مُنذ وقوع زلزال الأزمة المالية العالمية في سبتمبر 2008، هبطت مختلف مؤشرات الاقتصاد العالمي (معدل النمو الاقتصادي، نمو الإنتاج الصناعي، التجارة الدولية، أسواق المال… إلخ) وقد أدى ذلك كله بالطبع إلى ارتفاع كبير في معدلات البطالة Unemployment Rates، فتوقعت منظمة العمل الدولية وقتها دخول أكثر من 51 مليون شخص إلى طابور العاطلين بحلول عام 2009.

وقد ازدادت هذه الآثار الاقتصادية والاجتماعية سوءًا مع التغيرات السياسية بالشرق الأوسط وبعد أن هبّت رياح الربيع العربي على عدة دول بالمنطقة العربية ومن بينها مصر، التي تُشير تقارير البنك الدولي World Bank بأن معدلات البطالة فيها قد وصلت إلى مستوى 12.5% في منتصف عام 2016، وهذه المُعدلات الأخيرة لا تضع الاقتصاد المصري في منطقة آمنة، بل تُشكل عبئًا ثقيلًا على كاهل النمو الاقتصادي المنشود.

يُشير مصطلح البطالة إلى توافر الأيدي العاملة القادرة على العمل وترغب به ولكنها لا تجد فرصة مشروعة لذلك. ويُقصد بمفهوم «معدّل البطالة» نسبة عدد الأشخاص العاطلين عن العمل في دولة ما إلى معدّل القوى العاملة الكلي في نفس الدولة. ومما لا شك فيه، أن مشكلة البطالة – سواء كانت ظاهرة أو مُقنّعة – أصبحت أبرز المُعضلات الاقتصاديّة والتنمويّة التي تهدّد بشكل جدّي استقرار وأمن ومستقبل المجتمع المصري، الذي يُعاني من وفرة الأيدي العاملة في ظل ندرة شديدة في رؤوس الأموال والاستثمار. وتترتب على هذه الظاهرة آثار اجتماعية واقتصادية خطيرة في مقدمتها ارتفاع معدلات الفقر والجريمة والإدمان والتفكك الأسري، فضلًا عن كوارث الهجرة غير الشرعية التي باتت تُهدد وطننا بشكل مُستمر.

ويرى الخُبراء أن السبب الرئيسي للبطالة في مصر أن جميع الخريجين بلا استثناء لم يتدربوا خلال المراحل التعليمية المختلفة على أية مهارات شخصية مهنية أو علمية ترتبط وتتناسب مع احتياجات سوق العمل ولا حتى تتناسب مع ما يحملونه من صكوك تعيين «المؤهلات العليا»، فضلًا عن تدني قدرة الاقتصاد المصري على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، والفشل في إيجاد حلول واقعية ومؤثرة لخلق فرص عمل جديدة، إلى أن وقع الاقتصاد المصري في حلقة مفرغة من التعليم الضعيف والإنتاجية المتدنية والدخل المنخفض.

إننا في مصر يجب أن نعي جيدًا الخطر الداهم الذي نواجهه منذ عدة سنوات، والمُتمثل في تخطي تعداد السكان لحاجز 90 مليون نسمة، مع عدم وجود أيدٍ عاملة مُدربة وصالحة للعمل وقادرة على إنتاج ما يكفي استهلاك هذا الشعب، وبالتالي فقد ارتفعت تكلفة المجتمع والخدمات المطلوبة لمعيشته، واتسعت الفجوة بين المتاح والمطلوب لتنفيذ خطط تنمية حقيقية إصلاحية.

وتأسيسًا على ما سبق، ومع استمرار نزيف الكفاءات غير المستغلة في مجتمعنا في ظل عدم توفير فرص العمل المناسبة، تتضاعف الضرورة المُلِحّة لإيجاد حلول جديدة ومُبتكرة تكون بوزن وعمق المشكلة نفسيهما، لنضعها أم مُتخذ القرار الوطني خاصة ونحن نمُر بهذه المرحلة الحرجة في تاريخ الاقتصاد المصري:

أولًا: لا بديل عن خطة قومية مدروسة للارتقاء بالتعليم والتدريب، لكونهما أساس أي نهضة أو ازدهار في أي مجتمع، وعلينا أن نسعى جاهدين بكافة الوسائل والإمكانات المتاحة على تغيير الثقافة والصورة النمطية الرديئة الكامنة في ذهن أفراد المجتمع عن التعليم الفني بمختلف مجالاته، ومحو التصنيفات المعيبة التي تضع الطالب بالمدارس والمعاهد الفنية في مرتبة أقل من زملائه في المؤسسات التعليمية التقليدية أو الجامعية. وبالتوازي مع ذلك، لابد من تزويد المدارس والمعاهد الفنية ومراكز التدريب بالمعلمين والمدربين الأكفاء والموارد المالية اللازمة والأدوات والتجهيزات المتطورة والمناهج العلمية والعملية الملائمة التي تسمح لطلابها بمواكبة التطور التكنولوجي الذي شهده عالمنا في الألفية الجديدة. كما يجب أن تتضمن هذه الخطة محاور محددة لربط التعليم والتدريب الفني باحتياجات سوق العمل تحت إشراف هيئة حكومية مستقلة ومتخصصة.

وحسنًا فعلت الحكومة المصرية الحالية عندما استحدثت وزارة مستقلة للتعليم الفني والتدريب المهني في مارس 2015، إلا أنها تراجعت عن هذه الخطوة بدمجها مرة أخرى مع وزارة التربية والتعليم في سبتمبر من العام نفسه!

إنني أرى أن الاهتمام بالتعليم والتدريب الفني أصبح ضرورة من ضروريات الأمن القومي لهذا الوطن في ظل الوضع الاقتصادي الراهن، ولم نعد نملك رفاهية التقاعس عن تطوير وتفعيل التعليم الفني، وذلك بعد أن قابلت في مناسبات مختلفة خبراء أجانب في مجالات وحِرف غير معقدة، جميعهم من أصحاب المؤهلات الفنية المتوسطة أو فوق متوسطة، اضطرت العديد من الشركات والمصانع المصرية لتوظيفهم مقابل آلاف الدولارات شهريًا، لعدم وجود البديل أو المُنافس من الأيدي العاملة المصرية المُدربة.

ثانيًا: تشجيع ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة، باعتبارها أحد الحلول الحديثة التي أقبل عليها العديد من الدول النامية والمتقدمة على حد سواء بوصفها منبعًا كبيرًا ودعم الأعمال الناشئة وترسيخ ثقافة العمل الحر في المجتمعات. وأدركت أكثر من دولة أهمية ريادة الأعمال في خلق الفرص الوظيفية العاجلة والمستديمة للمواطنين وفتح الآفاق الرحبة والواسعة للابتكار وتشجيع المبادرات، وقد ساهم ذلك في التخفيف إلى حد كبير من حدة البطالة وآثارها السيئة في دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية والصين وإيطاليا والبرازيل.

وما أحوجنا في مصر الآن إلى الاقتداء بمثل هذه التجارب العالمية الناجحة في هذا المجال، من خلال تطوير الخطاب الإعلامي الموجه إلى الشباب المصري لبناء ثقافة العمل الحُر وترسيخ الفكر الريادي لديهم، والتخطيط الحكومي المُتقن لتشجيع وتمويل المشروعات الصغيرة والتصنيع البسيط وتسهيل إنشائها، ودعم آليات التصدير لكافة المنشآت الصغيرة بتسهيلات وتشريعات محفزة على رأسها التخفيضات والإعفاءات الضريبية والجمركية، وفرض ضوابط حكومية للحد من استيراد السلع والمنتجات الأجنبية المُنافسة للمشروعات الوطنية الصغيرة، وأيضًا قصر بعض مجالات التصنيع والامتيازات عليها كي تدخل الأسواق وتنافس الشركات الكبيرة، إلى جانب إنشاء مراكز ومعارض متخصصة لتسويق الإنتاج ونشر خدمات رواد الأعمال أصحاب المشروعات الصغيرة وتصميم حملات ترويجية بأجهزة الإعلام لدعمهم وتحقيق الرواج لمنتجاتهم.

ثالثًا: يجب على الدولة احتضان المشروعات ومبادرات الأعمال غير الرسمية، عن طريق مساعدتها في تقنين أوضاعها وتبسيط إجراءات تسجيلها وإدماجها بالقطاع الرسمي للدولة، وتسهيل آليات تمويلها وتقديم خدمات تنمية الأعمال اللازمة لنموها وتنافسيتها، مع التركيز على المشروعات الزراعية والصناعية خاصة الصناعات كثيفة التشغيل، مع الأخذ في الاعتبار أن تكون الأولوية للمحافظات الأكثر فقرًا ومحافظات الصعيد.

كذلك الأنشطة الخدمية البسيطة التي اعتمد عليها الشباب المصري مؤخرًا هربًا من شبح البطالة ودون تقنين أو تنظيم من الدولة، ومنها النشاط الفردي العشوائي (مثل نقل الركاب بالتوك توك والباعة الجائلين)، ومنها ما هو جماعي ومنتظم (مثل شركات سيارات الأجرة التي تتواصل مع عملائها عبر تطبيقات الهواتف المحمولة). مثل هذه الأنشطة كان من الواجب على الحكومة أن تلتفت إليها وتعمل على تقنين أوضاعها ورعايتها وتنظيمها وجعلها في بؤرة النشاط الاقتصادي للدولة للاستفادة مما بها من إيجابيات والتخفيف مما تحمله من سلبيات، بالإضافة إلى تسهيل الاستثمار في هذه المشروعات من قبل القطاعين العام والخاص ومضاعفة رؤوس أموالها عن طريق منصات وحاضنات ريادة الأعمال Entrepreneurship.

رابعًا: علينا إعادة تأهيل السوق المصري لجذب أكبر قدر ممكن من الاستثمارات الأجنبية، خاصة الشركات متعددة الجنسيات Multinational Corporation، لما لذلك من عظيم الأثر على الاقتصاد المصري بشكل عام، ومواجهة البطالة وتوظيف الطاقات البشرية بشكل خاص. فمثل هذه الشركات القوية تُساهم بشكل فعال في تعظيم التنافسية داخل السوق المحلي، وتوفير كافة سُبل التدريب والتحفيز والرعاية للأيدي العاملة الوطنية المُنتسبة إليها، وتُخفف عن كاهل الحكومة عبء تدريب وتوظيف آلاف الشباب العاطلين، كما تساهم في خلق جيل جديد من الكوادر المُحترفة والمُدربة في شتى المجالات يمكنها أن تنقل خبراتها في المستقبل إلى الأفراد والمؤسسات المصرية.

ولتحقيق ذلك لابد من مراجعة كافة القوانين والتشريعات المتعلقة بالمستثمر سواء الوطني أو الأجنبي، والسعي الدؤوب لاستقرار الأوضاع الأمنية في البلاد لما لذلك من أثر بالغ في جذب الاستثمارات الأجنبية وخلق فرص عمل جديدة، فضلًا عن الاهتمام البالغ بالترويج للاقتصاد المصري وفرص ومميزات وضمانات الاستثمار في مصر، من خلال بعثاتنا الدبلوماسية ومكاتب التمثيل التجاري في الخارج.

خامسًا: تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني Civil society في مواجهة البطالة وتوظيف الشباب، فبعد ثورة يناير 2011 وتحقيق انفراجة نسبية في الحياة العامة بمصر، شجع ذلك الكثير من الطاقات في المجتمع للحضور في الساحة ككيانات رسمية ذات صفات قانونية وذات خصوصيات مميزة وأدوار فعالة وأيضًا كقوة رقابية لا يستهان بها على الأجهزة التنفيذية والتشريعية في الدولة. ومما لا شك فيه، أن مؤسسات المجتمع المدني المختلفة تمتلك خواصَّ فريدة لا يمكن لأية مؤسسات أخرى أن تمتلكها، فهي تعايش الواقع، وتقترب من الساحة الشعبية لتتحسس نبض الشارع وتتلمس احتياجاته والمشكلات الموجودة فيه. وتقوم بتسليط الضوء على المشكلات بعد دراستها ومعرفة حجمها كوسيلة لطرح هذه المشكلات بقوة وبالتالي دفع الجهات المختصة إلى محاولة إيجاد الحلول لها، وفي كثير من الأحيان تساهم بوضع مقترحات وآليات مختلفة لحل الكثير منها إلى جانب تنفيذ بعض هذه المقترحات.

وبالنسبة لمشكلة البطالة تحديدًا، فيمكن أن تلعب منظمات المجتمع المدني دورًا بارزًا في مواجهة هذا التحدي، عن طريق المساهمة في إجراء مسح ميداني شامل لمعرفة حجم المشكلة ورصدها وعمل إحصاءات دقيقة وموثقة. وإجراء الدراسات عن احتياجات سوق العمل الحالية والمستقبلية، وأيضًا القيام بالجانب التوعوي والتثقيفي للشباب لتعريفهم باحتياجات سوق العمل الفعلية ومحاولة توجيههم للتخصصات المطلوبة، وخلق حلقات وصل بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص لدراسة الشواغر الوظيفية والتخصصات المطلوبة، وأخيرًا يمكن أن تقوم مؤسسات المجتمع المدني بتنفيذ برامج لتأهيل الشباب العاطلين عن العمل.

سادسًا: مراعاة قواعد تكافؤ الفرص والمساواة بين الجنسين خلال التصدي لمشكلة البطالة، فإذا نظرنا بعمق إلى المجتمع المصري فسوف نجد فئات بعينها أكثر تضررًا بأزمة البطالة في مقدمتها النساء وذوو الاحتياجات الخاصة والمجتمعات الريفية. حيث تشير أحدث التقارير الحكومية المصرية إلى أن معدل البطالة بين الشباب المصري من حملة المؤهلات المتوسطة وفوق المتوسطة والعليا في الفئة العمرية (15 – 29 سنة) قد بلغ بين الشباب الذكور 27% في حين بلغت النسبة بين الشابات الإناث 59.3%.

كما أنه في ظل عدم تفعيل مواد القانون المصري التي تلزم مؤسسات القطاع العام والقطاع الخاص بتعيين نسبة 5% من العاملين لديها من ذوي الاحتياجات الخاصة، فضلًا عن تقاعس الحكومات المصرية خلال المراحل الزمنية المختلفة عن توفير بدائل لهؤلاء المواطنين، فقد أدى كل ذلك إلى تضاعف أعداد العاطلين والطاقات البشرية المهدرة من هذه الفئة.

لذا أصبح من الضروري أن يتم تحديث وتفعيل القوانين والتشريعات والآليات التي يمكن بموجبها ضمان تحقيق المساواة وتكافؤ الفرص بين فئات المجتمع المختلفة خلال انخراطهم في سوق العمل بالقطاعين العام والخاص على حد سواء، وضمان عدم التمييز بين الرجل والمرأة في تولي الوظائف أو الحصول على الحقوق والامتيازات والضمانات التي كفلها القانون المصري. كما يجب تركيز جهود الدولة ومؤسسات المجتمع المدني في رعاية وتأهيل وتدريب الشباب في المناطق الريفية ومحافظات الصعيد باعتبارها الأكثر تأثرًا من أزمة البطالة، والأعلى في نسبة الفقر.

وأخيرًا؛ يجب أن نعي جيدًا مرحلة المخاض التاريخية التي يمُر بها الاقتصاد المصري حاليًا، وقد أصبح بإمكاننا أن نكون فاعلين في هذا العالم، فقط إذا أعددنا العُدة وتعلمنا من الدروس والتجارب السابقة، وخططنا بدقة لتحقيق الاستغلال الأمثل لكافة مواردنا وثرواتنا وفي مقدمتها الثروة البشرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد