دعوة رئيس الوزراء الشباب المصري للعمل كسائقي توك توك تلخص الطريقة التي ينظر بها المسؤولين في مصر للشباب باعتبارهم عبئًا على الدولة وعالة على المجتمع في حين ينظر إليهم في أماكن أخرى من العالم على أنهم ثروة وعماد النهضة.

وتصريحات رئيس الوزراء لا تعتبر جديدة وهي بالمناسبة لا تمثل صدمة، فالرئيس السيسي أعلن في حملته الانتخابية عن مشروع 1000 عربة خضار كحل لأزمة البطالة لدى الشباب في مصر، ووزارة القوى العاملة لديها منذ سنوات خطط وبرامج طموحة لتأهيل الشباب وبخاصة خريجي المعاهد والجامعات للعمل كخبازين ونجارين وحدادين وسباكين وهي مهن متوفرة وتدر دخلًا يتراوح ما بين 150-200 جنيه يوميًّا كما يقول رئيس الوزراء!

وتصريحات المسؤولين حول أوضاع الشباب في مصر وتصورهم لحل مشكلاتهم تعكس صورة المستقبل الذي يرونه بل ويريدونه ليس للشباب المصري وإنما لمصر ذاتها مصر التي تسيطر فيها فئات بعينها على السلطة والثروة ويطلب من شعبها المطحون الكدح والتقشف ومن شبابها الرضا بالدون والذل والهوان.

والموارد البشرية التي تتمتع بها مصر هي المحرك الرئيسي للنهضة، ولذلك يجب البدء من الآن في عملية إعداد الكوادر البشرية التي تقود عملية التنمية والبناء وهذا التأهيل يتم من خلال توفير التعليم المتميز والتدريب الجيد، والعدالة في شغل الوظائف العامة والوظائف القيادية في الدولة.

والمواطن المصري الذي عانى لعقود من الزمان يستحق الكثير وعلى الجميع أن يعملوا من أجل إعادة العزة والكرامة لهذا المواطن في الداخل والخارج وأن يوفروا له البيئة المناسبة لكي ينتج ويبدع.

 

فشل السياسات الاقتصادية

 

تعيش مصر حاليًا أوضاعًا اقتصادية صعبة وشريحة الفقراء ومعدومي الدخل تتسع يومًا بعد يوم، والملايين في مصر يعيشون تحت خط الفقر وهناك انتشار للأمية والجهل وانتشار للمرض والحكومات المتعاقبة عجزت عن توفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين مثل رغيف الخبز والماء النقي والصرف الصحي، وهناك أيضًا تدهور في الخدمات الصحية والتعليمية وصعوبة بالغة في الحصول على فرصة عمل.

وعندما يواجه المسؤولون بهذه الأوضاع الصعبة والمأساوية التي يعاني منها الشعب المصري نجد الرد الذي يتكرر كثيرًا على ألسنة هؤلاء المسؤولين وهو أن النمو والزيادة السكانية تلتهم عائدات التنمية.

وهذا الرد يعكس فشل السياسات الاقتصادية التي تنتهجها هذه الحكومات، ويعكس فشل هذه النظام الحاكم في استغلال الثروة البشرية التي حققت المعجزات للدول المتقدمة في جميع أنحاء العالم، فالمارد الصيني الذي يضم أكبر عدد من السكان في العالم لم يعان من آثار الزيادة السكانية واستطاع احتلال للعالم بالسلع والأفراد، فما من بيت في العالم إلا ويوجد به منتج صيني، والقوة البشرية الصينية بدأت في غزو العالم في مجالات كثيرة وذلك من خلال الاستثمار والتجارة والعمل ومؤخرًا عن طريق زواج الصينيات من الأجانب.

والصين لم توفر للعالم المنتجات الرخيصة فقط، فلديها سلع ذات جودة عالية تباع في الولايات المتحدة وفي أوروبا، ولم يكتف الصينيون بذلك فبدأوا بتوفير الزوجات الصينيات لغير القادرين في العالم!

والعبقرية الصينية تكمن في دراسة ومعرفة احتياجات الناس بدقة على الرغم من اختلاف بيئاتهم ودياناتهم وتنوع مشاربهم واهتماماتهم، وتكمن في تقديم ما يناسبهم من سلع وخدمات وزوجات أيضًا وبأسعار في متناول أيديهم.

والصين التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 1.4 مليار نسمة تعاني مصانعها في الجنوب من نقص الأيدي العاملة، بينما الكثير من الدول العربية التي يبلغ مجموع سكانها 380 مليون نسمة فقط تعاني من البطالة التي تصل نسبتها إلى 20% في بعض الدول وتصل هذه النسبة في بعض البلدان إلى أكثر من 75% كما هو الحال في فلسطين والعراق.

والهند التي تحتل المرتبة الثانية عالميًّا في عدد السكان ومرشحة لاحتلال المركز الأول في السنوات المقبلة، وتتوقع دراسة أجرتها الأمم المتحدة عن توجهات السكان أن تصبح الهند أكبر دول العالم سكانًا، وتتفوق على الصين بحلول عام 2022، استفادت الهند من الثروة البشرية في عملية التنمية وغزت العالم بأكبر عدد من المتخصصين في مجالات كثيرة وبخاصة مجال تقنية المعلومات، وعدد الهنود العاملين في الخارج يزيد عن 30 مليون فرد.

وتحويلات الهنود المغتربين في عام 2014 تجاوزت 70 مليار دولار وهذه التحويلات أسهمت بشكل مباشر في دفع عجلة الاقتصاد الهندي، وذلك من خلال إقامة المشروعات الإنتاجية التي تسهم بدورها في عملية التنمية. فلماذا نجحت الصين والهند في تحويل الموارد البشرية الضخمة إلى ثروة وقوة اقتصادية وسياسية وعسكرية وفشلنا نحن في الاستفادة من هذه الثروة؟!!!

 

الموارد البشرية هل هي عبء؟!

 

النظر إلى الموارد البشرية على أنها عبء ومشكلة وعامل ضغط على اقتصاديات الدول ينطوي على جهل وعلى أخطاء لها تداعياتها الخطيرة على حاضر ومستقبل الأمم، وعدم استغلال الموارد البشرية والاستفادة من طاقات الشباب حول هذه الطاقات إلى مصدر متجدد للأزمات الاقتصادية والمشكلات الاجتماعية.

والدول التي لم ينجح قادتها في استغلال الموارد البشرية وتوظيفها في عملية التنمية تعاني من أعراض البطالة كالسرقة والتدخين وإدمان الخمر والمخدرات والاغتصاب والهجرة بنوعيها: هجرة الكفاءات وهجرة الفقراء، ومن السفه قيام وزارة العمل بإعادة تأهيل خريجي الجامعات للعمل في المهن المختلفة كالنجارة والحدادة والعمل كخبازين ونجارين!

والخسائر الناتجة عن هذه العملية خسائر فادحة للأشخاص وللدولة، ولنقارن بين هذا العبث الذي يحدث في مصر وبين ما تقوم به دولة كالفلبين التي أصبحت من الدول المصدرة للعمالة الماهرة المدربة، فالفلبين نجحت في اختيار نوعية التعليم والتخصصات المطلوبة في الداخل والخارج ونحجت كذلك في تدريب الخريجين وصقل مهاراتهم وتأهليهم للعمل في الخارج.

 

فشل مشروعات التنمية

 

مشروعات التنمية فشلت لأنها أهملت العنصر البشري، ولم تستثمر الثروة البشرية المتوفرة لديها، وعطلت طاقات الشباب، واستثمرت مواردها في مجالات لا يمكن أن تحقق نهضة في يوم من الأيام.

والموارد الاقتصادية المتاحة يتم استثمار الجزء الأكبر منها في التوسع العمراني العشوائي وفي المجالات الترفيهية والإنفاق ببذخ على القطاع الرياضي والقطاع الفني، والموارد المالية يتم إهدارها وصرفها على مشروعات توفر حلولًا جزئية للمشكلات التي تعاني منها الدولة.

 

تدني مخرجات التعليم

 

هناك إجماع على تدهور أوضاع التعليم في مصر وهناك إقرار من الجميع بعجز المؤسسات التعليمية بأوضاعها الحالية عن تخريج أجيال قادرة على الإسهام في النهوض بمجتمعاتها.

وعند تشخيص أسباب هذا التدهور يشير الكثير من المتخصصين إلى أن مشكلة التعليم في مصر هي الاهتمام بالكم وليس بالكيف، أي بعدد المتعلمين وليس بنوعية التعليم الذي يتلقونه وهذا أمر صحيح لا نشكك فيه ولكن ماذا نفعل بالأعداد الكبيرة من المتعلمين؟ هل نستمر في عملية التجهيل التي تحدث حاليًا؟ أم نحرمهم من التعليم؟ أم نبحث عن وسائل وبدائل تعليمية تستوعب الأعداد الكبيرة من الراغبين في التعلم؟

وحل هذه المشكلات يتطلب أولًا دراسة احتياجات المجتمع من التخصصات المختلفة ودراسة أسواق العمل الخارجية، والخطوة الثانية هي توسيع مجال اختيار التخصص المناسب أمام الطلاب والعمل على إنشاء معاهد وكليات تقدم تخصصات جديدة ومطلوبة نحصل من خلالها على خريجين مؤهلين للعمل في الوظائف التي يكثر الطلب عليها في الداخل والخارج.

وهذا الأمر سيتيح تخصصات جديدة للطلاب تتناسب مع قدراتهم وتتوافق مع ميولهم ويخفف الضغط على بعض التخصصات التي يقبل الطلاب على الالتحاق بها ولا يوجد لخريجيها فرص في سوق العمل، وبذلك يحصل الطالب على حقه في التعليم المتميز والتدريب الجيد وهي أمور تؤهله لسوق العمل، وبذلك نقضي على سبب رئيسي من أسباب انتشار البطالة في العالم العربي.

ومن الجوانب المهمة المتعلقة بمشكلة البطالة في مصر وجود وفرة في بعض التخصصات ووجود ندرة في التخصصات الأخرى، والكثير من الدول العربية تعاني من نقص في بعض التخصصات كالتعليم والطب والتمريض والهندسة، وتعاني من نقص حاد في أعداد العاملين في مجال تقنية المعلومات وفي أعداد الفنيين والتقنيين، ومع ذلك لا توجد خطط لزيادة أعداد الخريجين من هذه التخصصات على الرغم من تزايد الطلب عليها في الداخل والخارج، ومن هنا تأتي أهمية التنوع في التخصصات وضرورة تأهيل الشباب لسوق العمل بالتدريب الجيد.

والتوسع في التعليم العالي الذي تنتشر البطالة بين خريجيه ليس مطلوبًا الآن، والمطلوب في المرحلة الحالية هو التركيز على المدارس والمعاهد المتوسطة التي تخرج فنيين في المجالات التي تحتاجها الأمة كالمجال الزراعي والمجال الصناعي ومجال تقنية المعلومات، وهذه المجالات توفر للخريجين فرصًا للعمل في الداخل والخارج وتوفر لهم رواتب مجزية مقارنة بالمجالات الأخرى.

 

الموارد البشرية ثروة وليست عبئًا

 

ستظل مصر غارقة في مشكلاتها الصغيرة والكبيرة ولن تتمكن من النهوض وتحقيق معدلات نمو مرتفعة إذا استمرت النظرة الخاطئة للمسؤولين وصناع القرار، والتي تعتبر الموارد البشرية عبئًا وعائقًا أمام النهوض بالاقتصاد الوطني وتعلق فشلها على شماعة الزيادة السكانية، فالاستثمار الذي تحرص عليه الدول المتقدمة هو الاستثمار في العنصر البشري وما ينتجه من أفكار وعلم ومعرفة تفوق في قيمتها وأهميتها الثروات الطبيعية الأخرى.

والثورة العلمية والتقنية التي يشهدها العالم حاليًا أثبتت أن الثروة البشرية يمكن أن تعوض نقص الثروات الطبيعية؛ فالعقول البشرية استطاعت بفضل العلم والمعرفة أن تحول الكثير من المواد التي كانت مهملة في السابق إلى منتجات ذات أهمية تسهم في رفاهية البشر.

والعقول البشرية استطاعت أن تستخرج الطاقة من مصادر مختلفة كالشمس والماء والهواء وأخيرًا من المنتجات الزراعية كالذرة وغيرها.

والاقتصاد في المستقبل سيكون قائمًا على المعرفة وليس على الموارد والثروات الطبيعية لأنها في طريقها للنضوب، ومعدل نمو الصناعات المعرفية في العالم يصل إلى 20% سنويًّا.

ومن عوامل نجاح تجربة كوريا الجنوبية في التنمية الاقتصادية الاستفادة من العنصر البشري والاستثمار في التعليم وهذا الاستثمار أدى إلى النهوض بالمجالات الأخرى ونقل كوريا الجنوبية إلى مصاف الدول المتقدمة.

والدول العربية تمتلك ثروة بشرية لو أحسن استغلالها لانتقلت هذه الدول إلى مصاف الدول المتقدمة، وهذه الدول لن تنهض إلا عندما يستقر في وعي المسؤولين في هذه الدول أن الموارد البشرية ثروة يجب العمل على تنميتها واستغلالها وليست عبئًا يجب التخلص منه أو استخدامه كشماعة يعلقون عليها أخطاءهم وفشلهم.

وتنمية الثروة البشرية يتم من خلال تسليح العنصر البشري بالعلم والمعرفة، وصقل الخبرات والمهارت بالممارسة والتدريب الجيد، وتأهيل الخريجين لأسواق العمل المحلية والخارجية وعندما تتحقق هذه الأمور سنجني ثمار هذه الثروة وهي الرخاء والتقدم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد