يقول أحد الباحثين الغربيين: “كان الوحي في اليهودية متجسدًا في شعب هم بنو إسرائيل، وكان في المسيحية متجسدًا في شخص هو المسيح، بينما في الإسلام تجسد الوحي في كتاب هو القرآن”، ربما كان السبب وراء اختلاف الإسلام عن غيره من الأديان هو خلوه من ثقل الرموز والأسرار اللاهوتية، لا يوجد في الإسلام باعتباره دعوة ربانية “ما يدعو إلى اعتبار العقل قاصرًا عن معرفة أي شأن من شؤون الدين”، تجسَدُ الوحي في نص لغوي (القرآن الكريم) جعله موضوعًا لاشتغال العقل، فتجربة الوحي التي خاضها النبي صلى الله عليه وسلم رافقتها معاناة نفسية وآلام وجدانية انعكست في ظروف وأحوال اجتماعية كانت بدورها سببًا لنزول النص القرآني منجمًا – حسب الوقائع والأحداث – في ثلاث وعشرين سنة.

بعد وفاة الرسول الكريم – عليه الصلاة والسلام – واجه المسلمون مشكلتين عويصتين: كانت إحداهما متمثلة في عدم وجود سور القرآن وآياته في مصحف واحد يتم اعتباره مرجعًا لا خلاف عليه، بينما كانت المشكلة الأخرى متعلقة بوجود آيات كثيرة وأحكام في القرآن لم يرد بشأنها عن رسول الله شرح أو تأويل، حاول الصحابة الكرام حل المشكلة الأولى عن طريق جمع آيات القرآن المكتوبة “في الرقاع والأكتاف والعسُب” ومقارنتها بما هو موجود في صدور قراء الصحابة وحفاظهم من كتاب الوحي.

لكن محاولة جمع القرآن في مصحف واحد اصطدمت بمشكلة تعدد وجوه قراءة القرآن “حتى قرؤوه بلغاتهم على اتساع اللغات”، وهذا ما أجبر السلطة السياسية في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان – رضي الله عنه – على اعتماد نسخة واحدة لقراءة القرآن وإحراق بقية النسخ التي لا تتفق مع تلك القراءة.

جهود جمع القرآن وتوحيد قراءاته في مصحف واحد كانت بمثابة حل عملي ناجح لحل المشكلة الأولى، لكن المشكلة الثانية – مشكلة تفسير وتأويل القرآن – بقيت بلا حل نهائي، بل أصبحت تلك المشكلة مدخلًا لفهم جميع النزاعات الفكرية بين الفرق والمذاهب التي نشأت في تاريخ الإسلام.

التعدد الدلالي لطبيعة النص القرآني هو ما سمح باستخدامه كسلاح في الصراع الأيديولوجي بين تلك الفرق، فالقرآن “حمال أوجه” تتعدد دلالاته حسب الأفق الثقافي للقارئ وغرضه الفكري من عملية التأويل، والإحساس بتعدد دلالات اللفظ الواحد في القرآن ظل يلح على أفئدة المفسرين ويُؤرقهم حتى أصبح موضوع “الأشباه والنظائر” فرعًا مهمًا من فروع الدراسات القرآنية.

يؤكد علماء اللغة أن اختلاف أي نص لغوي عن غيره من النصوص يتحدد بطريقة النص في اختلافه مع ذاته، هذا الاختلاف يمكن الوصول إليه عن طريق فعل القراءة بوصفها آلية إنتاج الدلالة، واختلاف الناس حول النص القرآني يرتد في جزء منه إلى اختلاف النص القرآني في ذاته (منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات).

وجود المحكم والمتشابه في القرآن جعله وعاءً يتسع لمختلف التفسيرات والقراءات، والاختلاف في تحديد محكم القرآن ومتشابهه انتهى بالقرآن بين المتنازعين إلى أن صار مجالًا للخصومة، حتى صدق على القرآن ما قاله العالم اللاهوتي بيتر فيرفر في الإنجيل: “كل امرئ يطلب عقائده في هذا الكتاب المقدس، وكل امرئ يجد فيه على وجه الخصوص ما يطلبه”!

القرآن بين الأشاعرة والمعتزلة

يؤكد المعتزلة على أن العقل “هو أعدل الأشياء قسمة بين البشر” لذا جعلوه مناط التكليف وأساس الإيمان بالله، فالمعرفة لا تتم إلا عن طريق النظر في الأدلة نظرًا ينتقل بالإنسان من العلوم الضرورية (الفطرة) إلى العلوم النظرية (المعرفة)، وانشغال المعتزلة بالدفاع عن الإسلام ورد المطاعن عن القرآن ألجأهم إلى تقسيم أدلة المعرفة إلى ثلاثة أقسام:

قسم يدل بذاته وجوبًا كدلالة الفعل على الفاعل (وهذه تؤدي إلى إثبات وحدانية الله)، وقسم آخر يدل بالدواعي والاختيار (وهذه تؤدي إلى معرفة أفعال الله)، وقسم ثالث يدل بالمواضعة كدلالة الكلام على قصد المتكلم (وهذه تؤدي إلى معرفة أوامر الله ونواهيه)، ونتيجة لهذا التقسيم أصبح “كلام الله لا يقع دلالة إلا بعد معرفة صفاته من التوحيد والعدل”.

واختلف الأشاعرة مع المعتزلة في ترتيبهم أدلة الشرع على أدلة العقل واعتبروا كلام الله في القرآن دالًا بمفرده على ما يدل عليه، واتفق الأشاعرة مع المعتزلة في اشتراط المواضعة لفهم دلالة الكلام ولكنهم اختلفوا معهم في أصل المواضعة: هل هي توقيفية أم اصطلاحية؟ وهذا الخلاف يمتد بجذوره إلى طبيعة النص القرآني: هل هو قديم أم محدث (أزلي أم مخلوق)؟

فالسبب الذي جعل الأشاعرة يصرون على أن أصل المواضعة توقيف من الله هو اعتقادهم أن الكلام “صفة ذاتية” لله سبحانه، بينما العكس لدى المعتزلة حيث يعتقدون أن الكلام “صفة فعلية”، المواضعة اللغوية – كما يفهمها المعتزلة – هي الإخبار عن الأشياء حال غيابها عن الحواس وهي بذلك تعتبر بديلًا للإشارة الحسية، وبما أن الإشارة الحسية لا تجوز على الله فقد ذهب المعتزلة إلى أن المواضعة اصطلاح لغوي وليست توقيفًا إلهيًا.

والقول بالمجاز سلاح أساسي في تأويل القرآن لدى كل من المعتزلة والأشاعرة، والاختلاف بين الفريقين في قضيتي رؤية الله وخلق أفعال العباد مثال حي على العلاقة الوثيقة بين مفهوم المجاز والتأويل، فحين يعجز التحليل اللغوي عن كشف وجه الدلالة في العبارة يعتصم المعتزلة بالقرينة العقلية بينما يعتصم الأشاعرة بالقرينة اللفظية، وإذا كان الأشاعرة قد ذهبوا إلى إطلاق الإرادة الإلهية لتشمل كل الإرادات – بما فيها ارتكاب القبائح والشرور– فإن المعتزلة عمدوا إلى التمييز بين ما يريده الله من فعل نفسه وبين ما يريده من فعل غيره، وذهبوا إلى أن “إرادة الله للفعل الإنساني إنما هي إرادة على سبيل الاختيار لا الإلجاء”.

وحين انتقل المعتزلة للاستدلال على أفكارهم بالقرآن نازعهم خصومهم على صحة استدلالاتهم، وأوردوا ضدهم أدلة عقلية أخرى تتناقض مع مسلماتهم، ونظرًا لهذه الاختلافات الحادة في المفاهيم الفكرية والتصورات النظرية اضطرب تأويل القرآن لدى القدماء اضطرابًا شديدًا.

القرآن في عيون المستشرقين

يذكر الدكتور بسام الجمل في كتابه (أسباب النزول علمًا من علوم القرآن) أن اهتمام المستشرقين بالقرآن يعود إلى بداية القرن التاسع عشر، وتفاوت مذاهب المستشرقين وتنوع وسائلهم في التعامل مع القرآن هو انعكاس لاختلاف دوافع الاستشراق في مقاربته للعلوم الإسلامية من حقبة تاريخية إلى أخرى.

ويظهر لدى تتبع طرائق المستشرقين في النظر إلى القرآن والمفاهيم المرتبطة به؛ كالوحي وجمع المصحف والنسخ؛ وجود منهجين متمايزين لدراسة القرآن من الزاوية الإبستمولوجية يطلق على أحدهما “المنهج الفيلولوجي” ويـُعرف الآخر بـ “المنهج الوضعي”.

أ) المنهج الفيلولوجي

الفيلولوجيا أو فقه اللغة هو “علم يهتم بدراسة البناء اللغوي للنصوص والتحقق من تاريخها عن طريق معالجة أصولها المخطوطة والمقارنة بينها”، ويعتبرالمستشرق الفرنسي رجيس بلاشير (1900 – 1973) أبرز من اشتهر باستخدام هذا المنهج، حيث قام في كتابه (مدخل إلى القرآن) بمعالجة مسألة جمع القرآن وتشكل المصحف العثماني وعلم القراءات وعلاقته بالتفسير. كما أنجز ترجمة للقرآن بحسب تاريخ النزول “فاعتبر الآيات الأولى من سورة العلق مدشنة لنزول الوحي على محمد، وأن آخر ما نزل من القرآن هو سورة الفتح، وأدى اتباع هذا الترتيب التاريخي إلى تفكيك بعض السور إلى جزأين مثل سورة المدثر”.

استخدام المنهج الفيلولوجي في التعامل مع القرآن انتهى بالمستشرق الألماني الشهير غوستاف فايل (1808 – 1898) إلى تعيين ثلاثة مقاييس لضبط الترتيب التاريخي للوحي؛ أولاها مقياس يهتم بإشارات القرآن إلى أحداث تاريخية معروفة، وثانيها مقياس يتعلق بمحتوى القرآن من ناحية أغراضه، وثالثها مقياس أسلوب النص، وفي كتابه (مقدمة تاريخية نقدية للقرآن) قام بتقسيم القرآن إلى أربعة مراحل (ثلاث منها تنتمي إلى الطور المكي وتنتمي الرابعة إلى الطور المدني).

وإجمالًا يمكن القول بأن المنهج الفيلولوجي قد أفاد المستشرقين في ترتيب الوحي ترتيبًا تاريخيًا بالتعويل على نص المصحف دون سواه، بالإضافة إلى معرفة الخصائص التركيبية للنص القرآني (كطول الآيات وقصرها) والخصائص البلاغية (كالتعبير بالمجاز والمثل) لكنهم أهملوا النظر في أسباب النزول لاعتقادهم بصعوبة تحديدها خصوصًا في السور المكية.

ب) المنهج الوضعي

يمكن تعريف المنهج الوضعي بأنه “التعويل المطلق على العقل في طلب العلوم والمعرفة، والاستناد إليه في تحليل جميع الظواهر الطبيعية والثقافية وتفسيرها”، وارتبط استخدام المنهج الوضعي بحقبة تاريخية كان الاعتقاد فيها سائدًا بتفوق العقل الغربي وسيادته على جميع ثقافات العالم، وتتلخص أطروحات المستشرقين من أصحاب هذا المنهج” بإنكار نبوة محمد والجزم ببشرية مصدر القرآن بل وتأخر تدوينه إلى القرن الثاني الهجري”.

فقد ذهب المستشرق المجري إجناس جولدتسيهر (1850 – 1921) في كتابه الموسوم بـ (العقيدة والشريعة في الإسلام) إلى إنكار كل أصل مفارق للوحي “وأن محمدًا كان تلميذًا لأحبار اليهود ورهبان النصارى قبل أن ينقلب عليهم في المدينة حيث ولد الإسلام”! وعلى الرغم من تجاوز الفكر الغربي للعقل الوضعي ومفاهيمه المنطقية وتدشينه للعقل النسبي منذ ستينيات القرن العشرين؛ إلا أن الاتجاه الوضعي في الدراسات الاستشراقية لم يندثر حتى الآن.

التفحص السريع لعينة من هذه الدراسات (مثلًا: ما كتبه كل من جون وانسبروغولويس سيديو وهنري لامنس وغيرهم) يؤكد قصور المنهج الوضعي في الإحاطة بطبيعة المفاهيم المحورية التي تشكلت في ظلها الرسالة المحمدية، فالطابع الأيديولوجي للنتائج التي تم التوصل إليها باعتماد المنهج الوضعي ألجأت المستشرقين “الوضعيين” إلى الإعراض عن كل تفسير موضوعي للوحي والنبوة والقرآن.

القرآن والقراءات المعاصرة

مصطلح “القراءات المعاصرة للقرآن” يطلق على طائفة من الدراسات العلمية للقرآن الكريم تتوسل منهجية تتعارض مع طريقة القدماء في فهم القرآن، تبني هذه المنهجية مرتكزاتها على افتراض مفاده أن القرآن حين خاطب المعاصرين لنزوله في مرحلة التأسيس “كان في حاجة دائمة للصياغة الفكرية الإنسانية”، لأن ما يخاطب جيلًا في سياق ثقافي بعينه يعجز عن مخاطبة جيل آخر في سياق مختلف، ولذا يجب تحديد حدود التداخل بين الإلهي والإنساني في الإسلام التاريخي الذي يتم التواصل معه عبر بنية التراث.

الإطار النظري لهذه الدراسات يشدد على أن القرآن في تشكيله لوعي المخاطبين “يعتمد على تصورات الناس ويخاطبهم على قدر عقولهم”، يبدأ القرآن من تصورات الناس للكون والوجود ثم يبدأ بتطويرها – بالتدرج – إلى مرحلة أعلى لينتقل بالوعي إلى طور أكثر نضجًا، ولذا يجب عدم الوقوف بالدلالة المستفادة من النص القرآني عند حدود العصر الذي نزل فيه الوحي، لأن مفردات البنية الذهنية التي كانت تتحكم في وعي الناس في ذلك العصر قد تجاوزها الزمن – وفقًا لجدلية السيرورة والصيرورة – نتيجة تطور الوعي الإنساني، ونسرد هنا نموذجين من هذه الدراسات:

أ‌) القصص القرآني

في عام 1947 أصدر الباحث محمد أحمد خلف الله (1904 – 1989) أطروحة علمية لنيل درجة الدكتوراه من جامعة الأزهر عنوانها (الفن القصصي في القرآن)، عمد الباحث في تلك الأطروحة إلى بيان طريقة القرآن في توزيع العناصر القصصية “وكيف كان هذا التوزيع للعناصر يتبع الظروف والمناسبات، وكيف كان العنصر الواحد من الأحداث والأشخاص محورا تدور حوله أكثر من قصة”، وأن الغرض من إيراد القصة ليس هيكلها وجسمها وإنما جوهرها “وهي التوجيهات الدينية والخلقية إلى الأسس النفسية والنواميس الاجتماعية”.

السبب في إعراض المشركين عن القرآن هو نظرهم إلى القصص القرآني على أنه تاريخ، ولذا اتهموا الرسول بأنه يورد أساطير الأولين وعارضوه بقصص ملوك فارس ورستم وإسفنديار، ولو فهم المشركون أن الغاية من إيراد القصة – كما يقول الباحث – هي غاية أدبية بلاغية للتأثير في النفوس وأخذ العظة والعبرة، وليست غاية معرفية لبيان حقائق التاريخ “لعلموا حتما أنه وحي وأنه تنزيل من حكيم حميد”.

واستشهد الباحث على صحة ما ذهب إليه بما فعله بعض المفسرين القدماء كالرازي والنيسابوري في تأويلهم لقصة داوود والملكين في سورة ص وقول اليهود أنهم قتلوا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله في سورة النساء، بالإضافة إلى ما فعله بعض المتأخرين كالشيخ العلامة محمد عبده في تفسيره لقصة آدم عليه السلام وهاروت وماروت في سورة البقرة، واحتج بكلام علماء البلاغة “حين اكتفوا باللزوم العرفي واعتقاد المخاطب في مسائل البيان، ولم يشترطوا اللزوم العقلي الذي يقتضي مطابقة الواقع”.

النظر إلى القصص القرآني من الزاوية التاريخية هو ما أجبر المفسرين على الاستعانة بالإسرائيليات وإيراد التأويلات التي لا يقبلها العقل ولا تستسيغها النفس، يقول الدكتور محمد شحرور في كتابه (القصص القرآني.. قراءة معاصرة) ما نصه: “إن مدخلنا لفهم القصص القرآني هو جدل الإنسان مع ذاته ومع الطبيعة والمجتمع، فعندما يتم تغييب هذا الجدل يتحول القصص إلى حوادث تاريخية مبهمة وغامضة، وتنشأ أساليب التفسير الخرافية لفك تلبـَسات هذا الغموض، وتتحول روايات أهل الكتاب مستندا مهيمنا على التنزيل الحكيم ومشوها له كما شوه الكتب المقدسة، فالإنسان ككائن حر وذو إرادة واعية يغيب تلقائيا عن الحدث التاريخي، ويستعاض عنه بالإنسان المقهور والمسحوق بين سندان الطبيعة ومطرقة اللاهوت الجبري، وتصبح عند ذلك آيات الله معجزات تصعق الناظر فيها وتكبل إرادته وتمنعه من الوعي بحركية التاريخ وصيرورته”.

ب) مستويات الوحي

يدعو المفكر الجزائري محمد أركون (1928 – 2010) إلى التفريق بين مستويين من الوحي: مستوى الوحي المتعالي (اللوح المحفوظ أو أم الكتاب) ومستوى الوحي المتجلي (المصحف أو التوراة أو الإنجيل)، المستوى الأول ليس متاحا للبشر ويختص الله بعلمه ولذا فهو ذو طابع أزلي، بينما يتميز المستوى الثاني باشتماله على أبعاد تاريخية على الرغم من استلهامه من المستوى الأول.

الخلط بين المستويين نتج عنه التباس منهجي في معرفة حدود التداخل بين الإلهي والبشري، فالعقل قد يتقبل فكرة وجود ميتافيزيقي سابق للنص القرآني لكن الإصرار على البعد الإلهي للقرآن – بوصفه كلام الله الأزلي – يذكرنا بمعضلة ألوهية المسيح بوصفه “كلمة الله التي ألقاها إلى مريم وروح منه”!

وكما يقرر الدكتور طيب تيزيني فالقرآن – حسب مفهوم مستويات الوحي – انتقل من نمط الوجود الثابت الممثل في اللوح المحفوظ إلى نمط الوجود المتغير الممثل في الواقع فأصبح نصا لغويا يخاطب عقول وأفئدة البشر، وإهمال هذا التفريق بين مستويي الوحي أدى إلى استغلاق معنى النص القرآني على الفهم نتيجة استحالة النفاذ إلى مستويات معانيه نظرا للمبالغة في تقديسه، حيث تحول – في وعي المؤمنين به – من نص لغوي قابل للإدراك العقلي إلى نص تصويري يستعصي على القراءة المعرفية الفاحصة.

القرآن ومعيار الفهم الموضوعي

المصدر الإلهي للقرآن لا يخرجه عن إمكانية التعامل معه حسب قوانين المعرفة البشرية لأنه تجسد في لغة إنسانية، وتوجه بمنظومته ومدلولاته إلى البشر في واقع تاريخي محدد، ومن هنا أصبح فهم القرآن محكوما بجدلية الثبات والتغير فالنصوص ثابتة في المنطوق متغيرة في المفهوم، القرآن نزل من عند الله “فالقول لله والتأويل للإنسان”، لم ينزل القرآن ليظل نصا جامدا في ذاته وإنما نزل لتتأمله العقول وتتدبره القلوب وتتحاور معه وتستضيء بتعاليمه نظرا وفكرا وعملا.

عندما انتقل القرآن من منبعه الإلهي إلى الفضاء الإنساني “أخذ يعيش حالة من التشظي الدلالي”، تسببت به اختلاف أفهام البشر المشدودين إلى آفاقهم الثقافية وأطرهم الفكرية وانتماءاتهم السياسية، وقد أسهم العلامة عبدالقاهر الجرجاني (1009 – 1078مـ) في الكشف عن آلية هذه العلاقة بين النص القرآني والقارئ حيث يقول في كتابه (دلائل الإعجاز) ما نصه: “اللفظ يدل على معناه الذي يوجبه ظاهره، ثم يعقل السامع من ذلك المعنى على سبيل الاستدلال معنى ثانيا”.

إن المعضلة الشائكة التي يواجهها كل من يتصدى لتأويل القرآن تتلخص في أن الخطاب – أي خطاب – يجب أن يكون على قدر مفاهيم المخاطب حتى يمكن فهمه، والنص القرآني بوصفه خطابا إلهيا قد اختار اللغة العربية “كنظام إشاري بين الله والإنسان”، واللغة بطبيعتها محدودة لا تتسع – مواضعة واستعمالا وحملا –إلا لمدارك البشر ومعارفهم.

التصور التنزيهي الكامل للذات الإلهية يبدو في غاية الصعوبة بحكم حسية اللغة “فالموجود اللامتناهي يصعب التعبير عنه بلغة الحس المتناهية”، ومحاولة استخدام الشعر – ديوان العرب – لفهم القرآن ليست وسيلة فعالة على الدوام؛ تماما كمحاولة ليَ عنق النص القرآني وإخراجه عن سياقه وإطاره الثقافي الذي تشكل فيه من أجل رفع تناقض ظاهري متوهم، أو تنزيهه عن مطاعن مفترضة، أو لمجرد جدل “بيزنطي” مع الخصوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد