هذه الجرائم: (الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية، وجريمة العدوانية وجرائم الحرب).

ولقد انضمت إلى نظام روما الأساسي 121 دولةً اعتبارًا من يوليو (تموز) 2012م، فعلى الرَّغمِ من أنَّ بعضَ الدولِ كانت قد وقعت على نَص نظام روما المذكور، فإنها لم تصبح بَعدُ طرفًا لها.

وعملًا بالمادة رقْم 13 (ب) للنظام المذكور أعلاه، يمكن لمجلس الأمن إحالة الوضع في هذه الدول إلى المُدَّعِي العام للمحكمة الجنائية الدولية للتحقيق فيها.

جرائم الحرب

تَرِد قائمةٌ كاملةٌ من الأفعال التي تشكل جرائم حرب بموجب نظام روما الأساسي في المادة رقْم (8) منه، وفي سياق النزاعات المسلحة غير الدولية، تشتمل القائمة على الانتهاكات الخطيرة للمادة رقْم (3) المشتركة لاتفاقيات جنيف وبروتوكولِها الثاني، وكذلك الانتهاكات الخطيرة الأخرى للقانون الدولي.

جرائم ضدَّ الإنسانية

هي تلك الجرائمَ التي «تَهُّزُ الضميرَ الإنسانيّ»، وبموجب نظام روما الأساسي، فإن الجرائم ضد الإنسانية تقع عند القيام ببعض الأفعال المعينة كجزء من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد مجموعة من السكان المدنيين، وحيث يكون مرتكب الجريمة على علم بالهجوم.

وتباعًا لما سبق، فإنّ معايير الجرائم ضد الإنسانية المرسخة في القانون الجنائي الدولي نذكرها في نقاط:

1- يجب وقوع هجوم واحد على الأقل أو على الأكثر.

2- ينبغي أن يكون فعل مرتكب الجريمة جزءًا من الهجوم أو الهجمات.

3- أن يكون الهجوم أو الهجمات موجهًا ضد أية مجموعة من السكان المدنيين.

4- يجب أن يكون الهجوم أو الهجمات على نطاق واسع أو منهجي.

5- على الجاني أن يكون على دراية بأن فعله يُشكل جزءًا من نَمَطِ جرائم واسع النطاق أو منهجيٍ موجه ضد مجموعة من السكان المدنيين، ويُعرَّف أنَّ أفعاله تنسجم مع نمطٍ من هذا القبيل.

فأمّا الأفعال أو الجرائم التي أشير إليها في الفِقْرَةِ الثانية أعلاه، فقد سُميت في نظام روما الأساسي، وتضم اللائحة عددًا من الانتهاكات التي تم وصفها في مكان آخر ضمن هذا التقرير، فعلى سبيل المثال، عمليات القتل غير القانونية، الاختفاء القسري، التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية واللّاإنسانية والمُهِينَة، والاغتصاب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد